Traité sur le Hijab

رسالة الحجاب

Maison d'édition

دار ومكتبة الهلال، بيروت

9- كتاب الحجاب

Page 563

[1- مقدمة]

أطال الله بقاءك، وجعلني من كل سوء فداءك، وأسعدك بطاعته وتولاك بكرامته، ووالى إليك مزيده.

إنه يقال- أكرمك الله- «إن السعيد من وعظ بغيره، وأن الحكيم من أحكمته تجاربه» . وقد قيل: «كفاك أدبا لنفسك ما كرهت من غيرك» وقيل: «كفاك من سوء سماعه» ، وقيل: «إن يقظة الفهم للواعظ مما يدعو النفس إلى الحذر من الخطأ، والعقل إلى تصفيته من القذى» .

وكانت الملوك إذا أتت ما يجل عن المعاتبة عليه ضربت لها الأمثال، وعرض لها بالحديث. وقال الشاعر:

العبد يقرع بالعصا

والحر تكفيه الملامة

وقال آخر:

ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها

وقال عبد المسيح المتلمس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا

وما علم الإنسان إلا ليعلما

وقال بعضهم: «في خفي التعريض ما أغنى عن شنيع التصريح» .

Page 565

وقد جمعت في كتابي هذا ما جاء في الحجاب من خبر وشعر، ومعاتبة وعذر، وتصريح وتعريض، وفيه ما كفى. وبالله التوفيق:

وقد قلت:

كفى أدبا لنفسك ما تراه

لغيرك شائنا بين الأنام

[2- النهي عن الحجاب]

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه من الولاة اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد» .

وروي عنه عليه السلام أنه وجه علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بعض الوجوه، فقال له فيما أوصاه به: «إني قد بعثتك وأنا بك ضنين فابرز للناس، وقدم الوضيع على الشريف، والضعيف على القوي، والنساء قبل الرجال، ولا تدخلن أحدا يغلبك على أمرك، وشاور القرآن فإنه إمامك» .

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استعمل عاملا شرط عليه أربعا: لا يركب برذونا، ولا يتخذ حاجبا، ولا يلبس كتانا، ولا يأكل درمكا.

ويوصي عماله فيقول: إياكم والحجاب، وأظهروا أمركم بالبراز، وخذوا الذي لكم وأعطوا الذي عليكم، فإن امرأ ظلم حقه مضطر حتى يغدو به مع الغادين.

وكتب عمر رضوان الله عليه إلى معاوية وهو عامله على الشام:

Page 566

«أما بعد فإني لم آلك في كتابي إليك ونفسي خيرا. إياك والاحتجاب دون الناس، وأذن للضعيف وأدنه حتى ينبسط لسانه، ويجترىء قلبه، وتعهد الغريب فإنه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقه، وضعف قلبه، وإنما أثوى حقه من حبسه. واحرص على الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء. وإذا حضرك الخصمان بالبينة العادلة والأيمان القاطعة فأمض الحكم. والسلام» .

وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري:

«آس بين الناس في نظرك وحجابك وإذنك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. وأعلم أن أسعد الناس عند الله تعالى يوم القيامة من سعد به الناس، وأشقاهم من شقوا به» .

وروى الهيثم بن عدي عن ابن عباس قال: قال لي عبيد الله بن أبي المخارق القيني:

استعملني الحجاج على الفلوجة العليا، فقلت: أما هاهنا دهقان يعاش بعقله ورأيه؟ فقيل لي: بلى، هاهنا جميل بن بصهرى. فقلت: علي به. فأتاني فقلت: إن الحجاج استعملني على غير قرابة ولا دالة ولا وسيلة، فأشر علي. قال:

لا يكون لك بواب حتى إذا تذكر الرجل من أهل عملك بابك لم يخف حجابك، وإذا حضرك شريف لم يتأخر عن لقائك ولم يحكم على شرفك حاجبك. وليطل جلوسك لأهل عملك يهبك عمالك، ويبقى مكانك ولا يختلف لك حكم على شريف ولا وضيع، ليكن حكمك واحدا على الجميع، يثق الناس بعقلك. ولا تقبل من أحد هدية فإن صاحبها لا يرضى بأضعافها مع ما فيها من الشهرة.

قال موسى الهادي لحاجبه: لا تحجب الناس عني، فإن ذلك يزيل التزكية، ولا تلق إلي أمرا إذا كشفته وجدته باطلا، فإن ذلك يوتغ المملكة.

Page 567

وقال بعض الخلفاء لحاجبه: إذا جلست فأذن للناس جميعا علي، وأبرز لهم وجهي، وسكن عنهم الأحراس، واخفض لهم الجناح، وأطب لهم بشرك، وألن لهم في المسألة والمنطق، وارفع لهم الحوائج، وسو بينهم في المراتب، وقدمهم على الكفاية والغناء، لا على الميل والهوى.

[3- واجبات الحاجب]

وقال آخر لحاجبه: إنك عيني التي أنظر بها، وجنة أستنيم إليها، وقد وليتك بابي فما تراك صانعا برعيتي؟

قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك في إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتبهم حيث وضعهم ترتيبك، وأحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك.

قال: قد وفيت بما عليك ولك قولا، إن وفيت به فعلا. والله ولي كفايتك ومعونتك.

وعهد أمير إلى حاجبه فقال: إن أداء الأمانة في الأعراض أوجب منها في الأموال، وذلك أن الأموال وقاية للأعراض، وليست الأعراض بوقاية للأموال. وقد ائتمنتك على أعراض الغاشين لبابي، وإنما أعراضهم أقدارهم، فصنها لهم، ووفرها عليهم. وصن بذلك عرضي، فلعمري إن صيانتك أعراضهم صيانة لعرضي، ووقايتك أقدارهم وقاية لقدري؛ إذ كنت الحظي بزين إنصافهم إن أنصفوا، والمبتلى بشين ظلمهم إن ظلموا في غشيانهم بابي، وحضورهم فنائي.

Page 568

أوف كل أمرىء قدره، ولا تجاوز به حده، وتوق الجور في ذلك التوقي كله. أقبل على من تحجب بإبداء البشر وحلاوة العذر، وطلاقة الوجه ولين القول، وإظهار الود، حتى يكون رضاه عنك لما يرى من بشاشتك به وطلاقتك له، كرضا من تأذن له عنك لما يمنحه من التكريم، ويحويه من التعظيم؛ فإن المنع عند الممنوع في لين المقالة يكاد يكون كالنيل عند العظماء في نفع المنالة.

أنه إلي حالات كل من يغشى بابي من وجيه وخامل، وذي هيئة وأخي رثاثة، فيما يحضرون له بابي، ويتعلقون به من إتياني.

لا تحتقرن من تقتحمه العيون لرثاثة ثوب أو لدمامة وجه، احتقارا يخفى علي أثره، فربما بذ مثله بمخبره من يروق العيون منظره.

إنك إن نقصت الكريم ما يستحقه من مال لم يغضب بعد أن تستوهبه منه، وإن نقصته من قدره أسخطته أشد الإسخاط، إذ كان يريد دنياه ليصون بها قدره، ولا يريد قدره ليبقي به دنياه. فكن لتحيف عرضه أشد توقيا منك لتحيف ماله.

إن المحجوب وإن كان عدلنا في حجابه كعدلنا على المأذون له في إذنه، يتداخله انكسار إذا حجب ورأى غيره قد أذن له. فاختصه لذلك من بشاشتك به، وطلاقتك له، بما يتحلل به عنه انكساره. فلعمري لو عرف أن صوابنا في حجابه كصوابنا في الإذن لمن نأذن له، ما احتجنا إلى ما أوصيناك به من اختصاصه بالبشر دون المأذون له.

إن اجتمع الأعلون والأوسطون والأدنون، فدعوت بواحد منهم دون من يعلوه في القدر، لأمر لا بد من الدعاء به له، فأظهر العذر في ذلك لئلا تخبث نفس من علاه؛ فإن الناس يتغالب لمثل ذلك عليهم سوء الظنون. والواجب على من ساسهم التوقي على نفسه سوء ظنونهم، وعليهم تقويم نفوسهم؛ إذ هو كالرأس يألم لألم الأعضاء، وهم كالأعضاء يألمون لألم الرأس.

المدائني قال: قال زياد ابن أبيه لحاجبه:

Page 569

يا عجلان: قد وليتك بابي، وعزلتك عن أربعة: طارق ليل؛ فشر ما جاء به أو خير. ورسول صاحب الثغر؛ فإنه إن تأخر ساعة بطل به؟؟؟ عمل سنة. وهذا المنادي بالصلاة. وصاحب الطعام؛ فإن الطعام إذا ترك برد، وإذا أعيد عليه التسخين فسد.

الهيثم بن عدي قال: قال خالد بن عبد الله القسري لحاجبه: لا تحجبن عني أحدا إذا أخذت مجلسي؛ فإن الوالي لا يحتجب إلا عن ثلاث: إما رجل عيي يكره أن يطلع على عيه، وإما رجل مشتمل على سوءة، أو رجل بخيل يكره أن يدخل عليه إنسان يسأله شيئا.

أنشدني محمود الوراق لنفسه في هذا المعنى:

إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه

ورد ذوي الحاجات دون حجابه

وأنشدني بعض المحدثين في ابن المدبر:

لولا مقارفة الريب

ما كنت ممن يحتجب

أولا فعي منك أو

بخل على أهل الطلب

فاكشف لنا وجه الحجا

ب ولا تبال من عتب

[4- شروط الحاجب]

Page 570

قال المنصور للمهدي: لا ينبغي أن يكون الحاجب جهولا، ولا غبيا، ولا عييا، ولا ذهولا ولا متشاغلا، ولا خاملا ولا محتقرا، ولا جهما ولا عبوسا. فإنه إن كان جهولا أدخل على صاحبه الضرر من حيث يقدر المنفعة، وإن كان عييا لم يؤد إلى صاحبه ولم يؤد عنه، وإن كان غبيا جهل مكان الشريف فأحله غير منزلته، وحطه عن مرتبته، وقدم الوضيع عليه، وجهل ما عليه وماله. وإن كان ذهولا متشاغلا أخل بما يحتاج إليه صاحبه في وقته، وأضاع حقوق الغاشين لبابه، واستدعى الذم من الناس له، وأذن عليه لمن لا يحتاج إلى لقائه ولا ينتفع بمكانه. وإذا كان خاملا محتقرا أحل الناس صاحبه في محله وقضوا عليه به. وإذا كان جهما عبوسا تلقى كل طبقة من الناس بالمكروه، فترك أهل النصائح نصائحهم. وأخل بذوي الحاجات في حوائجهم، وقلت الغاشية لباب صاحبه، فرارا من لقائه.

الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي، أن عبد الملك بن مروان قال لأخيه عبد العزيز بن مروان، حين ولاه مصر:

إن الناس قد أكثروا عليك، ولعلك لا تحفظ، فاحفظ عني ثلاثا.

قال: قل يا أمير المؤمنين.

قال: انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعله إلا عاقلا فهما مفهما، صدوقا لا يورد عليك كذبا، يحسن الأداء إليك والأداء عنك. ومره ألا يقف ببابك أحد من الأحرار إلا أخبرك، حتى تكون أنت الآذان له أو المانع؛ فإنه إن لم يفعل كان هو الأمير وأنت الحاجب. وإذا خرجت إلى أصحابك فسلم عليهم يأنسوا بك. وإذا هممت بعقوبة فتأن فيها؛ فإنك على استدراكها قبل فوتها أقدر منك على انتزاعها بعد فوتها.

وقال سهل بن هارون للفضل بن سهل:

إن الحاجب أحد وجهي الملك، يعتبر عليه برأفته، ويلحقه ما كان في غلظته وفظاظته. فاتخذ حاجبك سهل الطبيعة، معروفا بالرأفة، مألوفا منه البر والرحمة. وليكن جميل الهيئة حسن البسطة، ذا قصد في نيته وصالح أفعاله. ومره فليضع الناس على مراتبهم، وليأذن لهم في تفاضل منازلهم، وليعط كلا بقسطه من وجهه، ويستعطف قلوب الجميع إليه، حتى لا يغشى الباب أحد وهو يخاف أن يقصر به عن مرتبته، ولا أن يمنع في مدخل أو مجلس أو موضع إذن شيئا يستحقه، ولا أن يمنع أحدا مرتبته. وليضع كلا عندك على منزلته. وتعهده فإن قصر مقصر قام بحسن خلافته وتزيين أمره.

وقال كسرى أنوشروان في كتابه المسمى «شاهيني» :

Page 571

ينبغى أن يكون صاحب إذن الخاصة رجلا شريف البيت، بعيد الهمة، بارغ الكرم، متواضعا طلقا، معتدل الجسم بهي المنظر، لين الجانب، ليس ببذخ ولا بطر ولا مرح، لين الكلام، طالبا للذكر الحسن، مشتاقا إلى محادثة العلماء ومجالسة الصلحاء، محبا لكل ما زين عمله، معاندا للسعاة، مجانبا للكذابين، صدوقا إذا حدث، وفيا إذا وعد، متفهما إذا خوطب، مجيبا بالصواب إذا روجع، منصفا إذا عامل، آنسا مؤنسا، محبا للأخيار، شديد الحنو على المملكة، أديبا له لطافة في الخدمة، وذكاء في الفهم، وبسطة في المنطق، ورفق في المحاورة، وعلم بأقدار الرجال وأخطارها.

وقال في حاجب العامة:

ينبغي أن يكون حاجب العامة رجلا عبد الطاعة، دائم الحراسة للملك، مخوف اليد، خشن الكلام مروعا، غير باطش إلا بالحق، ولا أنيسا ولا مأنوسا، دائم العبوس، شديدا على المريب، غير مستخف بخاصة الملك ومن يهوى ويقر، من بطانته.

قال عبد الملك لأخيه عبد العزيز، حين وجهه إلى مصر:

اعرف حاجبك، وجليسك، وكاتبك. فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك.

وقال يزيد بن المهلب لابنه مخلد حين ولاه جرجان: استطرف كاتبك، واستعقل حاجبك.

وقال الحجاج: حاجب الرجل وجهه، وكاتبه كله.

وقال ابن أبي زرعة: [قال] رجل من أهل الشام، لأبي الخطاب لحسن بن محمد الطائي يعاتبه [في حجابه] :

هذا أبو الخطاب بدر طالع

من دون مطلعه حجاب مظلم

ويقال وجه المرء حاجبه كما

بلسان كاتبه الفتى يتكلم

أدنيت من قبل اللقاء، وبعده

أقصيت، هل يرضى بذا من يفهم

Page 572

وإذا رأيت من الكريم فظاظة

فإليه من أخلاقه أتظلم

وقال الفضل بن يحيى: إن حاجب الرجل عامله على عرضه، وإنه لا عوض لحر من نفسه، ولا قيمة عنده لحريته وقدره.

وأنشدني ابن أبي كامل في هذا المعنى:

واعلمن إن كنت تجهله

أن عرض المرء حاجبه

فبه تبدو محاسنه

وبه تبدو معايبه

[5- أخبار وأشعار عتاب وهجاء ومديح في الحجاب]

إسحاق الموصلي عن ابن كناسة قال:

خبرت أن هانىء بن قبيصة وفد على يزيد بن معاوية، فاحتجب عنه أياما، ثم إن يزيد ركب يوما يتصيد فتلقاه هانيء فقال: يا يزيد، إن الخليفة ليس بالمحتجب المتخلي، ولا المتطرف المتنحي، ولا الذي ينزل على الغدران والفلوات، ويخلو للذات والشهوات. وقد وليت أمرنا فأقم بين أظهرنا، وسهل إذننا، واعمل بكتاب الله فينا. فإن كنت قد عجزت عما هنا فاردد علينا بيعتنا نبايع من يعمل بذلك فينا، ويقيمه لنا. ثم عليك بخلواتك وصيدك وكلابك.

قال: فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسن بالشام سنة العراق لأقمت أودك.

ثم انصرف وما هاجه بشيء، وأذن له، ولم تتغير منزلته عنده، وترك كثيرا مما كان عليه.

الموصلي قال: كان سعيد بن سلم واليا على أرمينية، فورد عليه أبو دهمان الغلابي، فلم يصل إليه إلا بعد حين، فلما وصل قال- وقد مثل بين السماطين-:

Page 573