Ibn Hanbal : Sa vie et son époque – Ses opinions et sa jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
عندهم نص عن النبي ﷺ، ولم يتعرض القرآن لبيان الحكم تفصيلاً، ومن طريقة معالجتهم يعرف مناهج الاستنباط، ومصادر الشريعة ومواردها، فمن مناهجهم في معالجة الحوادث واستنباط أحكامها عرف أن القياس حجة، وأصل من أصول الاستنباط عند عدم النص، ومن مناهجهم عرف أن المصالح المرسلة سبيل قويم من سبل الاستدلال، إن لم يكن نص، ومن طرائقهم علم أن الاستصحاب حجة، وأن الأشياء على أصل الإباحة أو على أصل العفو، حتى يقوم الدليل الذي يطلب أو يمنع، ومن طرائقهم عرف أن الذرائع، طريق للحكم الصحيح على الشيء طلباً ومنعاً، وأن النظر إلى المآلات واجب، كما أن النظر إلى الفعل في ذات نفسه واجب أيضاً.
وهكذا كان علم أحمد الجامع بفتاوى الصحابة وأقضيتهم مدداً غزيراً لما وصل إليه من فقه، وكانت فتاوى الصحابة التي جمعها، وسهل سبيل معرفتها لتلاميذه وأتباعهم فيها الغذاء الصالح الذي عالجوا به المسائل من بعد إمامهم، ونموا مذهبه، حتى صار بهذه القوة والمرونة اللتين راهما واضحتين في الكتب المدونة فيه قديماً وحديثاً.
٢٤٩- وترى من هذا البيان كيف كان أحمد العالم بالآثار المحدث يستمد الفقه الصحيح من ثروته الأثرية، وكيف يستنبط الأقيسة الصحيحة بالبناء عليها، وكيف علم منها خير المناهج للاستنباط، والعلم الديني النقي الخالي من الزيغ، وإنك لتنظر في بقية الأصول، كالاستصحاب، والاستصلاح، والذرائع فتجد فيها تنمية للفقه وأسباب الخصب والحيوية فيها.
فالاستصحاب هو الذي يضيق سبيل المنع، ويقصره على النص، فلا يمنع إلا بنص من الكتاب أو السنة أو آثار السلف الصالح، وقد طبق ذلك الأصل على العقود حكم بصحتها كلها، حتى يأتي دليل الشارع بالبطلان، فكان أوسع الفقهاء في إطلاق حرية التعاقد، حتى لقد وجدناه يصحح عقوداً وشروطاً لم نكن نظن أن من الفقهاء من يجوزها، ويصحح الالتزام فيها؛ لأننا كنا متأثرين بالأقيسة والضوابط التي انتهى إليها الفقهاء القياسيون الذين لم يكن لهم علم أحمد الجامع بالأحاديث والأخبار، والأقضية السلفية والفتاوى.
364