Vivification des sciences de la religion
إحياء علوم الدين
Maison d'édition
دار المعرفة
Lieu d'édition
بيروت
أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الأفعال فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة والحكمة رأس الأخلاق الحسنة وهي التي قال الله فيها ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا
وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني إشارة العقل والشرع
وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع
فالعقل مثاله مثال الناصح المشير
وقوة العدل هي القدرة ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل
والغضب هو الذي تنفد فيه الإشارة ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروضًا مؤدبًا وتارة يكون جموحًا فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقًا ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض وحسن القوة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة
فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهورًا وإن مالت إلى الضعف والنقضان تسمى جبنًا وخورًا
وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرهًا وإن مالت إلى النقصان تسمى جمودًا
والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة والطرفان رذيلتان مذمومتان والعدل إذا فات فليس له طرفا زيادة ونقصان بل له ضد واحد ومقابل وهو الجور
وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثًا وجربزة ويسمى تفريطها بلهًا والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة
فإذن أمهات الْأَخْلَاقِ وَأُصُولُهَا أَرْبَعَةٌ الْحِكْمَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعِفَّةُ وَالْعَدْلُ وَنَعْنِي بِالْحِكْمَةِ حَالَةً لِلنَّفْسِ بِهَا يُدْرَكُ الصَّوَابُ من الخطأ في جميع الأفعال الِاخْتِيَارِيَّةِ
وَنَعْنِي بِالْعَدْلِ حَالَةً لِلنَّفْسِ وَقُوَّةً بِهَا تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة وتضبطهما فِي الِاسْتِرْسَالِ وَالِانْقِبَاضِ عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَاهَا وَنَعْنِي بِالشَّجَاعَةِ كَوْنَ قُوَّةِ الْغَضَبِ مُنْقَادَةً لِلْعَقْلِ فِي إِقْدَامِهَا وَإِحْجَامِهَا وَنَعْنِي بِالْعِفَّةِ تَأَدُّبَ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ بِتَأْدِيبِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ
فَمِنِ اعْتِدَالِ هَذِهِ الْأُصُولِ الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها
إذ من اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفوس ومن إفراطها تصدر الجربزة والمكر والخداع والدهاء ومن تفريطها يصدر البله والغمارة والحمق والجنون وأعني بالغمارة قلة التجربة في الأمور مع سلامة التخيل فقد يكون الإنسان غمرًا في شيء دون شيء والفرق بين الحمق الجنون أن الأحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد فلا تكون له روية صحيحة في سلوك الطريق الموصل إلى الغرض وأما المجنون فإنه يحتار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل اختياره وإيثاره فاسدًا
وأما خلق الشجاعة فيصدر منه الكرم والنجدة والشهامة وكسر النفس والاحتمال والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتودد وأمثالها وهي أخلاق محمودة
وأما إفراطها وهو التهور فيصدر منه الصلف والبذخ
3 / 54