Ibn Hanbal : Sa vie et son époque – Ses opinions et sa jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ويعتبرون الخلاف بينهم وبين سابقيهم اختلاف زمان ومكان، لا اختلاف دليل وبرهان، وقد يقف المتزمتون منهم حيث كان ينبغي السير، وحيث تدفع الحوادث إلى السير، وقد سلم من هذا الفقهاء الذين تقيدوا بالوقائع لا يفتون في غيرها، ولا يقدرون الأمر قبل وقوعه، ولذلك كانت طريق التخريج عندهم غير مقيدة بقول سابق من الإمام أو أصحابه المقدمين الذين تعتبر آراؤهم قريبة من آرائه، فلا محاجزات تقف في طريق اجتهادهم.
ولقد وجدنا مذهب مالك ومذهب أحمد يسيران على الفتوى فيما يقع، على تفاوت بينهما في قدر الاستمساك، ووجدنا خصباً فيهما في معالجة المسائل التي تجد في الأزمنة المختلفة على ضوء ما قال الأقدمون، وإن السبب في ذلك واضح لا يحتاج إلى فضل من البيان؛ ذلك أن الذين أكثروا من التفريع، والفرض والتقدير، ووضع الضوابط والمقاييس، قد كثرت أحكام الفروع المأثورة عنهم، والقواعد الضابطة المنقولة إلى الأخلاف، فلما جاء عصر اتباع الأئمة وتقليدهم، وعدم الخروج عن نطاق اجتهادهم كان أولئك الأخلاف مقيدين بتلك الأقوال، وبهذه الضوابط، فاكتفوا بالافتاء بها، وقد كانوا يجدون ضيقاً شديداً في تطبيقها، فكانوا يبتكرون الحيل والمخارج للتخفيف من ثقل هذه القيود، ولذلك وجدت الحيل في المذهب الحنفي، ووجدت المخارج والحيل في المذهب الشافعي، وكان ذلك في أصل مشروعيته لتخفيف تلك القيود المذهبية، وجعل الأحكام المذهبية متطابقة في العصور، لا يجد الناس فيها حرجاً وضيقا، ولكن شاهت من بعد ذلك النفوس، فاتخذت الحيل طرائق لتضييع الحقوق، وأكل أموال الناس بالباطل، وتحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى وتحريم ما أحل.
أما المذهب الحنبلي، ويقاربه المذهب المالكي، فلم تكن الفتاوى فيه إلا في الوقائع؛ ولما جاء العصر الذي ساد فيه الأتباع دون الاجتهاد لم يجد المقلدون فتاوى في كل المسائل الواقعة، واضطروا لأن يخرجوا على أقوال السابقين ومناهجهم، إذ لم يجدوا من الأقوال لأئمتهم الأول ما يقف محاجزاً دون التخريج والبحث، ولذلك
356