Impact of the Heart's Work on Quranic Recitation and Contemplation
أثر عمل القلب على تلاوة القرآن وتدبره
Régions
•Arabie saoudite
سلسلة أثر عمل القلب على العبادات (٤)
بسم الله الرحمن الرحيم
أثر عمل القلب على تلاوة القرآن وتدبره
د. ابراهيم بن حسن الحضريتي
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمدَ لله، نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفرُهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضْلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد: فإن الاهتمام بذكر أثر عمل القلب على عبادة تلاوة القرآن وتدبره من أعظم ما ينبغي الاعتناء به، والحرص عليه؛ لأنه لا عزة ولا شرف للمسلم في الدنيا، ولا مكانة له عند الله إلا بالإقبال على هذا الكتاب تلاوة وتدبرًا وعملًا، والسنة كذلك مرتبطة به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠].
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٤٣ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٤].
وهذا الكتاب الذي أعانني الله عليه، ووفقني لأن أكتبه هو الرابع في هذه السلسلة المباركة (أثر عمل القلب على العبادات).
وأسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يرزقني الإخلاص فيه، وأن ينفعني به وكل من قرأه والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الدكتور: إبراهيم بن حسن الحضريتي
إمام وخطيب جامع القناعة بشرائع المجاهدين بمكة المكرمة
ebrahim1407@gmail.com
1 / 2
وهذه المحاور التي يدور عليها هذا البحث:
التمهيد، وفيه مقدمتان:
المقدمة الأولى: القرآن الكريم دواء وشفاء ونور وهداية، لا ينتفع به العبد إلا إذا كان محله قابلًا لذلك.
المقدمة الثانية: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
المبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب.
المطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب.
المطلب الثاني: أهمية عمل القلب.
المطلب الثالث: الآثار العامة لعمل القلب على العبادات.
المبحث الثاني: القلب لا يتأثر بالقرآن وينتفع به ويظهر أثره على الجوارح إلا بتحقق المطالب الآتية:
المطلب الأول: الإخلاص لله تعالى والحرص الشديد على سلامة المقصد.
المطلب الثاني: الحرص على إتباع الهدي النبوي في هذه العبادة.
المطلب الثالث: ملازمة التوبة النصوح، وكثرة الاستغفار الصادق.
المطلب الرابع: كثرة الدعاء والإلحاح فيه على الله أن يرزق العبد حلاوة تلاوة القرآن والتلذذ به، واجتماع القلب عليه، وحسن تدبره.
المطلب الخامس: شعور العبد في قلبه بعظمة أثر القرآن.
المطلب السادس: حرص العبد على تدبر القرآن العظيم، وله عدة عناصر.
أولًا: معنى التدبر وأنواعه.
ثانيًا: أهمية التدبر والأدلة عليه.
ثالثًا: ذم السنة لقوم اشتهروا بكثرة التلاوة بدون تدبر لمعانيه وفهمه على طريقة الصحابة.
رابعًا: وسائل التدبر.
1 / 3
ولهذا التدبر عدة وسائل، منها:
١ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة.
٢ - تكرار الآية أو الآيات في الموضوع الواحد.
٣ - أن يعيش بقلبه وأحاسيسه في معنى الآيات، ويسبح بفكره في معانيها، فيحرك قلبه بها، ويتصور مشاهدها كأنها رأي عين.
٤ - أن يحاسب نفسه إذا لم يجد أثرًا للآيات في قلبه.
٥ - أن يحاسب نفسه إذا لم يجد أثرًا للآيات في قلبه.
٦ - ترتيل الآيات وتحسين الصوت بقدر الوسع بدون تكلف.
٧ - أن يحرص على الخلوة مع ربه في ظلمة الليل عند تدبره للآيات.
٨ - أن يفرغ نفسه مما يشوش عليه قلبه وفكره -من الشواغل- عند التلاوة أو الاستماع لها.
٩ - أن يفرغ نفسه مما يشوش عليه قلبه وفكره -من الشواغل- عند التلاوة أو الاستماع لها، ويبحث عما هو أنفع لقلبه.
١٠ - الاطلاع على أحوال السلف مع القرآن العظيم.
المبحث الثالث: مظاهر ودلائل أثر عمل القلب على انتفاع العبد بالقرآن العظيم:
أولًا: زيادة خشوع الجوارح تبعًا لزيادة خشوع القلب، والتأثر بالآيات الذي يؤدي إلى البكاء من خشية الله وتعظيمه وإجلاله، وإلى اقشعرار الجلد من خشيته، ومن ثَمَّ لين القلب والجلد لذكر الله.
ثانيًا: زيادة الإيمان في القلب الذي يظهر أثره على الجوارح بالشعور بعظمة الله وهيبته في القلوب والمسارعة والمسابقة إلى مرضات الله وجنته، ويثمر انشراح الصدر وطمأنينة القلب.
ثالثًا: ممم
رابعًا: التخلق بخلق القرآن.
1 / 4
المبحث الرابع: موانع تأثر القلب بالقرآن العظيم، وفيه تمهيد ومطالب.
التمهيد:
المطلب الأول: الخلل في النية والمقصد.
المطلب الثاني: الخلل في متابعة الهدي النبوي في تلاوة القرآن وتدبره.
المطلب الثالث: عدم طهارة القلب.
المطلب الرابع: عدم تقدير كلام الله حق قدره.
المطلب الخامس: تعلق القلب بغير الله.
المطلب السادس: الغفلة عن لقاء الله في الآخرة.
المطلب السابع: التقصير في أداء الفرائض، ومن ثم إهمال النوافل.
المطلب الثامن: مجالسة أهل الأهواء الذين يضربون القرآن بعضه ببعض، ويتبعون متشابه ويتركون محكمه.
المطلب التاسع: ذنوب الخلوات.
المطلب العاشر: التعلق بشهوات النفس المحرمة من سماع الحرام والنظر إليه وأكل الحرام.
1 / 5
التمهيد: مقدمتان مهمتان:
المقدمة الأولى: القرآن الكريم دواء وشفاء ونور وهداية، لا ينتفع به العبد إلا إذا كان محله قابلًا لذلك، وقال في الخلاصة: "وهو القلب الحي؛ وذلك أن القلب إذا كان زكيًّا يَقِظًا أثمر ذلك فيه كل وصف ومعنى شريف؛ لأن «القلب إذا كان رقيقًا لينًا كان قبوله للعلم سهلًا يسيرًا، ورسخ العلم فيه وثبت وأَثَّر، وإن كان قاسيًا غليظًا كان قَبوله للعلم صعبًا عسيرًا.
ولا بد مع ذلك أن يكون زكيًّا صافيًا سليمًا؛ حتى يزكو فيه العلم ويثمر ثمرًا طيبًا، وإلا فلو قَبِل العلم، وكان فيه كَدَر وخبث، أفسد ذلك العلم، وكان كالدَّغَل في الزرع إن لم يمنع الحبَّ من أن ينبتَ منعه من أن يزكوَ ويطيب، وهذا بَيِّن لأُولي الأبصار» (^١).
ومن هنا كان الصحابة ﵃ يتعلمون الإيمان قبل القرآن.
فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حَزَاوِرَة (^٢)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا» (^٣).
وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «لقد عشنا بُرْهَة من دهرنا، وإن أحدنا يُؤتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ، فنتعلم حلالها وحرامها، وآمِرَها وزَاجِرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تَعَلَّمُون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يُؤتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فَاتِحَتِه إلى خَاتِمَتِه ما يدري ما آمِرُه ولا زَاجِرُه، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه» (^٤).
وعن حذيفة ﵁: «إنَّا قوم أُوتينا الإيمان قبل أن نُؤتَى القرآن، وإنكم قوم أُوتيتم القرآن
(^١) مجموع الفتاوى (٩/ ٣١٥).
(^٢) هو جمع حَزْوَرٍ، وهو الذي قارب البلوغ. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٨٠).
(^٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٣) رقم (٦١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٥٢) رقم (٥٠)، والسنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٧)، وصححه الألباني في تحقيقه لسنن ابن ماجه رقم (٦١)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (١/ ٤٢): «إسناده صحيح».
(^٤) أخرجه الحاكم (١/ ٩١) رقم (١٠١) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٥).
1 / 6
قبل أن تُؤتوا الإيمان» (^١).
وقد جاء عن عثمان ﵁: «لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله ﷿» (^٢).
وعلى قدر حياة القلب يكون تَأَثُّره وتَدَبُّره وتَذَكُّره، فتارة يقوى، وتارة يضعف، وقد ينعدم ويتلاشى، كما يدل على ذلك ما جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى من الطبع على القلوب، والخَتْمِ عليها، وإزاغتها، فصاحب هذا القلب الأغلف أو المنكوس لا يحصل له شيء من التدبر والاعتبار والتفكر والانتفاع بما يقرأ أو يسمع من آيات الله تعالى.
قال ابن عباس ﵄ عند قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]: «كان المنافقون يجلسون عند رسول الله ﷺ ثم يخرجون، فيقولون: ماذا قال آنفًا؟! ليس معهم قلوب» (^٣)؛ يشير إلى قوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] " انتهى المقصود من كتاب الخلاصة في تدبر القرآن (^٤).
(^١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٦).
(^٢) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (ص ١٠٦) رقم (٦٨٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٣٠٠).
(^٣) أخرجه في الدر المنثور (٧/ ٦٠٨) عن ابن مردويه عن ابن عباس ﵄.
(^٤) الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٤١ - ٤٢).
1 / 7
المقدمة الثانية: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وفي هذه الآية عدة أقوال، منها:
١ - قيل: لنزيدنهم هدى كما قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
٢ - وقيل: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، والطريق المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله ﷿.
٣ - وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات.
٤ - وقال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى.
٥ - وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به.
٦ - وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة.
٧ - وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا (^١).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].
ومن جاهد عدوه الكافر، ونفسه بالصبر على الطاعات، وجاهد هواه وشيطانه، فإنما تعود ثمرة تلك المجاهدة عليه (^٢).
وعلى هذا فمن جاهد نفسه على تدبر القرآن والانتفاع بعظاته والعمل به، وفقه الله للحصول على ذلك والوصول إليه، وهداه لما يحبه ويرضاه، فإذا علم الله من العبد صدق النية والرغبة الصادقة في تدبر القرآن والانتفاع به، وبذل أسباب ذلك، وعلى رأسها الدعاء الذي يلح فيه العبد على ربه، فإن الله يفتح عليه ويهديه إلى أسباب النجاح في ذلك.
(^١) ينظر: تفسير البغوي (٦/ ٢٥٦).
(^٢) ينظر: تفسير البغوي (٦/ ٢٣٣)، تفسير ابن كثير (٦/ ٢٦٤)، تفسير السعدي (٦٢٦).
1 / 8
المبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته، وفيه مطالب
المطلب الأول: من أدلة الكتاب والسنة في إثبات أثر عمل القلب
لقد اعتنى القرآن العظيم والسنة الشريفة بمسألة عمل القلب وأثره اعتناء كبيرًا، فقد جاءت آيات كثيرة في إثبات أثر عمل القلب وتأثره بما يعمل صاحبه، فقد ذكر الله ﷾ أن قلوب المؤمنين يصيبها الوجل، وتطمئن بذكره، وأنها تخشع وتخضع لأمره، وغير ذلك كثير، وإذا تقرر هذا في حق المؤمنين، فإن القرآن الكريم قد ذكر في مقابل ذلك حال الكفار والمنافقين وتأثر قلوبهم بما يعملون، وذكر ﷾ كذلك أثر أمراض قلوبهم عليهم؛ من الختم والطبع، وما أصابها من مرض النفاق، والزيغ عن الحق، والقسوة … وقد جاءت آيات كثيرة في بيان ذلك. وكذلك جاءت أحاديث كثيرة تثبت أثر عمل القلب، ودونك ملخص لإثبات ذلك:
أولًا: أمثلة على إثبات أثر عمل القلب على المؤمن مع ذكر شواهدها من القرآن العظيم
١ - وجل القلب وخوفه من الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢]. وفيها إثبات أثر ذكر الله على القلب بحصول الوَجَل، ومعناه: الخوف من الله (^١)، ولا شك أن الذكر لا يحدث أثره في حصول وجل القلب من الله تعالى إلا إذا تواطأ القلب مع الحواس.
٢ - طمأنينة القلب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، دلت الآية على أثر ذكر الله على قلب المؤمن، فهو يأنس ويطيب ويسكن بذكر الله تعالى (^٢).
(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤٢٥).
(^٢) ينظر: تفسير الطبري (١٦/ ٤٣٢).
1 / 9
ثانيًا: أمثلة على إثبات أثر مرض القلب على صاحبه وردت في آيات الكتاب العزيز
١ - عقوبة الله لأصحاب القلوب التي كفرت بالله بالختم عليها، وزيغ القلوب عن الحق، فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧].
قال البغوي ﵀ في تفسيره لمعنى الختم على القلوب: "فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾: طبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا تعي خيرًا ولا تفهمه" (^١).
وهذا الختم على القلوب عقوبة لهم بسبب منهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
ومن آثار مرض النفاق على القلوب تقييدها عن الخير بما يحدث لها من التردد والتذبذب والشك والحيرة والكسل عن الطاعات وكرهها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]. والريب هو الشك، وهو من أثر أمراض النفاق على القلوب، فيتولد منه أثره على القلب بالتردد والتذبذب والكسل عن الطاعة وكرهها، فقال تعالى في بيان أثر النفاق على القلب: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا
(^١) تفسير البغوي (١/ ٦٤ - ٦٥).
1 / 10