Ibn Hanbal : Sa vie et son époque – Ses opinions et sa jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
بقطع السعر، ونحو ذلك، فإن هذه العقود مشتقة من العرف، وليست مستنكرة في الشرع، فساغ الحكم بصحتها، وضاقت الأقيسة عند غيره عن أن تسعها.
٢٤٢- ولقد وجدنا أحمد رضي الله عنه لم يكتب فقهًا، وجاء أصحابه فرووا ذلك الفقه كما بينا، وقد كان له في حياته رضي الله عنه قاصدون من كل بقاع البلاد الإسلامية، فمن بلاد ما وراء النهر، ومن فارس وخراسان، ومصر والشام واليمن، والحجاز وغير ذلك، وكل أولئك استفتوه، وأخذوا عنه، ونقلوا فتاويه إلى بلادهم، وتفرقوا بها في البلدان، وهو رضي الله عنه يفتي في كل ما يسأل عنه، ويظهر أنه لم يكن يقيد نفسه بفتواه السابقة؛ لأنها غير مسطورة بين يديه يراجعها، وينقحها أو يخالفها، كما كان يفعل الشافعي رضي الله عنه، وكما فعل في كتبه العراقية، فقد نقحها في مصر، وكانت هي المصرية، أو هي المذهب الجديد، على حد تعبير الكتاب في الفقه الشافعي. وأيضًا فإن أحمد رضي الله عنه كان يتجه إلى الدليل حيثما كان، لا يمنعه منه رأي سابق ولو كان ذلك الرأي صادرًا عنه هو، ولعل ذلك بعض الذي حفزه لأن ينهى عن كتابة فتاويه، أو مسائله، كما كان يعبر هو عنه؛ وأيضًا فإنه كان يفتي في الوقائع وهي ليست صورًا مجردة يمكن أن تتشابه تشابهًا كاملًا، فتتشابه أحكامها، أو بعبارة أدق تتحد، بل الوقائع حوادث تحيط بها ملابسات، وتقترن بها بواعث تجعل الفوارق بينها كثيرًا، وقد تختلف الأحكام باختلاف الباعث، والنتيجة التي تؤثر فيها الأحوال والملابسات، وإن اتفقت الصورة والمظهر، ويختلف حينئذ الحكم، وإن اتحدت الأشكال، وتشابهت الوقائع.
لهذا كله أثرت عن أحمد أقوال مختلفة في المسألة الواحدة، وروايات مختلفة في الحكم، وقد وضحنا ذلك بعض التوضيح عند الكلام في فقهه.
وإذا كثرت الأقوال وكثرت الروايات اتسعت أبواب التخريج؛ لأن الوقائع المستقبلة عند الأخلاف يجد المفتي فيها عدة أقوال في المسألة المشابهة، وعدة روايات أحيانًا، فيخرج مسألته على أقرب هذه الروايات شبهًا بها، أو على أقرب الأقوال اتفاقًا مع بواعثها، وأدنى إلى الإصلاح بين الناس منها، ولا تضيق على الفقيه المخرج
358