التاريخ عند ابن أبي شيبة
التاريخ عند ابن أبي شيبة
Maison d'édition
الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة
Édition
السنة السابعة والعشرون
Année de publication
العددان - مائة وثلاثة - مائة وأربعة - ١٤١٦/١٤١٧هـ
Genres
•Methods of Historians
Régions
•Arabie saoudite
مقدمة
...
ملخص البحث
عني علماء الحديث خلال القرون الثلاثة الأولى بتدوين التاريخ وذكر مروياته، وعلى رأسهم أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) صاحب المصنف، سواء من خلال أبوابه كالمغازي والجهاد والفضائل أم من خلال كتبه الأخرى كالتاريخ والجمل وصفين والفتوح التي وصلتنا مضمومة للمصنف عدا الفتوح فهو مفقود.
ويتناول هذا البحث التعريف – باختصار - بأهمية المصادر الحديثية في دراسة التاريخ ثم التعريف بالمصنف وملامح عصره وذكر مؤلفاته، ثم يفصّل في دراسة التاريخ ومعرفة منهجه وموارده فيه، وفروعه عنده، مثل المعارك والفتوح وتواريخ المدن والأقاليم وتراجم الأعلام وآداب الحرب ومعاملة أهل الذمة، مع مقارنة بالمصادر التاريخية المبكرة ما أمكن، والإشارة إلى بعض ما انفرد به أو حفظه من الروايات التاريخية التي فقدت مصادرها أو انخرمت من الموجود منها.
والله ولي التوفيق.
1 / 560
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم.
تمثل كتب المصنفات والصحاح والسنن مصدرًا مهمًا من مصادر التاريخ الإسلامي المبكر، فهي لا تخلو من ذكر فتح أو غزوة أو سرية أو وصف متوقف أو حادثة أو مكان أو قول خليفة أو قائد أو والٍ ترجمت له، فتزيد من التفصيل المذكور عنه في المصادر التاريخية أو تذكر صوره أخرى له موافقة فتدعمه أو فيها زيادة فتجليه أو مغايرة فتعيد النظر في دراسته والموقف منه، ولذلك فإن عدم الرجوع إليها في الموضوعات التاريخية المشتملة عليها يعد قصورًا منهجيا في عدم استيفاء مادتها، ويبقى نتائج دراستها ناقصة. وإذا كانت كتب الصحاح عنيت أخيرًا باهتمام المؤرخين والرجوع إليها، ودراسة منهجها في إيراد الحوادث التاريخية، فإن كثيرًا من المصادر الحديثية الأخرى مازالت تحتاج إلى الاهتمام نفسه من قبل المؤرخين المحدَثين، فهي مظان كبيرة لجوانب عديدة من الأحداث التاريخية المختلفة.
إن غياب المصدر الحديثي في الدراسات التاريخية الحديثة يعد قصورًا منهجيًا لا مبرر له، وقد آن الأوان لردم ما اتسع من الفجوة وإعادة التلازم والتراحم الذي كان قائمًا بين هذين العلمين في صدر الدولة الإسلامية.
وقد ورد أصل الحادثة وذكرها بإجمال عند أصحاب المصنفات وجاء ذكرها بالتفصيل عند المؤرخين وقد يعود ذلك إلى أن الأولين يشترطون علوًا ودقة في الإِسناد أكثر من المؤرخين، وهو ما ظل يراعيه أصحاب الصحاح وتساهل فيه المؤرخون.
1 / 561
تم إن طبيعة الاختصاص اقتضت التفصيل عند المؤرخين واقتضت الإيجاز عند الآخرين.
وكان أبو بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) علمًا من أعلام المصنفين في الحديث، وشيخًا لِلإمامين البخاري ومسلم، وأحد رواة الصحيحين الثقاة سواء في المرويات التي أشير لها في البحث أو غيرها. وقد روىَ عنه البخاري في عدة مواضع ولا سيما في كتاب المغازي.
ولكن قليلًا من أهل الاختصاص في التاريخ بل كثير من القراء يعرفونه مؤرخًا ومن ثم كانت مؤلفاته التاريخية المبكرة والثقة في مؤلفها وقيمة المنهج الذي اتبعه منها مصدرًا مهمًا لبعض المصادر التاريخية المشهورة كالبلاذري والطبري والخطيب البغدادي.
وإذا كان بعضهم سبق ابن أبي شيبة بذكر روايات تلك الحوادث أو أنها جاءت في مصادر أخرى فإن سبقه بها الكثيرين أيضًا، والثقة فيه تحتم الإفادة الكبيرة من مروياته فيها.
ولذا فإن عرض كثير من المرويات والأخبار الواردة في المصادر الأخرى على ما أورد ابن أبي شيبة، كل في موضوعه ومقارنتها سيثري الدراسة التاريخية في مجالاتها لا من حيث القيمة المصدرية لمادتها فحسب وإنما من حيث المضمون والنتائج لها.
وعند مقارنة أهميتها التاريخية نجد أن حجم مادة الغزوات عنده يوازي تقريبًا ما ورد عنها عند ابن سعد على الرغم من أن هناك غزوات لم يرو فيها ابن أبي شيبة شيئًا.
فإذا أدركنا اختلافه في طرق الإِسناد والمتن في كثير من المواضيع التاريخية عنِ الآخرين ولا سيما المؤرخين فإن ذلك يثرى البحث فيها، ويتيح مجالا واسعًا للمقارنة بينهما.
1 / 562
ورغم شهرته عند المؤرخين الأوائل واعتمادهم عليه فإنه لم يحظ بالاهتمام المرجعي في الدراسات التاريخية الحديثة.
ولهذا جاءت هذه الدر اسه في محاولة للفت أنظار الباحثين المحدثين في التاريخ إلى أهمية مؤلفات ابن أبي شيبة التاريخية وضرورة تأسيهم بأسلافهم الذين أدركوا تلك الأهمية والمنزلة السامية لمؤلفها في الاعتماد عليها في كثير من فروع التاريخ وأبواب التأليف فيه.
باب: ابن أبي شيبة
...
ابن أبي شيبة:
هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، ولد بالكوفة سنه ١٥٩ هـ ١ ونشأ وتعلم بها، ثم رحل إلى البصرة وبغداد ومكة والمدينة٢. وكان من بيت علم اشتهر منه أخواه عثمان والقاسم وابنه إبراهيم بن أبي بكر وابن أخيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة٣.
ومن أشهر من تلقى العلم وروى الحديث عنهم شريح بن عبد الله القاضي وعبد لله ابن المبارك ووكيع ابن الجراح وأخوه عثمان ابن أبي شيبة، وآخرون غيرهم٤ أكثر من رواية التاريخ عنهم مثل عبد الله بن إدريس وأبي أسامة.
أما أشهر من تلقى عنه فهم الشيخان الإمام البخاري ومسلم، وأبو داود وابن ماجه، والإِمام أحمد وابنه عبد الله والإِمام إبراهيم الحربي وآخرون كثيرون٥.
ووصفه الإِمام البخاري بأنه من أقران أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه
١ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج١٠ ص٦٦.
٢ نفسه.
٣ الذهبي: سير أعلامء النبلاء ج١١ ص١٢٢-١٢٣.
٤ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج١٠ ص٦٦.
٥ البخاري: كتاب التاريخ الصغير ج٢ ص٣٣٣.
1 / 563
ويحيى بن معين وعلي بن المديني١، وقال الذهبي في السن والمولد والحفظ ٢.
وقال يحي بن معين والإمام أحمد: إنه صدوق٣. ووصفه الذهبي بالحافظ الكبير الحجة، وأن إليه المنتهى في الثقة٤. نظرًا لما عرف عنه من قوة الحفظ حتى كان فيه مضرب المثل.
عصره:
عاش ابن أبي شيبة ما بين منتصف القرن الثاني والثالث أي في العصر العباسي الأول، وأدرك من خلفائه الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق وبداية عهد المتوكل. وكان المتوكل يقربه ضمن من قرب من علماء الدولة، وفي سنه ٢٣٤ هـ ندبه في الرد على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن، فجلس ابن أبي شيبة يفند آراءهم في مسجد الرصافة ببغداد فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا٥. ويدل ذلك على غزارة علمه ومكانته بين الناس حتى يحضر دروسه مثل هذا العدد.
وتوفي ﵀ ببغداد سنة ٢٣٥ هـ٦.
كما عاش ابن أبي شيبة في هذا العصر، وهو عصر نضج التدوين والتأليف في مختلف العلوم الإسلامية، عاش فيه الأئمة الأربعة والإمام البخاري ومسلم وعبد الله بن المبارك.. وغيرهم كثير. وهو أيضًا عصر التأليف التاريخي وآخر مراحل اتصاله بعلم الحديث بعد أن كانا صنوي نشأة ومنهج وقتًا طويلًا.
١ البخاري. كتاب التاريخ الصغير ج٢ ص٣٣٢-٣٣٣.
٢ سير أعلام النبلاء ج١١ ص- ١٢٢.
٣ المصدر السابق: ج١١ ص١٢٣-١٢٤.
٤ الذهبي: ميزان الاعتدال ج٢ ص٤٩٠.
٥ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج١٠ ص٦٧.
٦ البخاري: كتاب التاريخ الصغير ج٢ ص٣٣٥.
1 / 564
ولهذا عاصر ابن أبي شيبة عددًا من المؤرخين الذين كانوا أعلامًا وقتذاك ولكنهم اشتهروا في التاريخ أكثر من غيره إلى جانب تبريز بعضهم في علوم أخرى مثل ابن إسحاق وابن هشام وابن سعد وخليفة بن خياط وعمر بن شبة ومصعب الزبيري.
وإذا كان عصره لا يزال يمثل اتصال التاريخ بعلم الحديث ولما كان ابن أبي شيبة من علماء الحديث، فإن كتابته للتاريخ كانت متأثرة بذلك منهجًاَ وغاية، فقد ضمن عدد من معاصريه من المحدثين كتبهم أبوابًا في التاريخ حيث كانت المغازي بابًا ثابتًا في مؤلفاتهم فجاءت مثلًا عند الصنعاني في مصنفه والبخاري ومسلم في صحيحيهما في الوقت الذي كثر فيه التأليف التاريخي المستقل، وظهر فيه الخروج على قواعد منهج المحدثين فيما يتعلق بالدقة والتحري، وبقي فيه بعض ضوابطه كالسند وهو منحى مهم يزيد في قيمة الكتابة التاريخية عندما تكون في هذا الوقت من مثل هذا العلم، وحسب التاريخ أن يكتب فيه مثله.
إن الإغراض في التأليف التاريخي والتساهل في السند كان حافزًا مهمًا للمحدثين، ولبعض المؤرخين، لكتابة التاريخ على منهج تدوين الحديث والإبقاء عليه، مثلما فعل الطبري في تاريخه فيما بعد.
وعلى الرغم من استقرار منهج المحدثين رواية ودراية في علمهم وقتذاك، إلا أنه في تدوين التاريخ لم يكن بنفس القوة والتطبيق، فقد شاح عنه المؤرخون منذ ذلك الوقت وتحففوا منه ثم تركوه في العصور التالية.
ولكن بقي بعض المحدثين خلال القرن الثالث يعقلون به تدوين التاريخ وعلى رأسهم ابن أبي شيبة.
1 / 565
مؤلفاته:
ألف ابن أبي شيبة عددًا من الكتب، هي كتاب السنن في الفقه، وكتاب التفسير، وكتاب المسند في الحديث١.
ولم يذكر المتقدمون مثل النديم صاحب الفهرست والخطيب البغدادي أن له كتابًا اسمه المصنف في الحديث بينما ذكره المؤرخون كابن كثير ٢ وحاجي خليفة٣ وإسماعيل البغدادي٤.
حتى أن النديم لم يذكر كتابًا لأي مؤلف بهذا الاسم، وأكثر من ذكر أسماء الكتب المتفقة مع مؤلفاته هذه في الاسم بما فيها المسند سواء لعلماء سبقوه أو عاصروه، ومناقشة ذلك خارج هذا الموضوع.
أما مؤلفاته التاريخية، فيذكر النديم إنها كتاب التاريخ، وكتاب الفتن، وكتاب صفين، وكتاب الجمل، وكتاب الفتوح. ولم يذكر الخطيب البغدادي شيئًا منها.
وكانت موضوعاته من أغراض التأليف المهمة في التاريخ، وقد ألف فيها الكثير مثل أبي مخنف (ت ١٥٧هـ) ٥ والواقدي (ت ٢٠٧ هـ) ٦ ونصر بن مزاحم المنقري (ت ٢١٢ هـ) ٧ وعلي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) ٨ وعمر بن شبة (ت ٢٦٢ هـ) ٩.
١ النديم: الفهرست ٢٨٥؛ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج١٠ ص٦٦.
٢ البداية النهاية: ج١٠ ص٣١٥. وزاد ابن كثير: "ولم يصنف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده". ج١٠ ص٣٥٦.
٣ كشف الظنون ج٢ ص١٣١١.
٤ هدية العارفين ج١ ص٤٤٠.
٥ النديم ص١٠٥.
٦ المصدر السابق ص١١١.
٧ ياقوت: معجم الأدباء ج٧ ص٢١٠.
٨ النديم ص١١٤.
٩ المصدر السابق ص١٢٥.
1 / 566
أما من المحدثين فقد ضمن كل من الصنعاني والبخاري ومسلم مؤلفاتهم أبوابًا في التاريخ كالمغازي والسيرة النبوية ولكنها تقل عددًا عما ورد عند ابن أبي شيبه.
وقد اشتمل كتابه المصنف في الحديث على كتبه التاريخية السابقة١ أو هكذا وصلتنا والسؤال هل كان كل واحد منها كتابًا مستقلًا، ثم ضمت إلى المصنف وأصبح الرجوع إليها يتم من خلاله.
ولما كان عددها يبلغ خمسة كتب بعضها في حجم مجلد صغير وآخر متوسط فإنه يصعب قبول أن تكون أبوابًا في المصنف لاسيما وأن النص واضح من قبل أن ابن أبي شيبة نفسه على تسميتها بالكتب وأن بعضها يتألف من عدة أبواب.
وإذا كان كتابا الفتن والمغازي هي ما تشتمل عليه كتب الحديث في الغالب على غرار مصنف الصنعاني والصحيحين مثلا، فإن كتب صفين والجمل والتاريخ والفتوح هي مما لم يألفه التأليف الحديثي ومن ثم عدم اشتماله على هذه المؤلفات كتبًا أو أبوابًا.
كذلك جاء في ترتيب كتاب التاريخ عند ابن أبي شيبة قبل كتاب المغازي، وهذا خلاف التسلسل الزمني والسياق الموضوعي للأحداث ولا أخال إلا أنه مقتحم بين كتاب الجهاد وكتاب المغازي. واتصال الكتابين يتطلب تتابعهما بدون فصل على غرار ورودهما كذلك عند الصنعاني في مصنفه، ولكن قد يكون ذلك ومن خطأ أحد النساخ، لكنه يدعم أن كتاب التاريخ كان مستقلًا عن المصنف ثم وضع إليه في أحد العصور.
كما أن إشارة النديم بأن له كتابًا اسمه الفتوح، وهو ما تؤكده دلالة كثرة
١ جاء كتاب التاريخ في ج١٢ ص٥٤٧ وج١٣ ص٥، وجاء كتاب المغازي في ج١٤ ص٢٨٣، وجاء كتاب الفتن ج١٥ ص٥، وجاء كتاب الجمل في ج١٥ ص٢٤٨، أما كتاب صفين وسماه ما ذكر في صفين فجاء في ج١٥ ص٢٨٨.
1 / 567
التأليف فيه خلال القرن الثالث ولم يصلنا بابًا أو كتابًا مضمومًا إلى المصنف مما يدعم أن كتبه التاريخية كانت مستقلة على الأرجح.
ويظهر أن كتاب الفتوح ليس الكتاب التاريخي الوحيد المفقود للمؤلف وإنما له مرويات من كتب أخرى مفقودة، فقد أورد البلاذري روايتين منقولة عن ابن أبي شيبة تتعلقان بوفاة فاطمة وسعد بن أبي وقاص- ﵄-١ وسياقهما ما بين كتابين الفضائل والتاريخ له، إلا أنهما غير موجودتين في نسخة المصنف الحالية مما يشير إلى أن بعض رواياته التاريخية ضائعة.
ثم إن النديم عندما يذكر غير كتابي السنن والمسند لأحد المؤلفين اللذين شاع التأليف باسميهما كثيرًا خلال القرن الثالث فمعنى ذلك أن بقية كتبه التي يذكرها ليست من أبواب أحدهما وإنما هي كتب مستقلة. فقد أورد لعبد الله بن المبارك كتاب السنن وكتاب التفسير وكتاب التاريخ٢.
وذكر لإِسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ) كتاب السنن وكتاب المسند وكتاب التفسير٣.
وذكر للإمام البخاري كتاب الصحيح وكتاب التاريخ الصغير والكبير.. الخ٤. ولعلي المديني (ت ٢٥٨ هـ) كتاب المسند وكتاب الضعفاء٥.
وهذا ما يرجح عند الباحث أنها كتب أخرى له صمت لكتابه الكَبير المصنف في عصر من العصور حتى غدت كأنها أبواب منه، وسواء كانت كذلك أم مؤلفات مستقلة عنه فإنه ولله الحمد وصلتنا محتوياتها.
١ البلاذري: أنساب الأشراف ج١ ص٤٠٤-٤٠٥.
٢ النديم ص٢٨٤.
٣ المصدر السابق.
٤ نفسه.
٥ نفسه.
1 / 568
باب: منهجه في كتاب التاريخ
...
منهجه في كتابة التاريخ:
فرَّق ابن أبي شيبة ﵀ في كتابة التاريخ بين التاريخ بمعنى الأخبار والحوادث والأحوال، وبين التاريخ بمعنى التوقيت والتقويم، وأورد في كل منهما ما يناسبه، وقدم الأول وابتدأه بالحديث عن معركة اليمامة١ ثم ذكر بعده كثيرًا من أخبار المعارك الإسلامية التالية مثل القادسية وتستر واليرموك.
وقد فَصَل ابن أبي شيبة بين أحداث المغازي، وبين أحداث التاريخ وعقد الحديث في الأولى عن الغزوات الإسلامية في عهد الرسول ﵇، بينما أورد أحداث المعارك في العهود التالية في كتاب التاريخ.
وقد يعود ذلك إلى أن مفهوم الفصل بين التاريخ والمغازي ظل قائمًا حتى عصره.
ثم إنه لما كان مُحدثًا واتَّبع منهج أهل الحديث في كتابة التاريخ، فإن ترتيب موضوعات مصنفه اقتضى أن يقسم التاريخ إلى غزوات وأحداث عامة، وأن يجعل الغزوات تلي باب الجهاد مباشرة ثم يذكر بعدها حوادث تاريخ المسلمين ذات العلاقة كالمعارك والفتوح٢.
كما أن هناك تشابهًا كبيرًا في باب المغازي بين ابن أبي شيبة والإمام الصنعاني (ت ٢١١ هـ) من أصحاب المصنفات، فهما يتحدثان فيه عن سيرة الرسول المبكرة مثل زواجه ونزول الوحي عليه، ثم يتحدثون فيه عن أوائل من أسلم من الصحابة، وقد توسع في ذلك ابن أبي شيبة أكثر من الصنعاني٣.
وتبع هذا توسعه في المادة العلمية عن كل غزوة، بينما كان الإمام البخاري أكثر تحديدًا وقصرًا له على المغازي من الاثنين.
١ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٥٤٧.
٢ ابن أبي شيبة ج١٣ ص٥-٣٠.
٣ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٣١٠-٥٣٩.
1 / 569