Ibn Hanbal : Sa vie et son époque – Ses opinions et sa jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
١ - أصول الفقه الحنبلي وأثرها في نموه
٢٤٥- نظرة عاجلة إلى الأصول التي بنى عليها أحمد بن حنبل فقهه، والتي استنبط الحنابلة من بعده على ضوئها ترينا كيف اتسعت طرائق الاستنباط في ذلك الفقه، وكيف كان عظم اطلاع صاحبه على الآثار السلفية سبباً في خصوبة الفقه، لا في جفافه، فقد كثر المروي، وبكثرة المروي تكثر وجوه القياس، والنظائر التي بني عليها، وكثر عدد الأصول، فاستنباط بالمصالح المرسلة، واستنباط بالذرائع، واستنباط واسع الأفق بالاستصحاب، وترك الأمور على أصل الحل الأصلي، أو العفو الأصلي، كما يعبر المدققون من الفقهاء، حتى يقوم دليل يطلب، أو دليل يمنع.
وإن كثرة طرائق الاستنباط في ذاتها من شأنها أن توسع فيه، إذ تكثر ينابيع الاجتهاد، فتمده بعناصر مختلفة يتكون منها كيان فقهي مذهبي محكم، تتعدد فيه المصادر الفقهية، فتمد الفقيه بأغزر الفقه، وأحكم الأحكام، وتجنبه الشطط، وتهديه سواء السبيل.
٢٤٦- وليست كثرة الأصول وحدها هي عوامل نماء المذهب الحنبلي، بل نوع هذه الأصول، والثروة الفقهية التي يمد بها كل نوع، وإن كل نوع من الأصول التي امتاز بها الفقه الحنبلي، أو بالكثرة منها ترينا كيف كان ذلك المذهب حياً يحوي في ثناياه كل عناصر القوة، والنمو.
ولعلنا إن اتجهنا إلى بعض منها، وبينا كيف كانت غزارة علم أحمد فيه من أسباب نمو الفقه؛ وليكن فتاوى الصحابة، فقد حسب بعض الذين لا ينظرون إلى الأمور إلا بالنظر العاجل، فيحكمون ببادئ هذا النظر، من غير ترديد النظرة والفكرة - أن اعتماد أحمد على فتاوى الصحابة من أسباب جمود الفقه الحنبلي لا من أسباب الخصب فيه، وقد ظهر ذلك من عبارات ابن خلدون التي نقلناها آنفاً ومن عبارات بعض المتقدمين والمتأخرين الذين كانوا يظنون أحمد ليس فقيهاً، ولكنه محدث، ومن علماء الآثار، لا يعدو ذلك.
والحقيقة أن استكثار أحمد من رواية الآثار، حتى لنحسب أنه أول جامع
361