354

Ibn Hanbal : Sa vie et son époque – Ses opinions et sa jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

وعلى ذلك نقرر أن ابن خلدون لم ينصف أحمد عندما أشار بقلة اجتهاده، وكثرة رواياته، ليفهم أنه كان محدثاً أكثر مما كان فقيهاً، أو فقهه فقه رواية، لا فقه دراية.

ولقد أخطأ ابن خلدون مرة ثانية عندما حكم بأن قلة التابعين له سببها قلة اجتهاده، فإن هذه القضية في ذاتها غير سليمة، فإن العامة لا يختارون من يقلدون اختياراً منشؤه الموازنة بين الأدلة، ومعرفة مقدار فقه الفقيه، فما كان تقليد عامة أهل مصر أو أهل الشام للشافعي منشؤه الموازنة الصحيحة بين مقدار اجتهاد الشافعي واجتهاد غيره، وكذلك يقال في مالك، وأبي حنيفة.

إنما كثرة المقلدين وقلتهم ترجع إلى أمور سياسية، أو اجتماعية سهلت نشر المذهب، أو صعبت ذلك، فذهب أبي حنيفة ما ساد في العراق في القديم، إلا لكثرة أصحابه بالعراق، ومقام بعضهم في الخلافة الإسلامية، وجعل القضاء على أسسه في الخلافة، لما ساد التقليد، وكثر المقلدون من العلماء، وهكذا تجد كل مذهب انتشر كانت هناك أحوال وملابسات سهلت ذلك الانتشار في هذا الإقليم؛ ولم تكن هذه الأحوال في غيره، فقل نشر المذهب فيه، ولم تكن قوة الدليل، أو كثرة الاجتهاد من عوامل شيوع المذهب سلباً أو إيجاباً.

وإذا كان مذهب أحمد لم ينتشر كغيره من المذاهب، فذلك لملابسات لم يكن مقدار اجتهاده ذا تأثير فيها، وما كان لمثل ابن خلدون أن يقحم مقدار الاجتهاد في ذلك المقام.

٢٣٨ - وإذا كان لأحمد رضي الله عنه طريقة في الاجتهاد تجعل الباحث يظن بادي الرأي أنه كان أقل من غيره فهي أنه ما كان يفتي إلا فيما يقع من المسائل غير معني بتدوينها، ولا بالتخريج عليها، وكان في ذلك كمالك، وإن كان أصحاب مالك كانوا يتجهون إلى التفريع، ويتحايلون ليجيبهم إلى ما يفترضون من مسائل أحياناً.

فأحمد رحمه الله كان يفتي فيما يسأل عنه، ولكنه كان لا يفتح باب التفريع؛ لأنه يعتقد أن الفتوى ابتلاء للمفتي، لا يصح أن يتوسع فيها، ولا يستدرج في الإجابة

م ـــ ٢٣

353