History of Islam
تاريخ الإسلام - ت بشار
Enquêteur
د بشار عوّاد معروف
Maison d'édition
دار الغرب الإسلامي
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
Lieu d'édition
بيروت
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الباقي بعد فناء خلقه، الكافي من توكل عليه، القيّوم الذي ملكوت كلّ شيء بيديه، حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله؛ أرسله رحمة للعالمين، وخاتما للنّبيّين، وحرزا للأميّين، وإماما للمتّقين بأوضح دليل، وأفصح تنزيل، وأفسح سبيل، وأفسر تبيان، وأبهر برهان. اللهمّ آته الوسيلة، وابعثه مقاما محمودا، يغبطه به الأوّلون والآخرون، وصلّ عليه وعلى آله الطّيبين، وصحابته المجاهدين، وأزواجه أمّهات المؤمنين.
أما بعد: فهذا كتاب نافع إن شاء الله - ونعوذ بالله من علم لا ينفع ومن دعاء لا يسمع - جمعته وتعبت عليه، واستخرجته من عدّة تصانيف. يعرف به الإنسان مهمّ ما مضى من التّاريخ، من أوّل تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا؛ من وفيات الكبار من الخلفاء، والقرّاء والزّهاد والفقهاء، والمحدّثين والعلماء، والسّلاطين والوزراء، والنّحاة والشّعراء. ومعرفة طبقاتهم وأوقاتهم وشيوخهم وبعض أخبارهم، بأخصر عبارة وألخص لفظ. وما تمّ من الفتوحات المشهورة والملاحم المذكورة، والعجائب المسطورة، من غير تطويل ولا إكثار ولا استيعاب. ولكن أذكر المشهورين ومن يشبههم، وأترك المجهولين ومن يشبههم. وأشير إلى الوقائع الكبار، إذ لو استوعبت التراجم والوقائع لبلغ الكتاب مائة مجلّدة بل أكثر، لأنّ فيه مائة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلّدا.
وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنّفات كثيرة، ومادّته من:
دلائل النّبوّة للبيهقي.
وسيرة النّبيّ ﷺ لابن إسحاق.
1 / 5
ومغازيه لابن عائذ الكاتب.
والطّبقات الكبرى لمحمد بن سعد كاتب الواقديّ.
وتاريخ أبي عبد الله البخاري.
وبعض تاريخ أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة.
وبعض تاريخ يعقوب الفسوي.
وتاريخ محمد بن المثنّى العنزي، وهو صغير.
وتاريخ أبي حفص الفلاّس.
وتاريخ أبي بكر بن أبي شيبة.
وتاريخ الواقدّي.
وتاريخ الهيثم بن عديّ.
1 / 6
وتاريخ خليفة بن خيّاط، والطبقات له.
وتاريخ أبي زرعة الدمشقي.
والفتوح لسيف بن عمر.
وكتاب النّسب للزّبير بن بكّار.
والمسند للإمام أحمد.
وتاريخ المفضّل بن غسّان الغلابي.
والجرح والتعديل عن يحيى بن معين.
والجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم.
ومن عليه رمز فهو في الكتب السّتّة أو بعضها، لأنّني طالعت مسودّة تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجّاج يوسف المزّي، ثم طالعت المبيضّة كلّها. فمن على اسمه (ع) فحديثه في الكتب الستّة، ومن عليه (٤) فهو في السّنن الأربعة، ومن عليه (خ) فهو في البخاري، ومن عليه (م) ففي
1 / 7
مسلم، ومن عليه (د) ففي سنن أبي داود، ومن عليه (ت) ففي جامع الترمذي، ومن عليه (ن) ففي سنن النّسائي، ومن عليه (ق) ففي سنن ابن ماجه. وإن كان الرجل في الكتب إلاّ فرد كتاب فعليه (سوى ت) مثلا، أو (سوى د).
وقد طالعت أيضا عليه من التواريخ التي اختصرتها:
تاريخ أبي عبد الله الحاكم.
وتاريخ أبي سعيد بن يونس.
وتاريخ أبي بكر الخطيب.
وتاريخ دمشق لأبي القاسم الحافظ.
وتاريخ أبي سعد بن السّمعاني، والأنساب له.
وتاريخ القاضي شمس الدين بن خلّكان.
1 / 8
وتاريخ العلاّمة شهاب الدين أبي شامة.
وتاريخ الشيخ قطب الدين بن اليونيني، وتاريخه على تاريخ مرآة الزمان للواعظ شمس الدين يوسف بن الجوزي، وهما على الحوادث والسّنين.
وطالعت أيضا كثيرا من:
تاريخ الطبري.
وتاريخ ابن الأثير.
وتاريخ ابن الفرضيّ.
وصلته لابن بشكوال.
وتكملتها للأبّار.
والكامل لابن عديّ.
وكتبا كثيرة وأجزاء عديدة، وكثيرا من: مرآة الزمان.
1 / 9
ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتّكلوا على حفظهم، فذهبت وفيات خلق من الأعيان من الصّحابة، ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعيّ ﵀ فكتبنا أسماءهم على الطّبقات تقريبا، ثم اعتنى المتأخّرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم، حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنّسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين وجهلت وفيات أئمة من المعروفين. وأيضا فإن عدّة بلدان لم يقع إلينا تواريخها؛ إمّا لكونها لم يؤرّخ علماءها أحد من الحفّاظ، أو جمع لها تاريخ ولم يقع إلينا.
وأنا أرغب إلى الله - تعالى - وأبتهل إليه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يغفر لجامعه وسامعه ومطالعه وللمسلمين آمين.
1 / 10
السنة الأولى من الهجرة
روى البخاري في صحيحه من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة أن المسلمين بالمدينة سمعوا مخرج رسول الله ﷺ. فكانوا يغدون إلى الحرةينتظرونه، حتى يردهم حر الشمس، فانقلبوا يوما، فأوفى يهودي على أطم فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فأخبرني عروة أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير ﵁ رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض. قال: فلم يملك اليهودي أن صاح: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح. فتلقوه بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين من ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، فطفق من لم يعرف رسول الله ﷺ يسلم على أبي بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر يظله بردائه، فعرف الناس عند ذلك رسول الله ﷺ. فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس مسجدهم. ثم ركب راحلته وسار حوله الناس يمشون، حتى بركت به مكان المسجد، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين - وكان مربدا لسهل وسهيل - فدعاهما فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. ثم بناه مسجدا، وكان ينقل اللبن معهم ويقول:
هذا الحمال، لا حمال خيبر … هذا أبر - ربنا - وأطهر
1 / 11
ويقول:
اللهم إن الأجر أجر الآخره … فارحم الأنصار والمهاجره
وخرج البخاري من حديث أبي إسحاق عن البراء حديث الهجرة بطوله.
وخرج من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: أقبل النبي ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر. وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي ﷺ شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: رجل يهديني الطريق، وإنما يعني طريق الخير.
إلى أن قال: فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى النبي ﷺ، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركبا، وحفوا دونهما بالسلاح. فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله، فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب، وذكر الحديث.
وروينا بإسناد حسن، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فأقام بالمدينة عشر سنين.
وقال محمد بن إسحاق: فقدم ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، فأقام في بني عمرو بن عوف - فيما قيل - يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم ظعن يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها بمن معه. وكان مكان المسجد مربدا لغلامين يتيمين، وهما سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو من بني النجار - فيما قال موسى بن عقبة - وكانا في حجر أسعد بن زرارة.
وقال ابن إسحاق: كان المربد لسهل وسهيل ابني عمرو، وكانا في
1 / 12
حجر معاذ بن عفراء.
وغلط ابن منده فقال: كان لسهل وسهيل ابني بيضاء، وإنما ابنا بيضاء من المهاجرين.
وأسس رسول الله ﷺ في إقامته ببني عمرو بن عوف مسجد قباء. وصلى الجمعة في بني سالم في بطن الوادي، فخرج معه رجال منهم: وهم العباس بن عبادة، وعتبان بن مالك، فسألوه أن ينزل عندهم ويقيم فيهم، فقال: خلوا الناقة فإنها مأمورة. وسار والأنصار حوله حتى أتى بني بياضة، فتلقاه زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، فدعوه إلى النزول فيهم، فقال: دعوها فإنها مأمورة. فأتى دور بني عدي بن النجار، وهم أخوال عبد المطلب، فتلقاه سليط بن قيس، ورجال من بني عدي، فدعوه إلى النزول والبقاء عندهم، فقال: دعوها فإنها مأمورة. ومشى حتى أتى دور بني مالك بن النجار، فبركت الناقة في موضع المسجد، وهو مربد تمر لغلامين يتيمين. وكان فيه نخل وخرب، وقبور للمشركين. فلم ينزل عن ظهرها، فقامت ومشت قليلا، وهو ﷺ لا يهيجها، ثم التفت فكرت إلى مكانها وبركت فيه، فنزل عنها. فأخذ أبو أيوب الأنصاري رحلها فحمله إلى داره. ونزل النبي ﷺ في بيت من دار أبي أيوب. فلم يزل ساكنا عند أبي أيوب حتى بنى مسجده وحجره في المربد. وكان قد طلب شراءه فأبت بنو النجار من بيعه، وبذلوه لله وعوضوا اليتيمين. فأمر بالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت. وبنى عضادتيه بالحجارة، وجعل سواريه من جذوع النخل، وسقفه بالجريد. وعمل فيه المسلمون حسبة.
فمات أبو أمامة أسعد بن زرارة الأنصاري تلك الأيام بالذبحة. وكان من سادة الأنصار ومن نقبائهم الأبرار. ووجد النبي ﷺ وجدا لموته، وكان قد كواه. ولم يجعل على بني النجار بعده نقيبا وقال: أنا نقيبكم. فكانوا يفخرون بذلك.
1 / 13
وكانت يثرب لم تمصر، وإنما كانت قرى مفرقة: بنو مالك بن النجار في قرية، وهي مثل المحلة، وهي دار بني فلان. كما في الحديث: خير دور الأنصار دار بني النجار.
وكان بنو عدي بن النجار لهم دار، وبنو مازن بن النجار كذلك، وبنو سالم كذلك، وبنو ساعدة كذلك، وبنو الحارث بن الخزرج كذلك، وبنو عمرو بن عوف كذلك، وبنو عبد الأشهل كذلك، وسائر بطون الأنصار كذلك. قال النبي ﷺ: وفي كل دور الأنصار خير.
وأمر ﵇ بأن تبنى المساجد في الدور. فالدار - كما قلنا - هي القرية. ودار بني عوف هي قباء. فوقع بناء مسجده ﷺ في بني مالك بن النجار، وكانت قرية صغيرة.
وخرج البخاري من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه ولم - نزل في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا.
وآخى في هذه المدة بين المهاجرين والأنصار. ثم فرضت الزكاة. وأسلم الحبر عبد الله بن سلام، وأناس من اليهود، وكفر سائر اليهود.
قصة إسلام ابن سلام
قال عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله حقا. ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت. فأرسل إليهم فأتوا، فقال لهم: يا معشر يهود، ويلكم اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله فأسلموا. قالوا: ما نعلمه، فأعاد ذلك عليهم ثلاثا. ثم قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا:
1 / 14