ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Maison d'édition
دار الفكر العربي
محمد أبو زهرة
ابن تيميَّة
حياته وعصره - آراؤه وفقهه
ملتزم الطبع والنشر
دَارُ الفِكْرِ العَرَبِىُّ
1
محمد أبو زهرة
ابن تيميَّة
حياته وعصره - آراؤه وفقهه
ملتزم الطبع والنشر
دَارُ الفِكْرِ العَرَبِىُّ
1
2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد كتبت في الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب التي تقاسمت الجماعة الإسلامية من حيث انتشارها وذيوعها والأخذ بها، وقد أفردت لكل واحد مجلداً فصلت فيه القول في حياته، وعصره، وعلمه وفقهه ومناهج استنباطه، وألقيته دروساً على طلبة قسم الشريعة من الدراسات العليا بكلية الحقوق من جامعة القاهرة.
ولما وفقني الله سبحانه وتعالى إلى إخراج هذه المجموعة الفقهية والتاريخية لجمهرة العلماء والمثقفين في مصر، اتجهت النية إلى دراسة الطبقات التي تلي الأئمة الأربعة من المجتهدين الأحرار، أو المجتهدين المنتسبين إلى مذهب من مذاهبهم؛ وقدمت ذلك على دراسة الأئمة الآخرين كجعفر بن محمد إمام الإمامية، وزيد بن علي إمام الزيدية، وأبي داوود الظاهري، وابن حزم الأندلسي إمام الفقه الظاهري في مصادره وموارده.
وإنما اخترت بعد الأئمة الأربعة دراسة المجتهدين على مناهجهم؛ لأن ذلك دراسة لفقه الجماعة الإسلامية، وتعرف لأدواره، وتقصّ لثمرات ما غرسه أولئك الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة، فهو تكميل لا إنشاء؛ واستمرار لا ابتداء.
وعندما اتجهت ذلك الاتجاه، برز إلى الخاطر إمام شغل عصره بفكره ورأيه ومسلكه؛ فدوى صوته بآرائه في مجتمعه، فتقبلتها عقول واستساغتها، وضاقت عنها أخرى وردتها، وانبرى لمنازلته المخالفون؛ وشد أزره الموافقون؟ وهو في الجمعين يصول ويجول، ويجادل ويناضل؛ والعامة من وراء الفريقين قد سيطر عليهم الإعجاب بشخصه وبيانه، وقوة جنانه وحدة لسانه؛ واعترتهم
3
الدهشة لما يجىء به من آراء يحدد بها أمر هذه الأمة ، ويعيد إليها دينها غضاً قشيباً كما ابتدأ .
ذلكم الإمام الجرىء هو تقى الدين بن تيمية صاحب المواقف المشهودة ؛ والرسائل المنضودة ، اتجهت لدراسته مستعيناً بالله سبحانه ؛ لأن دراسته دراسة الجيل؛ وتعرف لقبس من النور أضاء فى دياجير الظلام، ولأن آراءه فى الفقه والعقائد تعتنقها الآن طائفة من الأمة الإسلامية تأخذ بالشريعة فى كل أحكامها. وقوانينها ؛ ولأننا نحن المصريين فى قوانين الزواج والوصية والوقف قد نهلنا. من آرائه ، فكثير مما اشتمل عليه القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ مأخوذ من. آرائه، مقتبس من اختياراته ، وشروط الواقفين والوصايا اقتبست أحكامها فى قانونى الوقف والوصية من أقواله .
ثم إن دراسة ذلك الإمام الجليل تعطينا صورة للفقيه قد اتصل بالحياة ، وتغلق قلبه وعقله وفكره بالكتاب والسنة والهدى النبوى ، والسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، فهو يأتى بفكر سلفى سليم آخذ بأحكام القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، يعالج به مشاكل الحياة الواقعة بالقسطاس المستقيم ، بل يلقى فى حقل الحياة العاملة الكادحة المتوثبة بالبذرة الصالحة التى استنبطها من الكتاب والسنة فتنبت الزرع، وتخرج الثمر ، وتؤتى أكلها كل حين بإذن ربها .
وإنا وقد اتجهنا إلى دراسة ذلك العالم الكاتب الخطيب المجاهد الذى حمل السيف والسنان ، كما حمل القلم والبيان ، سنجتهد فى دراسة حياته ، ومجاوبتها لروح عصره، وتأثيرها فيه ؛ ثم ندرس آراءه كعالم من علماء الكلام وآراءه كفقيه ؛ واجتهاده والأصول التى تقيد بها؛ ومقدار الصلة التى تربطه بالفقه الحنبلى . وإنا نستعين باللّه ، ونسأله التوفيق ، فإنه لولا توفيقه ما تيسر لنا أمر ، ولا وصلنا إلى غاية ، إنه نعم المولى ونعم النصير .
محمّد أبُوزَهِرة
4
تمهيد
١- بزغ ابن تيمية في الثلث الأخير من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن.
ومن وقت أن ظهر عالماً بين العلماء، ومرجعاً يرجع إليه في الإفتاء، والناس مختلفون في شأنه بين قادح ومادح؛ ولا زال ذلك الاختلاف إلى يومنا هذا؛ فالناس فيه فريقان: فريق غالى في تقديره حتى رفعه إلى مرتبة فوق كبار أئمة الفقهاء. فتجاوز به أقدار الأئمة الأعلام، كأبي حنيفة ومالك والشافعي والليث، ومنهم من حسب أنه لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد، وما اجتهد فيه فقد تجاوز فيه طوره؛ وتعدى فيه حده؛ بل من الناس من كفره حاسباً أنه خلع الربقة وانطلق من قيود السالفين، وعدا عدواً على الدين.
وإن المشاهد قديماً وحديثاً أن الرجل الذي يختلف الناس في شأنه بين إعلاء وإهواء، لابد أن يكون رجلاً كبيراً في ذات نفسه، عظيماً في خاصة أمره؛ له عبقرية استرعت الأنظار؛ واتجهت إليها الأبصار، فيكون له الوالي الموالي، والعدو المتربص المؤاخذ الذي يتتبع الهفوة؛ ويحصي السقطات.
وكذلك كان ابن تيمية رضي الله عنه، قد كان عظيماً في ذات نفسه، اجتمعت له صفات لم تجتمع في أحد من أهل عصره. فهو الذكي الألمعي؛ وهو الكاتب العبقري، وهو الخطيب المصقع؛ وهو الباحث المنقب؛ وهو العالم المطلع الذي درس أقوال السابقين، وقد أنضجها الزمان؛ وصقلتها التجارب، ومحصتها الاختبارات؛ فنفذت بصيرته إلى لبها، وتغلغل في أعماقها، وتعرف أسرارها؛ وخص الروايات، ووازن بين الآراء المختلفة، وطبقها على الزمان، مع إدراك للقوانين الجامعة، وربط للجزئيات، وجمع الأشتات المتفرقة، ووضعها في قرن واحد.
5
٢- ولقد أدته بحوثه ودراساته للثروة الفقهية والعقلية التي كانت بين يديه ميراثاً عن الأسلاف إلى أن يجعل من نفسه حاكماً على متخالفها؛ قاضياً في الآراء المختلفة في قضاياها، ولقد سار في الحكم عليها سير القاضي العادي تسيره المقدمات ولا يسيرها، وتوجهه البينات ولا يوجهها، وما كانت بيناته إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وما كان منهاجه إلا منهاجهم في أقضيتهم وأحكامهم؛ فما يجده سائراً مع الكتاب والسنة وآثار الصحابة أيده ونادى به وما يجده مخالفاً لها جاهر ببطلانه أياً كان قائله، ومهما يكن ناصره؛ فتحركت بذلك الطوائف المعتنقة لهذه الآراء التي يهدمها - لمنازلته ومناهضته ورميه بالشطط ومجاوزة الحد.
٣- وإنه لم يقتصر على الفروع يقضي فيها، ويحكم على الآراء المختلفة بشأنها، بل تكلم في مسائل من علم الكلام، فتكلم في خلق القرآن؛ وتكلم في قدرة الإنسان وإرادته بجوار قدرة الله تعالى وإرادته؛ وهي المسائل التي أثارها الجهمية والقدرية في الماضي، وتكلم في المشتبهات من آيات الصفات؛ ووصف الله سبحانه وتعالى بالاستواء، وقد خص هذه المسائل بطريقته غير متقيد إلا بالكتاب والسنة ومناهج الصحابة وكبار التابعين، وبحكم العقل المستقيم، فلم يتقيد برأي من جاء بعدهم أياً كانت مكانته العلمية، ومنزلته التاريخية. تخالف في ذلك أبا الحسن الأشعري، ومكانته بين العلماء مكانته، وأتباعه كثيرون، بل هم الجمهرة العظمى من العلماء في عصره؛ ورمى الأشاعرة والماتريدية بأنهم في مسألة الإرادة جهمية، فعندئذ تصدى له الأتباع مجاهرين بعداوته، ورموه بالشطط والخروج والضلال، وكانت بينه وبينهم حرب عوان، نال منهم بالقول والبرهان، ونالوا منه بالزج في غيابات السجن، وتأليب ذوي السلطان.
٤- ولم يكتف بأن يثير عليه خصومه من الفقهاء والمتكلمين فقط، بل أثار صوت الحق الذي كان ينطق به طائفة أخرى أشد لجباً، وأقوى على العامة سلطاناً؛ تلك هي الصوفية جاهر بمخالفتها، وندد بطرائقها؛ وأعلنها عليهم حرباً
6
شعواء؛ ورماهم بالشعوذة، وإفساد النفوس؛ وأنكر عليهم ما ينشرونه بين أتباعهم من التوسل بالأولياء والصالحين، وعد ذلك من قبيل اتخاذ المخلوقين شفعاء للخالق ليقربوهم إليه زلفى، كما كان يقول المشركون فيما حكاه الله عنهم إذ قال: ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)) شدد ابن تيمية النكير، وبالغ في التشديد، ولم يترك مجالا يمكنه أن يعلن فيه ترهات بعضهم إلا أعلنها، واشتد اللجب في الخصومة بينه وبينهم، والتقوا للمناظرة والمجادلة، وما كان يخفى أمراً من أمرهم، فما كان يخفى في نفسه شيئاً لا يبديه لهم؛ بل إنه ذهبت جرأته إلى أن يعلن على رؤوس الأشهاد أنه لا يصح الاستغاثة بأحد من الخلق؛ ولا بمحمد سيد الخلق، وجأر بذلك في الجموع الحاشدة؛ ولم يفرق في إعلان آرائه بين العامة والخاصة، فهو يقول للعامة ما يقول للخاصة؛ لأنه يعتقد أنه دين، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يلزمه إرشاد كل ضال في اعتقاده، سواء أكان من العامة أم من الخاصة، بل إن هداية العامة ألزم؛ لأن العالم مسئول عن إرشادهم؛ وإن ضلوا وهو يستطيع الإرشاد وإنارة السبيل فعليه وزر من وزرهم؛ فإنه كان يأخذ بقول علي رضي الله عنه: ((لا يسأل الجهلاء لمَ لمْ يتعلموا، حتى يسأل العلماء لِمَ لَمْ يُعَلِّمُوا)).
٥- واسترسل في إعلان آرائه استرسال العالم العريق الوثيق في حجته، وقد آتاه الله لساناً مبيناً، وقلباً حكيماً، وقلباً عليماً؛ ولم يكتف بما سبق، بل هاجم الشيعة هجوماً عنيفاً بقلبه وقلبه ولسانه؛ لأنه حسبهم مالئوا خصوم الإسلام من الصليبيين على المسلمين، وكشفوا عورات المؤمنين؛ وحسبهم مالئوا التتار على السكان الآمنين، ومكنوهم من رقابهم وبلادهم وأرضهم يعيثون فيها فساداً؛ جرد عليهم ذلك الفارس الذي حارب التتار بسيفه، قلباً غضباً ولساناً حاداً، وأخذ يرد أصولهم؛ ويدحض حججهم غير وأن ولا كسل؛ ودون الرسائل الكاشفة، وقد رأى في حال الشيعة الذين عاصروه من الباطنية والحاكمية وحال النصيرية، وطرائقهم السرية ما جعله هو وسائر المعاصرين يتظنون فيهم
7
الظنون، ويقبلون عنهم الأقاويل؛ فكان قوله فيهم يتفق مع ذلك كله، ذلك بأنهم كتموا أمورهم وأسروا في أنفسهم وجماعاتهم ما لا يبدونه، وبالغوا في الحرص والكتمان، وكانوا يدبرون التدابير لاغتيال الزعماء والكبراء من أهل الجماعة الإسلامية، وظهرت آثار ذلك منهم في القرن السادس والسابع وتسامع الناس به، ولم يعد أمره خفياً، وكانت المعركة قائمة مستعرة الأوار بين أهل الإسلام وحملة الصليب، فكان للظن ما يسوغه، ويسهل قبوله.
٦- خاصم ابن تيمية كل هؤلاء وليس الغريب أن يكون له من بينهم قادحون، يورثون قول السوء فيه لأخلافهم، بل الغريب أن يستمر في دعوته وتأليهم عليه من غير خوف، وليس الغريب في أن يقضي سنين في غيابات السجن، بل الغريب ألا يعتدوا عليه بأيديهم وسيوفهم.
وما السبب في أنهم لم يمدوا أيديهم بالأذى البدني إلا مرة واحدة أثار الصوفية فيها العامة في مصر، وهو يلقي درسه، فامتدت بعض الأيدي إلى جسمه بالأذى، وسرعان ما ارتدت كلية إلى صاحبها.
السبب في ذلك أنه كان رجلاً مخلصاً ابتدأ حياته محبوباً من الكافة، وكان من الواضح للعامة والكافة إخلاصه، فهو الفقيه العالم الذي يجاهد بسيفه في سبيل الله، ولم يقتصر على الجهاد بعلمه وقلبه ولسانه، بل جرد السيف لقتال التتار، وكان شجاعاً في ميدان القتال، كما كان شجاعاً في ميدان العلم والسياسة، ذهب على رأس وفد من دمشق يدعو قازان ملك التتار، إلى منع العبث والفساد، وخاطبه بقلب جريء؛ ولم يتردد في أن يصف أعمال ذلك الملك العسكري القاسي في جبروته بوصفها الحقيقي.
وكان مع العامة درعاً حصينة في كل بلاء ينزل بهم ينافح عنهم بلسانه وقلمه وسيفه، ويشاركهم في ضرائهم، فكانت القلوب تصغي إليه، والأفئدة تهوى نحوه، فسهل ذلك قبول قوله، وإن كانت فيه مجاهرة بمخالفة المألوف المعروف عند العلماء، فكانت أعماله شاهدة بسلامة دينه، وقوة يقينه؛
8
والأعمال تسترعي الأنفس أكثر مما تسترعي الأقوال، وفوق هذا كانت له شخصية رهيبة قوية، ونفس حلوة جذابة، وقلب رءوف خافق؛ وعقل جبار نافذ، وإرادة قوية حازمة، وكل أولئك يجعل له عند الناس مكانة، ويجعلهم يقبلون ما يقول، أو على الأقل إن يخالفوه لا ينابذوه؛ وإذا أضيف إلى ذلك لمعان حجته، وفصاحة بيانه، وقوة بلاغته، علمنا تحت أي تأثير كان المستمعون له؛ فوق أنه كان ينهل من العذب الصافي، والورد المورود إلى يوم القيامة، وهو كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يأخذ بألباب المستمعين إلى المحجة البيضاء؟ وكان كثيرون من الدهماء يصغون إليه؛ وكثيرون من الخاصة يقتنعون بحجته.
ولذلك وجدنا الذين يكيدون لذلك العالم الجليل من العلماء المعاصرين يكيدون له عند السلطان، ولم نجد ثورة من العامة إلا قليلا تحت تأثير عوامل اصطناعية لا طبيعية، وكان ذلك يحدث في مصر لا في الشام؛ إذ في الشام يعلمه العامة والخاصة؛ وفي مصر لم يكن معلوماً لكثيرين من العامة، فكان من السهل إثارتهم عليه.
٧- هذه لمحات لتلك الشخصية الرائعة التي نحاول وضع أيدينا على مفتاحها، وتعرف خواصها! واستكناه حقيقتها، وتقصي أخبارها؛ ونتتبعها، وصاحبها صغير إلى أن يبلغ أشده؛ ثم استوى رجلاً قوياً، وعالماً علياً.
وإن سيرته نيرة مبسوطة مذكورة، ذلك بأن تلاميذه الذين أخلصوا له في حياته وبعد وفاته، تقصوا حياته، وبسطوا الوقائع التي نزلت به، والتي اعترك فيها مع غيره؛ وبعض أولئك قصوها علينا قصصاً واقعياً موضوعياً، ولم يضفوا على الأخبار بمبالغات الخيال؛ ذلك لأنهم شاهدوا وعاينوا، فاكتفوا بتدوين شهادتهم وعيانهم.
وإن سرد الوقائع من غير توسيعها بالخيال، يسهل على الدارس دراسة الشخصية دراسة علمية، يرد النتائج إلى مقدماتها؛ والفروع إلى أصولها؛ والآثار إلى المؤثر فيها.
9