Secours aux passionnés dans le jugement du divorce de l'indigné
إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان
Enquêteur
عبد الرحمن بن حسن بن قائد
Maison d'édition
دار عطاءات العلم (الرياض)
Édition
الخامسة
Année de publication
١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
Lieu d'édition
دار ابن حزم (بيروت)
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٦)
إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية
(٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
عبد الرحمن بن حسن بن قائد
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم
دار ابن حزم
المقدمة / 1
مقدمة التحقيق
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، اللهم أهدنا لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك.
أما بعدُ؛ فإن تحريرَ مسائل العلم وتنقيحَها من المطالب الكبار التي لا ينهض بها إلا من رسخت في العلم قدمُه، وطالت له مصاحبتُه، مستبطنًا لدخائله، مستقرئًا لدقائقه، مستخرجًا لمخبَّآته، غائصًا على أسراره.
ولا يُسابِق فيها إلا ضليعٌ، طابَ بالدليلِ مشربُه، وزكا بالاتباع غَرسه، وكان له من رُوحه المؤمنة مَعِينٌ لا يَنْضب، ومن نفسه التوَّاقة رِفْدٌ لا ينتهي.
نعم، ولا تَهْتزّ لها إلا نفوسٌ عَشِقَت العلم، وأنِفَتْ من مَعرَّة الجهل، وسئمت تِيْهَ الحَيْرهَ، وغصَّت بمرارة الخطأ، وتَسامَتْ عن هَوان التبعية لغير الحق، ولم تَرْضَ بدلًا ببَرْدِ اليقين، وعِزِّ الثقة، ولذَّة الإصابة، وراحةِ التوفيق، وطمأنينة النَّجاح.
وهذه الرسالة التي بين يديك ثمرةٌ يانعةٌ من ثمار التحرير والتنقيح، أنضجَها صدقُ الطَّلب وصحةُ العزم، وروَّاها طولُ التأمُّل وحُسْنُ التأتِّي، ورَعَاها لزومُ الجادَّةِ وسلامةُ المنهج.
وهي لأحد أولئك الأفراد الذين ازدانت بهم سماءُ العلم، وأشرقت بضيائهم شمسُ التحقيق، وكان له في هذا الباب مقامُ صِدْقٍ
المقدمة / 3
مشهود: الإِمام العلم ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-.
إذَا ذُكِر الأحبارُ في كل بلدةٍ ... فهم أنجمٌ فيها وأنت هلالُها
وإنك لواجدٌ فيها من دقيقِ البحث، وعظيمِ التجرُّد، ما يملأ قلبك رضًا وطمأنينة، وما عسى ألا تقف عليه في موضعٍ آخر إن شاء الله.
فدُونَكها .. موردًا عذبًا لم تكدِّرْهُ العصبيَّة، ولا شابَتْه حميَّةٌ لغير ما اقضتهُ قواعدُ الشريعة، وهَدَتْ إليه نصوصُ الوحي.
فَرِدْهُ، وانظر لنفسك، وتَبَصَّرْ، لتستوثق لعلمك، وسافر بهمَّتك في طلب الحق، وانْشُدْهُ كما تنشدُ عزيزًا فقدتَه، فإذا عرفته فالْزمْهُ، فعمَّا قليلٍ تَحْمَدُ صُنعك.
المقدمة / 4
دراسة الرسالة، والتعريف بها:
* اسمها.
* نسبتها إلى المصنف:
* تاريخ تصنيفها:
* موضوعها ومنهج المصنف فيها:
* الثناء عليها:
* طبعاتها.
* الأصل الخطي المعتمَد عليه:
* عملي في إخراجها:
المقدمة / 5
اسم الرسالة
ليس في الأصل الخطيِّ الذي اعتمدتُه إشارةٌ إلى تسمية الرسالة، مِن كلام المصنف، لا في صدرها ولا في خاتمتها ولا في أثنائها.
وإن كان الظاهر أن الاسم الذي أثبته الناسخ على ظهرها: "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان"، هو الاسم الذي ارتضاهُ المصنف لها، ولعله كتبه على ظهر نسخته؛ ويدلُّ عليه أنه ذكرها به في كتابه الآخر "مدارج السالكين" (٣/ ٣٠٨) (^١).
وقد عرفها العلماء بهذا الاسم كما سيأتي في تثبيت نسبتها إلى المصنف.
ورفعًا للالتباس، ودفعًا للوهم، وميلًا إلى الاختصار؛ دعاها بعضُ أهل العلم: "الإغاثة الصغرى" (^٢)، تفريقًا بينها وبين "الإغاثة الكبرى": "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان".
ويُلاحَظ أن في العنوان الذي اختاره المصنف لهذه الرسالة إيماءً إلى الغرض الذي حمله على تأليفها، وهو إغاثة الملهوف الذي بدرت منه كلمةُ الطلاق حالَ غضبه، غيرَ قاصدٍ فِراقَ زوجه = بما يُسَكِّن
(^١) في مطبوعة "المدارج" و"شذرات الذهب": "إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان". بإسقاط لفظة: "حكم".
(^٢) انظر: "ابن قيم الجوزية" للشيخ بكر أبو زيد (٢٢٠).
المقدمة / 7
فؤاده، ويَرْبِطُ على قلبه، ويحميه عن التعرُّض لسخط الله، بالتردِّي في التحليل المحرَّم، فيما إذا قيل بوقوع طلاقه (^١).
(^١) انظر لنحو هذا في التعليل لقول الشيخين في مسألة الطلاق الثلاث: "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم"، (١١/ ٣٩) عن "تسمية المفتين" للشيخ الدكتور سليمان العمير (٤١ - ٤٢).
وليس المراد أن هذه الرغبة كانت هي -وحدها- الدافع لاختيار: هذه الأقوال، والانتصار لها. فإن دلائل الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار- التي هي موضع نظر الشيخين، ومحطُّ رحالهما، وعليها يقوم شامخ بنيان فقههما- هي التي قادتهما إلى القول بهذه المسائل وغيرها.
وإنما كانت تلك الرغبة -مع واجب البلاغ- هي الباعث على الانتصاب للتأليف فيها، والإفتاء بها، والصبر معها على عظيم الأذى، وشديد البلاء؛ احتسابًا لثواب الله، وثقةً بموعوده، وسيرًا على نهج الأنبياء في هداية الخلق، ومحبة الخير لهم، والشفقة عليهم من التَخوُّضِ في موارد الهلكة.
المقدمة / 8
نسبة الرسالة إلى المصنف
هذه الرسالة ثابتةُ النِّسبة إلى ابن القيم -رحمه الله تعالى-، دونما شكٍّ أو ريب.
ودلائلُ ذلك متوافرة، يأخذ بعضها برقاب بعض، فمن ذلك:
١ - ذِكْرُ ابن القيم لها في بعض كتبه؛ كما في "مدارج السالكين" (٣/ ٣٠٨).
٢ - نقلُ العلماء عنها؛ فقد نقل منها -مصرِّحًا باسمها العَلَميِّ، ونسبتها إلى ابن القيم- الشيخ مصطفى الرحيباني (ت: ١٢٤٣) في كتابه "مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى" (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وعنه نقل ابن عابدين (ت: ١٢٥٢) في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (٣/ ٢٥٧).
٣ - تسميةُ بعض مترجمي ابن القيم لها ضمن سياق تصانيفه؛ كما صنع ابن العماد في "شذرات الذهب" (٨/ ٢٩٠).
٢ - ثبوت نسبتها إلى ابن القيم على ظهر النسخة الخطية المكتوبة سنة ٨٨٥، وهي بخط أحد المشتغلين بالعلم.
٥ - توافقُ كثيرٍ من مباحثها، واختياراتها، مع ما هو موجود في مصنفات ابن القيم الأخرى.
٦ - أسلوبُ ابن القيم الذي لا يخفى على من عانى قراءة مصنفاته ظاهرٌ الظهورَ كلَّه في هذه الرسالة.
المقدمة / 9
تاريخ تصنيف الرسالة
ليس بين يديَّ ما أستطيع به أن أجزم أو أقرِّب العلمَ بتاريخ كتابة المصنف لرسالته هذه.
إلا أنه أشار إليها في كتابه "المدارج"، كما أشار فيه إلى غير ما كتابٍ من كتبه؛ فهي متقدِّمةٌ عليه في الغالب.
وهذا وإن كان مفيدًا، إلا أنه -كما ترى- ليس بذي بالٍ في تحديد تاريخ التصنيف.
فإذا نظرنا إلى طريقة أين القيم في معالجة موضوع الرسالة، وما حشده فيها من أنواع الدلائل، وقرَّره خلالها من لطائف الحُجج، وروائع الاستنباط، وقارنَّاها بالمواضع التي تعرَّض فيها لهذه المسألة في كتبه = فقد يتراءى لنا تأخُّر هذه الرسالة عنها، لظهور ابن القيم في رسالته هذه وقد استولى على الأمد، وأوفى على الغاية، واستقرَّت في يده أدواتُ المجتهد، وقويت ثقتُه باختياراته.
وهذه المحجَّةُ في استكناه التاريخ، وإن كانت رائقة في مرأى العين، فهي مظنةُ الزلل؛ فلا تملأ منها يديك.
المقدمة / 10
موضوع الرسالة، ومنهج المصنف فيها
أما موضوعُها، فهو -في الأصل-: حكمُ طلاق الغضبان، هل يقع أم لا؟. واختار المصنف عدم الوقوع بشرطه الآتي.
وقد أشار -وهو بسبيل الاحتجاج لقوله في هذه الرسالة- إلى مسائل أخرى في الطلاق وغيره، مستشهدًا، ومفرِّقًا، ومقارنًا.
ولما كان الإجمالُ والإيهامُ من مواردِ الغلط، ومظانِّ الالتباس والوهم، وكان التفصيل والتبيينُ من معالمِ طريقة المصنف في تناول مسائل العلم في عامة تصانيفه = حرص - في مواطن مختلفة من هذه الرسالة - على تحرير موضع النِّزاع، وتحديدِ مراده بالغضبان الذي يختار عدم وقوع طلاقه، وأبدأ في ذلك وأعاد.
أما تحريرهُ لموضع النِّزاع؛ ففي تفصيله لأقسام الغضب، وما يلزم على كل قسمٍ من نفوذ الطلاق والعقود، وبيانِه أن القسمين الأولَيْنِ مما لا يتوجَّه فيه الخلاف، وإنما الشأن في القسم الثالث (^١).
وأما تحديدُه للغضبان الذي يذهب إلى عدم وقوع طلاقه، فقد قام على أمرين:
الأول: النظر إلى قصدِ القلب للطلاق، وعدمِه.
قال: "لا كلام في الغضبانِ العالمِ بما يقول، القاصدِ المختارِ لحكمه، دفعًا لمكروه البقاء مع الزوجة، وإنما الكلام في الذي اشتد
(^١) انظر: (ص: ٢٠ - ٢١).
المقدمة / 11
غضبه حتى ألجأه الشيطان إلى التكلُّم بما لم يكن مختارًا للتكلُّم به ... " (^١).
ومثَّل للأول: بمن زنت امرأته، فغضب، فطلقها؛ لأنه لا يرى المُقام مع زانية، فلم يقصد بالطلاق إطفاء نار الغضب، بل التخلص من المقام معها، فهذا يقع طلاقه (^٢).
وقال: "إن لو لم يقع هذا الطلاق لم يقع أكثرُ الطلاق؛ فإنه غالبًا لا يقع مع الرضا" (^٣).
ومثَّل للثاني: بمن خاصمته امرأته وهو يعلم من نفسه إرادة المقام معها على الخصومة وسوء الخُلُق، ولكن حمله الغضب على أن شفى نفسه بالتكلُّم بالطلاق، كسرًا لها وإطفاءً لنار غضبه (^٤).
فهذا الذي لا يقع طلاقه.
فكلامه إنما هو في "الغضبان الذي يكره ما قاله حقيقة" (^٥).
وهو يعتبر هذا الفرق بين الصورتين هو حرف المسألة ونُكْتتها.
الثاني: الوقوفُ على مرتبة الغضب ودرجته.
(^١) انظر: (ص: ٣٠).
(^٢) انظر: (ص: ٣٢).
(^٣) انظر: (ص: ٤٥).
(^٤) انظر: (ص: ٣٣).
(^٥) انظر: (ص: ٣٢).
المقدمة / 12