Ijaza

إجازة مفتي الشافعية الغزي لابن الدباغ

Genres
Licenses
•
Régions
Syrie
•
Empires & Eras
Ottomans

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي رفع مقام طالب حديث رسوله فجعله عليا، وأعز قدر من انقطع إليه وسلك سبيلا حسنا وطريقا جليا، ووضع من شذ عن هداه واتبع هواه وكان للشيطان وليا، سبحانه من إله وفق من شاء لاتباع سنته وهداه صراطا سويا.

أحمده على فضله المتصل العالي، وأشكره على إنعامه المتواتر المتوالي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله خالق السموات والأرض، شهادة أدخرها ليوم الحساب والعرض.

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المرسل رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، ورؤوفا رحيما بالمؤمنين وسراجا منيرا، الذي بعثه بشرع ناسخ لشرائع من تقدمه وليس بمنسوخ، ورفع أعلامه وخصه بخير أمة وجعل بعثه للساعة علامة، وخفض أعداء دينه بإشارة: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين بالحق لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة)).

Page 19

صلى الله وسلم عليه وعلى آله المكرمين الأفراد، المطهرين من الأرجاس والعلل القادحة بين العباد، وعلى أصحابه الجهابذة الثقات أئمة الاقتداء، الذين لا يبحث عن عدالتهم فهم نجوم الاهتداء، الطالعون في أفق الملة المحمدية كالبدور، الذين تسلسل صحيح فضلهم فليس بغريب ولا منكور، ما سال في وجنات الطروس عذار السطور، وعطرت الحدائق نفحات الزهور.

أما بعد:

فإن فضل علم الحديث مستفيض مشهور، وشرفه على سائر العلوم بكل لسان مذكور، كيف لا؟ وأعظم مدار الأحكام الشرعية -العملية والاعتقادية- على الحديث: متنا وإسنادا، وضبطا وإتقانا وانتقادا، وهو العلم الذي لا يتركه إلا كل ملحد جاحد، والفن الذي لا يحتاج متابعه إلى نصب البراهين وإقامة الشواهد، والسبيل الأحمد الذي لا يشك مسلم في إنارته، والمسلك الموطأ الذي لا يرتاب عاقل في استقامته.

قد ورد الحث على الاعتناء به في قول سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام: ((نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها))، رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه وقال: حسن صحيح، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه)) عن جبير بن مطعم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي ، عن زيد بن ثابت.

Page 20

وفي رواية صحيحة: ((نضر الله امرءا سمع منا حديثا فأداه عنا كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)).

وفي أخرى حسنة: ((نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه))، رواه الترمذي في ((جامعه))، والضياء المقدسي في ((المختارة)) عن زيد بن ثابت.

وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع، كما أخرجه الشيخان في ((الصحيحين)): ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)).

وقال صلى الله عليه وسلم : ((بلغوا عني ولو آية)).

وقال صلى الله عليه وسلم : ((اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم)).

رواهما البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

Page 21

فلهذا كان علم الحديث أولى ما بذلت في تحصيله الهمم العوالي، وأعلى ما تصرمت في طلبه الأيام والليالي، لا سيما إذا حصلت روايته بالأسانيد العالية، والطرق الشريفة السامية، حرصا على بقاء سلسلة الإسناد التي هي من خصائص هذه الأمة المحمدية إلى يوم التناد.

قال الإمام أحمد رحمه الله: ((طلب الإسناد العالي سنة)).

وقال الإمام محمد بن أسلم: قرب الإسناد قربة إلى الله تعالى.

وقال الإمام عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

وقال بعض السلف: إن السند كالسيف للمقاتل.

لا سيما وقد حكى الحافظ أبو بكر ابن خير اتفاق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، حتى يكون عنده ذلك القول مرويا ولو على أقل وجوه الروايات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار))، وفي بعض الروايات: ((من كذب علي)) مطلقا بدون تقييد.

Page 22

وإليه أشار الحافظ العراقي في ((ألفية المصطلح)) بقوله:

قلت ولابن خير امتناع ... جزم سوى مرويه إجماع

ومن فضائل حملة الحديث:

ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قيل له: يا أبا عبد الله، من الفرقة الناجية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكر افتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية؟ فقال: هم أصحاب الحديث، الذين يحفظون على الأمة شرائعهم وسنن نبيهم.

وروي عنه أيضا أنه قيل له: من الأبدال؟ فقال: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فما أدري من هم؟

وروى عبد الله بن إسحاق عنه أيضا نحو هذا، وفيه أنه قال: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فلا أعرف لله أبدالا؟

وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو يعقوب البويطي: سمعت الشافعي يقول: إذا رأيت صاحب حديث فكأني رأت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو بمنزلته.

Page 23

وقال أيضا: قال لنا الشافعي: جزاهم الله عنا خيرا؛ إنهم حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا فضل. يعني المحدثين.

وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: من عظم أصحاب الحديث عظم في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن حقرهم سقط من عين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن أصحاب الحديث أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن النظم في ذلك ما وجد بخط أبي المعالي هبة الله الشيرازي:

رواة أحاديث الرسول عصابة ... بهم يثبت الإسلام والدين والدنيا

فلولاهم لم يبد للدين منصب ... ولم يك بين الناس حكم ولا فتيا

وللحافظ الجلال السيوطي في ذلك:

من كان من أهل الحديث فإنه ... ذو نضرة في وجهه نور سطع

إن النبي دعا بنضرة وجه من ... أدى الحديث كما تحمل واستمع

وقلت:

رواة حديث المصطفى لهم الفخر ... وفي أفق العليا هم الأنجم الزهر

هم حفظوا أخباره وحديثه ... ففاز لهم قدح وضاع لهم نشر

وفي الوجه منهم بهجة ونضارة ... بدعوة خير الخلق فيما روى الحبر

Page 24

عليهم تحيات من الله دائما ... بروح وريحان يفوح لها عطر ومما اختص به أصحاب الحديث، ولم يشاركهم فيه سواهم:

أن الله تعالى يرزقهم ملكة نورانية يقذفها الله تعالى في قلوبهم، يقتدرون بها على تمييز كلام النبي صلى الله عليه وسلم من غيره، ويحصل لهم ذلك كما قال ابن دقيق العيد: بكثرة محاولة ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا مما أكرمهم الله تعالى به.

قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي: إن الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب الحديث، وينفر من قلبه في الغالب.

وقال الربيع بن خثيم: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره.

هذا، وإن من طرق الرواية الإجازة، على مذهب من قال بذلك وأجازه، وهم جمهور المحدثين، واستقر عليه عملهم، وأوجبوا العمل بها.

وهي تنوب لطالبها مناب السماع، وفيها للراغب في نشر السنة الشريفة نوع اتساع؛ فلهذا ثابر على تحصيلها ذوو الهمم العلية، وحرص على نيلها الموفقون أرباب الشيم الزكية، من كل تحرير برع في طلب العلوم، وجمع المنطوق منها والمفهوم، حتى امتطى من درجات الكمال ذروتها وسنامها، وكشف عن وجوه مخدرات الحقائق لثامها.

Page 25

وإن ممن أكرمه الله بهذه الكرامات، وجمع فيه هذه المزايا ومنحه هذه المقامات، وظهرت عليه أنوار التوفيق وعلامات السعادة، وأشرقت في أسرته بوارق الفضل ولوائح السيادة، وبذل علي همته في اكتساب الفضائل، وصرف نقد عمره في اجتناء المحامد واجتناب الرذائل: الأديب اللوذعي الكامل، والهمام الألمعي الفاضل، أخي في الله الشيخ علي ابن الشيخ مصطفى، المعروف بابن الدباغ، الحلبي الشافعي سلمه الله.

فإنه هاجر من حلب إلى دمشق، وكانت هجرته إلى الله ورسوله، وجعل بها الاشتغال بالعلوم ديدنه، إذ كانت جل مطلوبه ومأموله، وقطنها برهة من الزمان، قرين تحصيل، وزميل تفريع وتأصيل، مع ما اتصف به من براعة ساد بها وزاد حساده غما، ويراعة فاق بها أقرانه نثرا ونظما:

هذا وليل الشباب الجون منسدل ... فكيف حين يجيء الليل بالسرج

وقلت متمثلا:

أعيذه فاضلا بالله ما سمعت ... بمثله أذني ولا رأت عيني

صحيح لفظ وخط قال حاسده ... كأنه الجمع ما بين الصحيحين

فنظر إلي بعين الرضا، وعين الرضا عن كل عيب كليلة، وراج على نقده مزجى بضاعتي القليلة، والتمس مني أن أجيزه بمروياتي، وأبيح له رواية مقروءاتي ومسموعاتي.

فقدمت في ذلك رجلا وأخرت أخرى، ثم رأيت امتثال أمره أولى، وقبول إشارته أحرى، فأجبته إلى ما التمس من ذلك، مستمدا الفتح من القدير المالك.

Page 26

وأجزت له أن يروي عني جميع ما قرأته وسمعته ورويته -بسماع أو عرض أو مناولة أو إجازة خاصة أو عامة أو مكاتبة- إجازة عامة مطلقة مما يجوز لي وعني روايته من العلوم الشرعية، وهي: علم التفسير والحديث والفقه والعقائد السنية، وآلاتها كالنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والقراءات والفرائض والحساب والمنطق وغيرها.

وأذنت له أن يروي ذلك ويقيده بالشرط الصحيح المعتبر عند أهل الحديث والأثر.

وأخبره -أدام الله سموه، وحقق له من الخيرات مرجوه- أني أخذت

العلم دراية ورواية عن جهابذة فخام، وأئمة أعلام، وسادة كرام، منهم:

- شيخ الإسلام مفتي السادة الحنابلة بدمشق الشام الإمام المحدث

المسند، الخاشع، الناسك، الهمام، الشيخ محمد أبو المواهب ابن العلامة المحدث الفقيه الشيخ عبد الباقي الحنبلي الأثري، رحمهما الله تعالى، وضاعف عليهما إنعامه ووالى.

حضرت دروسه بالجامع الأموي المعمور، وبحجرته دار الحديث داخل مشهد المحيا بالجامع المرقوم، ودرسه بين العشائين بالجامع أيضا.

وسمعت منه: الحديث المسلسل بالأولية، وأنا صغير.

Page 27

وقرأت عليه من فن المصطلح ((شرح ألفية العراقي)) لشيخ الإسلام زكريا، و((شرح النخبة)) لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، ومن فن القراءات والتجويد ((شرح الجزرية)) لشيخ الإسلام زكريا، وشرحها لابن مصنفها، و((القواعد البقرية)) و((الشاطبيتين)) مع مطالعة شروحهما، وسورة البقرة إفرادا للقراء السبعة، وجمعا لأهل سما والقرآن العظيم جمعا للقراء السبعة.

وأجاز لي ما يجوز له وعنه روايته، وبالإفتاء والتدريس.

ومن شيوخه: شيخ الإسلام النجم الغزي عم جدي، والشيخ محمد ابن بدر الدين البلباني الصالحي، والمنلا إبراهيم بن حسن الكوراني المدني، والشيخ علي الشبراملسي المصري، والشيخ محمد بن محمد الأسطواني الدمشقي، والشيخ العلامة إبراهيم بن منصور الفتال، والشيخ نجم الدين الفرضي، والشيخ صفي الدين أحمد القشاشي المدني، والشيخ علي القبردي الصالحي، والشيخ خير الدين الرملي الحنفي، وغيرهم.

- ومنهم: العالم العلامة المحقق، والحبر البحر الفهامة المدقق،

العارف بالله تعالى، صاحب المقام الأنسي والمشهد القدسي، الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي، ابن الإمام العلامة فخر العلماء الأعلام الشيخ إسماعيل ابن الشيخ عبد الغني، فسح الله في أجله، وأدام النفع بعلمه وعمله.

حضرت دروسه التفسيرية بالمدرسة السليمية بصالحية دمشق.

Page 28

Ijaza | Usul