Vivification des sciences de la religion
إحياء علوم الدين
Maison d'édition
دار المعرفة
Lieu d'édition
بيروت
بعد أن يوسع عليه ما يلتذ به ويشتهيه ويكثر عليه ما يهيج بواعثه ويؤكد دواعيه كل ذلك يمتحنه به ويبتليه فينظر كيف يؤثره على ما يهواه وينتحيه وكيف يحفظ أوامره وينتهي عن نواهيه ويواظب على طاعته وينزجر عن معاصيه والصلاة على محمد عبده النبيه ورسوله الوجيه صلاة تزلفه وتحظيه وترفع منزلته وتعليه وعلى الأبرار من عترته وأقربيه والأخيار من صحابته وتابعيه
أما بعد فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن فبها أخرج آدم ﵇ وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار إذ نهيا عن الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات إذ يتبعها شهوة الفرج وشدة الشبق إلى المنكوحات ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال اللذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ثم يتولد بينهما آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد والعداوة والبغضاء ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء ولو ذلل العبد نفسه بالجوع وضيق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة الله ﷿ ولم تسلك سبيل البطر والطغيان ولم ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وإيثار العاجلة على العقبى ولم يتكالب كل هذا التكالب على الدنيا وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحد وجب شرح غوائلها وآفاتها تحذيرًا منها ووجب إيضاح طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها ترغيبًا فيها وكذلك شرح شهوة الفرج فإنها تابعة لها ونحن نوضح ذلك بعون الله تعالى في فصول يجمعها بيان فضيلة الجوع ثم فوائده ثم طريق الرياضة في كسر شهوة البطن بالتقليل من الطعام والتأخير ثم بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته باختلاف أحوال الناس ثم بيان الرياضة في ترك الشهوة ثم القول في شهوة الفرج ثم بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله ثم بيان فضيلة من يخالف شهوة البطن والفرج والعين
بيان فضيلة الجوع وذم الشبع
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش (١) وقال ابن عباس قال النبي ﷺ لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه (٢) وقيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال من قل مطعمه وضحكه ورضي مما يستر به عورته (٣) وقال النبي ﷺ سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف (٤) وقال أبو سعيد الخدري قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البسوا وكلوا واشربوا في أنصاف البطون فإنه جزء من النبوة (٥) وقال الحسن قال النبي ﷺ الفكر نصف العبادة وقلة الطعام هي العبادة (٦) وقال الحسن أيضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أفضلكم عند الله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعًا وتفكرًا في الله سبحانه وأبغضكم
(١) حديث جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ثم أجد له أصلا
(٢) حديث ابن عباس لا يدخل ملكوت السموات من ملأ بطنه لم أجده أيضا
(٣) حديث أي الناس أفضل قال من قل طعمه وضحكه ورضي بما يستر عورته يأتي الكلام عليه وعلى ما بعده من الأحاديث
(٤) حديث سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف
(٥) حديث أبي مسعود الخدري البسوا وكلوا واشربوا في أنصاف البطون
(٦) حديث الفكر نصف العبادة وقلة الطعام هي العبادة
3 / 80