L'Ibana

الإبانة عن أصول الديانة

Enquêteur

د. فوقية حسين محمود

Maison d'édition

دار الأنصار

Édition

الأولى

Année de publication

١٣٩٧

Lieu d'édition

القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي ونعم الوكيل
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال الشيخ الإمام العالم أبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن أبي بشر الأشعري البصري ﵀:
١- الحمد لله الواحد الأحد، العزيز الماجد، المتفرد بالتوحيد، والمنفرد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، ليس له مثل ولا نديد، وهو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، جل عن اتخاذ الصواحب والأولاد، وتقدس عن ملابسة الأجناس والأرجاس، ليست له عثرة تقال، ولا حد يضرب له مثال، لم يزل

1 / 1

بصفاته أولا قديرا، ولا يزال عالما خبيرا، استوفى الأشياء علمه، ونفذت فيها إرادته، فلم تعزب عليه خفيات الأمور، ولم تغيره سوالف صروف الدهور، ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب، ولا مسه لغوب ولا نصب، خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فذل لعظمته المتكبرون، واستكان لعز ربوبيته المتعظمون، وانقطع دون الرسوخ في علمه العالمون، وذلت له الرقاب، وحارت في ملكوته فطن ذوى الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع، واستقرت الأرض المهاد، وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار، وهو الله الواحد القهار.
٢- فنحمده كما حمد نفسه، وكما هو أهله ومستحقه، وكما حمده الحامدون من جميع خلقه، ونستعينه استعانة من فوض الأمر

1 / 8

إليه، وأقر أنه لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، ونستغفره استغفار مقر بذنبه، معترف بخطيئته.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بوحدانيته، وإخلاصا لربوبيته، وأنه العالم بما تظن الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وما تخفيه النفوس، وما تجن البحار، وما تواريه الأسراب، (وما تفيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار)، لا توارى عنه كلمة، ولا تغيب عنه غائبة، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) من الآية (٥٩) .
ويعلم ما يعمل العاملون وما ينقلب إليه المنقلبون.
٣ - ونستهديه بالهدى، ونسأله التوفيق لمجانبة الردى.
٤ - ونشهد أن محمدا ﷺ عبده ورسوله، ونبيه وأمينه وصفيه، أرسله إلى خلقه بالنور الساطع، والسراج اللامع، والحجج الظاهرة، والبراهين والآيات الباهرة، والأعاجيب القاهرة، فبلّغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، حتى تمت كلمة الله ﷿، وظهر أمره، وانقاد الناس إلى الحق خاضعين، حتى أتاه اليقين، لا وانيا ولا مقصرا،

1 / 9

فصلوات الله عليه من قائد إلى هدى مبين، وعلى أهل بيته الطيبين، وعلى أصحابه المنتخبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.
عرَّفنا الله به الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، وبيَّن لنا به شريعة الإسلام، حتى انجلت عنا طخياء الظلام، وانحسرت عنا به الشبهات، وانكشفت عنا به الغيابات، وظهرت لنا به البينات.
وجاءنا بـ (كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد) من الآية (٤١ -٤٢)
جمع فيه علم الأولين والآخرين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين، فمن تمسك به نجا، ومن خالفه ضل وغوى، وفي الجهل تردى، وحثنا الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله ﷺ، فقال ﷿: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) من الآية (٧)،

1 / 10

وقال ﷿: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) من الآية (٦٣)، وقال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) من الآية (٨٣)، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) من الآية (٥٩)، يقول: إلى كتاب الله وسنة رسوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)، وقال تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) من الآية (١٥)،

1 / 11

وقال: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) من الآية (٥١) فأمرهم أن يسمعوا قوله، ويطيعوا أمره، ويحذروا مخالفته، وقال: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) من الآية (٩٢) فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه كما أمرهم بالعمل بكتابه.
٥ - فنبذ كثير ممن غلبت عليهم شقوته، واستحوذ عليهم الشيطان سنن نبي الله ﷺ وراء ظهورهم، ومالوا إلى أسلاف لهم قلدوهم دينهم، ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن نبي الله ﵊، ودفعوها وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله، (قد ضلوا وما كانوا مهتدين) من الآية (١٤) .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، تغر أهلها وتخدع سكَّانها،

1 / 12

قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض) الآية من الآية (٤٥) .
من كان فيها في حيرة أعقبته بعدها عبرة، ومن أعطته من سرائها بطنا أعقبته من ضرائها ظهرا، غرارة غرور ما فيها، فانية فَانٍ ما فيها، كما بقوله تعالى: (كل من عليها فان) (٢٦)، فاعملوا رحمكم الله للحياة الدائمة، ولخلود الأبد، فإن الدنيا تنقضي على أهلها، وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها.
واعلموا أنكم ميتون، ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم راجعون، (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) من الآية (٣١) .
فكونوا بطاعة ربكم عاملين، وعما نهاكم منتهين.

1 / 13

فصل في قول أهل الزيغ والبدع:
أما بعد: فإن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل به الله سلطانا، ولا أوضح به برهانا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين.
وخالفوا روايات الصحابة ﵃ عن نبي الله ﷺ في رؤية الله ﷿ بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار.

1 / 14

وأنكروا شفاعة رسول الله ﷺ للمذنبين، ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين.
وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين.
ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين؛ الذين قالوا: (إن هذا إلا قول البشر) (٢٥) .
وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين:
أحدهما الخير، والآخر يخلق الشر.
وزعمت القدرية أن الله تعالى يخلق الخير، والشيطان يخلق الشر.
وزعموا أن الله تعالى يشاء ما لا يكون، ويكون مالا يشاء، خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردا لقول الله تعالى

1 / 15

: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) من الآية (٣٠)
فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء الله أن نشاءه.
ولقوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) من الآية (٢٥٣)، ولقوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) من الآية (١٣)، ولقوله تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (١٠٧)، ولقوله تعالى مخبرا عن نبيه شعيب ﷺ أنه قال: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علما) من الآية (٨٩) .
ولهذا سماهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة؛ لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا أقاويلهم.
وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس.
وأنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم من دون الله عز

1 / 16