ذَلِك وتلقي علومهم وهممهم لَهُ بِالْقبُولِ وَكَون ذَلِك الْقدر هُوَ الَّذِي اشْتهر بَينهم وتداولوها، ثمَّ عَزِيمَة النَّبِي ﷺ وَطَلَبه من الله، فَإِذا اجْتمعَا لَا بُد أَن ينزل الْوَحْي على حَسبه، وَلَك عِبْرَة بِأَن الله مَا انْزِلْ كتابا إِلَّا بِلِسَان قومه وَبِمَا يفهمونه، وَلَا ألقِي عَلَيْهِم حكما وَلَا دَلِيلا إِلَّا مِمَّا هُوَ قريب من فهمهم، كَيفَ ومبدأ الْوَحْي اللطف، وَإِنَّمَا اللطف اخْتِيَار أقرب مَا يُمكن هُنَاكَ للإجابة.
وَقيل: " أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله، قيل: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، قيل: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حج مبرور، وَلَا اخْتِلَاف بَينه وَبَين قَوْله ﷺ فِي فضل الذّكر " أَلا أنبئكم بِأَفْضَل أَعمالكُم؟ " لِأَن الْفضل يخْتَلف باخْتلَاف الِاعْتِبَار، وَالْمَقْصُود هَهُنَا بَيَان الْفضل بِاعْتِبَار تنويه دين الله وَظُهُور شَعَائِر الله، وَلَيْسَ بِهَذَا الِاعْتِبَار بعد الْإِيمَان كالجهاد وَالْحج.
قَالَ النَّبِي ﷺ: " من حج لله فَلم يرْفث وَلم يفسق رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه " وَقَالَ ﵇: " الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة " وَقَالَ ﵇: " تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة "، أَقُول: تَعْظِيم شَعَائِر الله والخوض فِي لجة رَحْمَة الله يكفر الذُّنُوب، وَيدخل الْجنَّة، وَلما كَانَ الْحَج المبرور والمتابعة بَين الْحَج وَالْعمْرَة، والإكثار مِنْهَا نِصَابا صَالحا لتعرض رَحمته أثبت لَهما ذَلِك، وَإِنَّمَا شَرط ترك الرَّفَث وَالْفِسْق؛ ليتَحَقَّق ذَلِك الْخَوْض، فَإِن من فعلهمَا عرضت عَنهُ الرَّحْمَة، وَلم تكمل فِي حَقه.
وَقَالَ النَّبِي ﷺ " إِن عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة "، أَقُول: سره أَن الْحَج إِنَّمَا يفضل الْعمرَة بِأَنَّهُ جَامع بَين تَعْظِيم شَعَائِر الله واجتماع النَّاس على استنزال رَحْمَة الله دونهَا، وَالْعمْرَة فِي رَمَضَان تفعل فعله، فَإِن رَمَضَان وَقت تعاكس أضواء الْمُحْسِنِينَ ونزول الروحانية.
وَقَالَ ﷺ: من ملك زادا وراحلة تبلغه إِلَى بَيت الله وَلم يحجّ فَلَا عَلَيْهِ أَن يَمُوت يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا ". أَقُول: ترك ركن من أَرْكَان الْإِسْلَام يشبه بِالْخرُوجِ عَن الْملَّة، وَإِنَّمَا شبه تَارِك الْحَج باليهودي
وَالنَّصْرَانِيّ، وتارك الصَّلَاة بالمشرك، لِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يصلونَ، وَلَا يحجون، ومشركو الْعَرَب يحجون، وَلَا يصلونَ.