Vivification des sciences de la religion
إحياء علوم الدين
Maison d'édition
دار المعرفة
Lieu d'édition
بيروت
يا عمر (١)
وأي ثناء يزيد على هذا ولكنه ﷺ قال عن صدق وبصيرة وكانوا ﵃ أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبرًا وعجبًا وفتورًا بل مدح الرجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر إذا قال ﷺ أنا سيد ولد آدم ولا فخر (٢)
أي لست أقول هذا تفاخرًا كما يقصد الناس بالثناء على أنفسهم وذلك لأن افتخاره ﷺ كان بالله وبالقرب من الله لا بولد آدم وتقدمه عليهم كما أن المقبول عند الملك قبولًا عظيمًا إنما يفتخر بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه وبتفصيل هذه الآفات تقدر على الجمع بين ذم المدح وبين الحث عليه قال ﷺ وجبت (٣)
لما أثنوا على بعض الموتى وقال مجاهد إن لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ذكر الرجل المسلم أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة يا ابن آدم المستور عورتك أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك فهذه آفات المدح
بيان ما على الممدوح
اعلم أن على الْمَمْدُوحِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ آفَةِ الكبر والعجب وآفة الفتور ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ودقائق الرياء وآفات الأعمال فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح ولو انْكَشَفَ لَهُ جَمِيعُ أَسْرَارِهِ وَمَا يَجْرِي عَلَى خواطره لكف المادح عن مدحه وعليه أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح
قال ﷺ احثوا التراب في وجوه المادحين (٤)
وقال سفيان بن عيينة لا يضر المدح من عرف نفسه وأثنى على رجل من الصالحين فقال اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني وقال آخر لما أثنى عليه اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وأنا أشهدك على مقته وقال علي ﵁ لما أثنى عليه اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ وَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ وأثنى رجل على عمر ﵁ فقال أتهلكني وتهلك نفسك وأثنى رجل على علي كرم الله وجهه في وجهه وكان قد بلغه أنه يقع فيه فقال أنا دون ما قلت وفوق ما في نفسك الآفة التاسعة عشر
الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته ويرتبط بأمور الدين فلا يقدر على تقويم اللفظ في أمور الدين إلا العلماء الفصحاء فمن قصر في علم أو فصاحة لم يخل كلامه عن الزلل لكن الله تعالى يعفو عنه لجهله
مثاله ما قال حذيفة قال النبي ﷺ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَلَكِنْ لِيَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ (٥) وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْعَطْفِ الْمُطْلَقِ تَشْرِيكًا وَتَسْوِيَةً وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الاحترام وقال ابن عباس ﵄ جاء رجل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يكلمه في بعض الأمر فقال ما شاء الله وشئت فقال
(١) حديث لو لم أبعث لبعثت يا عمر أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة وهو منكر والمعروف من حديث عقبة بن عامر لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب رواه الترمذي وحسنه
(٢) حديث أنا سيد ولد آدم ولا فخر أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سيعد الخدري والحاكم من حديث جابر وقال صحيح الإسناد وله من حديث عبادة بن الصامت أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر ولمسلم من حديث أبي هريرة أنا سيد ولد آدم يوم القيامة
(٣) حديث وجبت قاله لما أثنوا على بعض الموتى متفق عليه من حديث أنس
(٤) حديث احثوا في وجوه المداحين التراب أخرجه مسلم من حديث المقداد
(٥) حديث حذيفة لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ الحديث أخرجه أبو داود والنسائي في الكبرى بسند صحيح
3 / 161