[الفتاوى الفقهية] [مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ جَامِعِ الشَّتَاتِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ.
وَبَعْدُ: فَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي جَمْعِ نُبَذٍ مِنْ مُهِمَّاتِ الْفَتَاوِي الَّتِي أَفْتَيْتُ بِهَا عَلَى كَثْرَتِهَا جِدًّا، مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُهِمِّ وَالْعَوِيصِ، وَمَا فِي تَدْوِينِهِ نَفْعٌ وَإِجْدَا، وَتَرَكْتُ غَالِبَ الْوَاضِحَاتِ، وَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَذْهَانِ الْقَادِحَاتِ، وَبَدَأْتُ بِالْفِقْهِيَّاتِ مُرَتَّبَةً عَلَى الْأَبْوَابِ، ثُمَّ بِالتَّفْسِيرِ، ثُمَّ بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ بِالْأُصُولِ، ثُمَّ بِالنَّحْوِ وَالْإِعْرَابِ، ثُمَّ بِسَائِرِ الْفُنُونِ إِفَادَةً لِلطُّلَّابِ، وَسَمَّيْتُ هَذَا الْمَجْمُوعَ: (الْحَاوِي لِلْفَتَاوِي) .

1 / 3

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: الْمَاءُ الْمُطْلَقُ: إِنَّهُ الَّذِي يَقُولُ رَائِيهِ: هَذَا مَاءٌ، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ الْأَصْحَابُ هَلْ يُنَافِي قَوْلَ كَثِيرٍ مِنْ شَارِحِي الْمِنْهَاجِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلَا تَغَيُّرَ فَطَهُورٌ إِنَّهُ نَكَّرَ الْمَاءَ لِيَشْمَلَ الطَّهُورَ وَالطَّاهِرَ وَالْمُتَنَجِّسَ حَيْثُ جَعَلَ التَّنْكِيرَ وَالْعُرْيَ عَنِ الْقَيْدِ وَصْفًا لِلْمَاءِ فِي الْأَوَّلِ بِالْإِطْلَاقِ دُونَ الثَّانِي إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ؟.
الْجَوَابُ: إِنَّ الْمَذْكُورَ فِي حَدِّ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ: " إِنَّهُ الَّذِي يَقُولُ رَائِيهِ: هَذَا مَاءٌ " رَاجِعٌ إِلَى الْعُرْفِ، وَالْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَإِنَّ الْمَاءَ فِي اللُّغَةِ يَصْدُقُ بِالطَّهُورِ وَبِالطَّاهِرِ وَبِالنَّجِسِ، وَلِهَذَا قَالُوا فِي قَوْلِ التَّنْبِيهِ بَابُ الْمِيَاهِ إِنَّهُ جَمَعَ الْمَاءَ، وَإِنْ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ، وَاسْمُ الْجِنْسِ لَا يُجْمَعُ إِلَّا عِنْدَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ; لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْمَاءِ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَتَنَوَّعُ إِلَى طَهُورٍ، وَطَاهِرٍ، وَنَجِسٍ، وَحَرَامٍ، وَمَكْرُوهٍ. فَعُلِمَ بِذَلِكَ صِدْقُهُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لُغَةً، وَأَمَّا الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ فَإِنَّمَا أُخِذَ مِنَ الْعُرْفِ لِاعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ، وَالْعُرْفُ لَا يُطْلِقُ الْمَاءَ عَلَى مَا عَدَا الْمُطْلَقَ إِلَّا مُقَيَّدًا، لَا مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ: مَاءٌ نَجِسٌ، أَوْ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ، أَوْ مَاءُ زَعْفَرَانٍ، وَيُؤَكِّدُ كَوْنَهُمْ نَظَرُوا فِي ضَابِطِ الْمُطْلَقِ إِلَى الْعُرْفِ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي سَلْبِهِ عَنِ الْمُتَغَيِّرِ بِالْمُخَالَطِ فِي الْكَثِيرِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ =مَاءً لَمْ يَحْنَثْ بِشُرْبِهِ ; لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنَاهَا الْعُرْفُ، وَالْعُرْفُ لَا يُسَمِّي هَذَا مَاءًا، وَقَوْلُهُمْ فِي قَاعِدَةِ مَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا اللُّغَةِ: إِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَعُلِمَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ ضَابِطٌ جَرَى عَلَى الْمُصْطَلَحِ الْعُرْفِيِّ، وَالثَّانِيَ تَعْبِيرٌ جَرَى عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَالْمُنَكَّرُ بِوَضْعِهِ شَامِلٌ لِلْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْقَطِرَانِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْقِرَبِ إِذَا تَغَيَّرَ بِهِ طَعْمُ الْمَاءِ، أَوْ لَوْنُهُ، أَوْ رِيحُهُ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا لَهُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ حَتَّى يَسْلُبَ الطَّهُورِيَّةَ؟ وَهَلْ هُوَ مُجَاوِرٌ، أَوْ مُخَالِطٌ، وَالزِّفْتُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْجِرَارِ إِذَا غَيَّرَ الْمَاءَ هَلْ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: قَالَ النووي ﵀ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي

1 / 5

الْأُمِّ: إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ قَطِرَانٍ فَتَغَيَّرَ رِيحُهُ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ: إِذَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ لَمْ يَجُزِ الْوُضُوءُ بِهِ. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، بَلْ عَلَى حَالَيْنِ فَإِنَّ الْقَطِرَانَ ضَرْبَانِ: مُخْتَلِطٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هُمَا قَوْلَانِ، وَهُوَ غَلَطٌ. هَذَا كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قُلْتُ: بَقِيَ صُورَتَانِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِمَا إِحْدَاهُمَا: مَا إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ إِنَّمَا =فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي تَغَيُّرِ الرِّيحِ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ التَّغَيُّرَ بِاللَّوْنِ دَلِيلُ الْمُجَاوَرَةِ، وَالثَّانِيَةُ: مَا إِذَا كَانَ مِنْ صَلَاحِ الْوِعَاءِ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَنَّ الْقِرَبَ إِذَا لَمْ تُدْهَنْ بِهِ أَسْرَعَ إِلَيْهَا الْفَسَادُ، فَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا حِينَئِذٍ مِنَ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ كَالَّذِي فِي مَقَرِّ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ.
[بَابُ الْآنِيَةِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالُوا: لَوِ اشْتَرَى آنِيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ جَازَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
الْجَوَابُ: لَا إِشْكَالَ ; لِأَنَّ مُرَادَهُمْ صِحَّةُ الشِّرَاءِ لَا إِبَاحَتُهُ، وَقَدْ يَصِحُّ الشَّيْءُ مَعَ تَحْرِيمِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى أَنَّ النووي قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى جَوَازِ الِاتِّخَاذِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ كَانَ كَبَيْعِ الْمُغَنِّيَةِ.
[بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ الْآنَ فِي شَرْحِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِتَارِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ: وَيَكْفِي السَّتْرُ بِالْوَهْدَةِ وَنَحْوِهَا وَبِإِرْخَاءِ الذَّيْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ عَدِّ السَّتْرِ مِنَ الْآدَابِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ مَنْ يَرَى عَوْرَتَهُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهَا، أَمَّا بِحَضْرَتِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ، وَكَشْفُ عَوْرَتِهِ بِحَضْرَتِهِ حَرَامٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبَا التَّوَسُّطِ، وَالْخَادِمُ، والبلقيني فِي فَتَاوِيهِ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ شهاب الدين ابن النقيب فِي نُكَتِهِ فِي قَوْلِهِ: وَيُبْعِدُ وَيَسْتَتِرُ أَيْ: وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَلَوْ بِشَجَرَةٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ جمال الدين الأسنوي فِي الْقِطْعَةِ فِي قَوْلِهِ: وَيَسْتَتِرُ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ عُيُونِ النَّاظِرِينَ، وَقَدْ قَالَ أَعْنِي الأسنوي فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: يُقَدِّمُ دَاخِلُ الْخَلَاءِ يَسَارَهُ وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ.
تَنْبِيهٌ: جَمِيعُ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْآدَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إِلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ فِي الصَّحْرَاءِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَسَنَذْكُرُ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَاعْلَمْهُ، ثُمَّ قَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى قَوْلِهِ: وَيُحَرَّمَانِ بِالصَّحْرَاءِ.

1 / 6

تَنْبِيهَاتٌ: أَحَدُهَا أَنَّ عُدُولَ الْمُصَنِّفِ هُنَا إِلَى التَّحْرِيمِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْآدَابِ يُعَرِّفُكَ عَدَمَ تَحْرِيمِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَبَقَ انْتَهَى، وَقَدْ قَالُوا فِي الْغُسْلِ: إِنَّهُ يَحْرُمُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَالْمَسْؤُولُ بَيَانُ مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ عَدَمُ جَوَازِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ لَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْغُسْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ؟ أَوْ جَوَازُ الْكَشْفِ لِذَلِكَ وَعَلَى النَّاسِ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ، وَبَيَانُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا مُخَالِفٌ لِبَعْضٍ، وَإِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ بَعْضَهَا يُخَالِفُ الْبَاقِيَ فَمَا الْفَرْقُ؟ وَهَلْ يُقَالُ: إِنَّ الْغُسْلَ مَحَلُّ حَاجَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعَ السَّتْرِ بِالْإِزَارِ، وَالْبَوْلُ وَالِاسْتِنْجَاءُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ فِي الْجُمْلَةِ فَيُسَامَحُ فِيهِمَا بِمَا لَا يُسَامَحُ فِي الْغُسْلِ؟ وَالْمَسْؤُولُ بَيَانُ مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مُتَفَضِّلِينَ بِعَزْوِ مَا يَكُونُ مَنْقُولًا وَبِتَوْجِيهِ غَيْرِهِ لِتَكْمُلَ الْفَائِدَةُ.
الْجَوَابُ: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْغُسْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، فَالَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ صَحِيحٌ، وَأَمَّا اسْتِشْكَالُهُ بِقَوْلِ الأسنوي: إِنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْبَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَعَدَّ مِنْ ذَلِكَ السَّتْرَ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ فَقَدْ تَبِعَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى الْأَصْحَابِ: الجيلي، ثُمَّ النووي كِلَاهُمَا فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ فَقَالَا: إِنَّ عَدَّ ذَلِكَ أَدَبًا فِيهِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ حَسَنَةٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ عَنِ الْعُيُونِ فَيُمْكِنُ حَمْلُ الْعُيُونِ عَلَى عُيُونِ الْجِنِّ فَيَصِحُّ عَدٌّ ذَلِكَ أَدَبًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَقَدْ ظَهَرَ لِي تَأْوِيلٌ حَسَنٌ لِعِبَارَةِ مَنْ قَالَ: عَنْ عُيُونِ النَّاسِ. ذَكَرْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الرَّوْضَةِ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْحَاضِرِينَ، بَلْ مَنْ قَدْ يَمُرُّ مِنَ الطَّارِقِينَ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَخُوطِبَ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ وَهُوَ خَالٍ مِنَ الْمَارِّينَ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلِاسْتِتَارِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إِذَا جَلَسَ بِلَا سُتْرَةٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ فَجْأَةً مَارٌّ فَيَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى عَوْرَتِهِ، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ بِحَضْرَةِ أَحَدٍ وَقَدْ يَفْرَغُ مِنْ حَاجَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ، أَوْ يَشْعُرَ بِمَنْ مَرَّ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ فَيَنْحَرِفَ، أَوْ يُرْخِيَ ذَيْلَهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَسَنٌ، أَوْ مُتَعَيِّنٌ، فَيُفَسِّرُ قَوْلَهُمْ: عَنْ عُيُونِ النَّاسِ. أَيِ: الطَّارِقِينَ بَغْتَةً، لَا الْحَاضِرِينَ، أَمَّا الْحَاضِرُونَ فَالسَّتْرُ عَنْهُمْ وَاجِبٌ.
وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ النَّظَرَ مِنَ الْحَاضِرِينَ حَاصِلٌ فِي الْحَالِ فَكَانَ السَّتْرُ وَاجِبًا، وَمِنَ الطَّارِقِينَ مُتَوَقَّعٌ أَوْ مُتَوَهَّمٌ فَكَانَ أَدَبًا إِذْ لَا تَكْلِيفَ قَبْلَ الْحُصُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ صُورَةٍ وَصُورَةٍ، فَمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ الْبَصَرُ عَوْرَتَهُ حَرُمَ الْكَشْفُ لِلْبَوْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِحَضْرَتِهِمْ

1 / 7

عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ بَعِيدًا وَهُمْ يَرَوْنَهُ عَلَى بُعْدٍ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِعَوْرَتِهِ وَلَا إِدْرَاكٍ لِلَوْنِ جِلْدِهِ، بَلْ إِنَّمَا يَرَوْنَ شَبَحًا كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا لِمَنْ يَسْتَنْجِي عَلَى شُطُوطِ الْأَنْهَارِ، فَهَذَا يَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ أَيْضًا فِي صُورَةٍ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَهُ الْبَوْلُ وَهُوَ فِي مَكَانٍ مَحْبُوسٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَلَا سَبِيلَ إِلَى جِهَةٍ يَسْتَتِرُ بِهَا، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّكَشُّفُ لِلْبَوْلِ وَعَلَيْهِمْ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ، وَكَذَا لَوِ احْتَاجَ إِلَى الِاسْتِنْجَاءِ وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَجِدْ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ مَكَانًا خَالِيًا، فَهَذَا أَيْضًا يَجُوزُ لَهُ وَعَلَيْهِمُ الْغَضُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ شَمَّ الشَّخْصُ يَدَهُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَأَدْرَكَ فِيهَا رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ فَقَدْ صَرَّحَ النووي بِنَجَاسَةِ الْيَدِ دُونَ الْمَحَلِّ وَهُوَ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ الْيَدَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الْمَحَلِّ =وَمُكْتَسَبَةٌ مِنْهُ.
الْجَوَابُ: ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مَا لَوْ غُسِلَتِ النَّجَاسَةُ وَبَقِيَتْ رَائِحَتُهَا يَعْنِي مَعَ الْعُسْرِ وَالْأَرْجَحُ فِيهَا الطَّهَارَةُ فَكَذَلِكَ هُنَا الْأَرْجَحُ طَهَارَةُ الْمَحَلِّ، وَأَمَّا الْيَدُ فَلَمْ تُغْسَلْ بَعْدُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى النَّجَاسَةِ يَجِبُ غَسْلُهَا.
[بَابُ الْوُضُوءِ]
مَسْأَلَةٌ: لَوْ بَالَغَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَهُوَ صَائِمٌ هَلْ يَحْرُمُ، أَوْ يُكْرَهُ؟ .
الْجَوَابُ: الْمُبَالَغَةُ لِلصَّائِمِ مَكْرُوهَةٌ، صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ نَوَى الِاغْتِرَافَ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِكَوْنِ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ قَاطِعَةً لِرَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا لَوْ طَرَأَتْ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ؟ .
الْجَوَابُ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ جلال الدين البلقيني وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ نِيَّةَ التَّبَرُّدِ فِيهَا صَرْفٌ لِغَرَضٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا يَنْوِي الِاغْتِرَافَ لِمَنْعِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ، فَهَذَا وَلَا بُدَّ يَكُونُ ذَاكِرًا لِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ.
[بَابُ مَسْحِ الْخُفِّ]
مَسْأَلَةٌ: لَوْ كَانَ سَلِيمَ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَالْأُخْرَى عَلِيلَةٌ بِحَيْثُ يَسْقُطُ غَسْلُهَا فَهَلْ يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفِّ فِي إِحْدَاهُمَا؟ وَقَدْ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالصِّحَّةِ وَقَطَعَ العمراني بِالْمَنْعِ
الْجَوَابُ: قَدْ صُحِّحَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ مَقَالَةُ العمراني.

1 / 8

[بَابُ الْغُسْلِ]
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اغْتَسَلَ عَنِ الْجَنَابَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْوُضُوءِ الَّذِي يَتَوَضَّأَهُ قَبْلَهُ الْمُوَالَاةُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا تَوَضَّأَ هَذَا الْوُضُوءَ، ثُمَّ انْتَهَى بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ قَبْلَ الْغُسْلِ مَعَ قُرْبِ الزَّمَنِ هَلْ يُشْتَرَطُ إِعَادَتُهُ لِتَحْصِيلِ السُّنَّةِ أَمْ لَا؟، وَهَلْ سُنَّةُ الْوُضُوءِ كَذَلِكَ إِذَا انْتَهَتْ قَبْلَ تَمَامِهِ؟ .
الْجَوَابُ: لَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ وَلَا الْإِعَادَةُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَلْقَتِ الْمَرْأَةُ بَعْضَ وَلَدٍ، وَلَمْ تَرَ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِنَا أَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ مَنِيِّهِمَا.
الْجَوَابُ: لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِبَعْضِ الْوَلَدِ فِي كَلَامِهِمْ وَقَدْ قَالُوا فِيمَا لَوْ أَلْقَتْ عَلَقَةً، أَوْ مُضْغَةً بِلَا بَلَلٍ: إِنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْضَ الْوَلَدِ كَذَلِكَ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ.
مَسْأَلَةٌ: الْبَلَلُ الْخَارِجُ عَلَى الْوَلَدِ هَلْ هُوَ طَاهِرٌ، أَوْ نَجِسٌ وَهَلْ يُنَجِّسُ مَا أَصَابَهُ؟ .
الْجَوَابُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي مَا نَصُّهُ:
فَصْلٌ: فَأَمَّا حَمْلُ الْمَيِّتَةِ فَإِنِ انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَيًّا، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَلَكِنْ قَدْ نَجُسَ ظَاهِرُ جِسْمِهِ بِالْبَلَلِ الْخَارِجِ مَعَهُ، وَلَوْ كَانَ قَدِ انْفَصَلَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا كَانَ فِي الْبَلَلِ الْخَارِجِ مَعَهُ وَمَعَ الْبَيْضَةِ مِنَ الطَّائِرِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا.
أَحَدُهُمَا: نَجِسٌ كَالْبَوْلِ وَالثَّانِي: طَاهِرٌ كَالْمَنِيِّ وَهَكَذَا الْبَلَلُ الْخَارِجُ مِنَ الْفَرْجِ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: يَجِبُ غَسْلُ الْبَيْضَةِ إِنْ وَقَعَتْ حَالَةَ الِانْفِصَالِ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ لَا يَجِبُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: بَلَلُ بَاطِنِ الْفَرْجِ طَاهِرٌ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: بَلَلُ بَاطِنِ الْفَرْجِ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَفِي نَجَاسَةِ بَيْضِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَجْهَانِ كَمَنِيِّهِ فَإِذَا قُلْنَا إِنَّهُ طَاهِرٌ فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ؟
فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَفِي فَتَاوَى ابن الصلاح سُئِلَ هَلْ يَكُونُ الْمَوْلُودُ إِذَا وُضِعَ عَلَى الْأَرْضِ نَجِسًا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْمَوْلُودِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ الظَّاهِرِ مِنْ أَحْوَالِ السَّلَفِ ﵃، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْآنِيَةِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْبَيْضَةُ الْخَارِجَةُ فِي حَيَاةِ الدَّجَاجَةِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ظَاهِرِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ والروياني وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِنَاءً

1 / 9

عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي الْوَلَدِ الْخَارِجِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ والروياني.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْضًا فِي بَابِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ الْبَيْضِ إِذَا وَقَعَ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ طَاهِرَةٌ أَمْ نَجِسَةٌ وَقَطَعَ ابن الصباغ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَقَالَ: الْوَلَدُ إِذَا خَرَجَ طَاهِرًا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَا الْبَيْضُ، وَقَالَ بَعْدَهُ بِأَوْرَاقٍ مَا نَصُّهُ: الرَّابِعَةُ فِي الْفَتَاوِي الْمَنْقُولَةِ عَنْ صَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّ الْوَلَدَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْجَوْفِ طَاهِرًا لَا يُحْتَاجُ إِلَى غَسْلِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبِيضُ كَذَلِكَ فَلَا يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ، قَالَ: وَالنَّجَاسَةُ الْبَاطِنَةُ لَا حُكْمَ لَهَا، وَلِهَذَا اللَّبَنُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ وَهُوَ طَاهِرٌ حَلَالٌ.
وَقَالَ الأسنوي فِي الْمُهِمَّاتِ: رَأَيْتُ فِي الْكَافِي للخوارزمي أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ بِوُقُوعِ الْمَوْلُودِ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مُفَرَّعًا عَلَى الْخِلَافِ وَأَنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ لِكَوْنِهِ نَجِسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ انْتَهَى.
لَكِنْ جَزَمَ الرافعي فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ بِنَجَاسَةِ الْبَلَلِ الْخَارِجِ مَعَ الْوَلَدِ وَنَقَلَهُ الزركشي فِي الْخَادِمِ، وَحَكَاهُ عَنْ تَصْحِيحِ الروياني فِي الْبَحْرِ فَإِنْ قَصَدَ الرافعي وَلَدَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ ; لِأَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَهُ نَجَاسَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَنَجَاسَةُ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَإِنْ أَرَادَ الْآدَمِيَّ وَغَيْرَهُ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْبِنَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ لَا بِقَصْدِ الْقُرْآنِ؟ .
الْجَوَابُ: يَجُوزُ لِلْجُنُبِ إِيرَادُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْقُرْآنَ، بَلْ قَصَدَ الذِّكْرَ، أَوِ الْوَعْظَ، أَوِ الْإِخْبَارَ مِثْلَ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَمَّا قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ لَا بِقَصْدِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ إِيرَادُهُ بِلَا قَصْدِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ الْخُلُوُّ عَنْ قَصْدِ الْقُرْآنِ فِي آيَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، أَمَّا مِثْلُ سُورَةٍ كَامِلَةٍ ; فَإِنَّهَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَا يُقْصَدُ مِنْهَا كُلِّهَا شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ، وَاللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلتِّلَاوَةِ.
[بَابُ النَّجَاسَةِ]
[مسائل متفرقة]
بَابُ النَّجَاسَةِ
مَسْأَلَةٌ: الْأَرْضُ التُّرَابِيَّةُ إِذَا تَنَجَّسَتْ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً، ثُمَّ وَطِئَهَا شَخْصٌ وَعَلِقَ بِهِ

1 / 10

التُّرَابُ، أَوِ الْوَحْلُ الْمُتَنَجِّسُ فَهَلْ يُحْتَاجُ فِي تَطْهِيرِهِ إِلَى تَعْفِيرٍ أَمْ لَا؟، وَإِذَا قُلْتُمْ إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْفِيرٍ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ عُفِّرَ فِي الْأُولَى بِجَامِعِ أَنَّ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجِبُ تَعْفِيرُهُ إِذْ هُوَ مِنْ شَيْءٍ لَا يُطْلَبُ تَعْفِيرُهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ لَا يُطْلَبُ تَعْفِيرُهُ.
الْجَوَابُ: يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْفِيرِ وَذَلِكَ مَنْقُولٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ حَيْثُ لَا تَحْتَاجُ هِيَ أَنْ لَا تُعَفَّرَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَتْرِيبِ التُّرَابِ وَهُنَا الْمُتَنَجِّسُ غَيْرُ التُّرَابِ وَهُوَ الْبَدَنُ، أَوِ الثَّوْبُ بِالتُّرَابِ الْمُتَنَجِّسِ، وَالتُّرَابُ الْمُتَنَجِّسُ لَا يَكْفِي فِي الْوُلُوغِ وَفِي وَجْهٍ يَكْفِي فَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى هَذَا.
قَالَ ابن السبكي فِي الطَّبَقَاتِ: كَانَ أبو بكر الضبعي يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ تُرَابَ الْوُلُوغِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا، وَهُوَ وَجْهٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ الرافعي، قَالَ أبو عاصم وَذَكَرَ أَنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَأَصَابَ ذِرَاعَهُ طِينٌ مِنْ وَحْلِ كَلْبٍ فَأَمَرَ جَارِيَتَهُ بِغَسْلِهِ وَتَعْفِيرِهِ فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَمَا فِي الطِّينِ تُرَابٌ. فَقَالَ: أَحْسَنْتِ، أَنْتِ أَفْقَهُ مِنِّي.
انْتَهَى مَا حَكَاهُ ابن السبكي، وَهَذِهِ عَيْنُ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا، وَقَدْ صَرَّحَ ابن السبكي بِأَنَّ ارْتِضَاءَهُ بِعَدَمِ التَّعْفِيرِ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيِهِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالتُّرَابِ النَّجِسِ، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ فَيَكُونُ عَلَى مُقَابِلِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مُحْتَاجًا إِلَى التَّعْفِيرِ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا عِلَّتَهُ، وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُصِيبُ مِنَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ التَّعْفِيرِ، فَهُوَ أَنَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَقَعَ تَعْفِيرُهُ لَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ يُطْلَبْ تَعْفِيرُهُ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ حُكْمَ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ كَحُكْمِ الْمَغْسُولِ بِهَا بَعْدَ غَسْلِهَا فَمَا كَانَ حُكْمَهُ كَانَ حُكْمَ مَا أَصَابَتْهُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَكَلَ الشَّخْصُ لَحْمَ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرِ وَارِثِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ هَلْ يُسَبِّعُ الْمَحَلَّ؟ .
الْجَوَابُ: لَا يُسَبِّعُ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَنَقَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَقَعَ، أَوْ أُلْقِيَ فِي الْخَمْرِ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ كَحَصَاةٍ، أَوْ جَرِيدَةٍ، أَوْ شَيْءٍ مِمَّا يُؤْكَلُ وَأُزِيلَ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ خَلًّا هَلْ تُطَهَّرُ أَوَّلًا؟ وَإِذَا بَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ حَتَّى صَارَتْ خَلًّا هَلْ تُنَجِّسُهَا أَوَّلًا؟ وَإِذَا انْفَصَلَ شَيْءٌ مِنَ الْخَمْرِ، أَوْ فُصِلَ وَعَادَ إِلَيْهِ، أَوْ أُعِيدَ، أَوْ صُبَّ عَلَيْهَا خَمْرٌ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ خَلًّا هَلْ تُطَهَّرُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: عَنِ الصُّورَةِ الْأُولَى أَنَّهَا تُطَهَّرُ فَفِي فَتَاوَى النووي: إِذَا وَقَعَتْ فِي الْخَمْرِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى كَعَظْمِ مَيْتَةٍ وَنَحْوِهِ فَأُخْرِجَتْ مِنْهَا، ثُمَّ انْقَلَبَتِ الْخَمْرُ خَلًّا لَمْ تُطَهَّرْ بِلَا خِلَافٍ

1 / 11

ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَعِبَارَةُ الزركشي فِي الدِّيبَاجِ: الْخَمْرُ إِذَا تَخَلَّلَتْ تُطَهَّرُ إِجْمَاعًا، قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: هَذَا إِنْ لَمْ يَقَعْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى فَإِنْ وَقَعَتْ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ وَتَخَلَّلَتْ لَمْ تُطَهَّرْ قَطْعًا، فَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَاقِعُ نَجَاسَةً وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ التَّخْلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَاقَاهَا عَيْنٌ طَاهِرَةٌ وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ التَّخْلِيلِ ; فَإِنَّهَا تُطَهَّرُ إِذَا تَخَلَّلَتْ فَإِنَّ الْمُدْرِكَ هُنَا طَرْفٌ نَجِسٌ أَجْنَبِيٌّ، وَمِنْهُ أَخْذُ مَنْ أَخَذَ أَنَّ النَّجِسَ نَجِسٌ، وَهُوَ هُنَا مَفْقُودٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا عَسَاهُ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْعَيْنَ تَنْجُسُ، ثُمَّ =تُنَجِّسُ فَإِنَّ ذَاكَ إِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ بَعْدَ الِانْقِلَابِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ أَنَّ طُرُوءَ النَّجِسِ الْأَجْنَبِيِّ يَمْنَعُ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مَرُّ الْحَجَرِ الطَّاهِرِ مِنْ أَوَّلِ الْمَحَلِّ إِلَى آخِرِهِ وَإِنْ تَلَوَّثَ بِأَوَّلِ جُزْءٍ إِذَا لَمْ يَنْفَصِلْ، وَكَذَا مَرُّ الْمَاءِ عَلَى الثَّوْبِ النَّجِسِ الْمُرَادِ تَطْهِيرُهُ وَعَلَى مَحَلِّ الْحَدَثِ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرْنَاهُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ النَّجِسَةِ وَالطَّاهِرَةِ فِي الْمُلَاقَاةِ قَبْلَ التَّخْلِيلِ لِمَا فِي الْأُولَى مِنْ طُرُوءِ نَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُ النووي: نَجَاسَةٌ أُخْرَى، وَالتَّفْرِقَةُ فِي الطَّاهِرَةِ بَيْنَ مَا إِذَا زَالَتْ قَبْلَ التَّخْلِيلِ، وَمَا إِذَا بَقِيَتْ بَعْدَهُ ; فَإِنَّهَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى =مُشَاكِلَةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ مُغَايِرَةٌ، فَإِنَّهَا فِي الْأُولَى مُتَلَوِّثَةٌ بِخَمْرٍ فِي خَمْرٍ فَلَا تُؤَثِّرُ، وَفِي الثَّانِيَةِ مُتَلَوِّثَةٌ بِخَمْرٍ فِي خَلٍّ فَتَنْجُسُ، وَعَنِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا لَا تُطَهَّرُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهِيَ مَنْقُولُ الْكُتُبِ، وَعَنِ الثَّالِثَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تُطَهَّرُ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وَضْعِ الْخَمْرِ فِي الدَّنِّ بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَصَبُّ خَمْرٍ عَلَى خَمْرٍ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ وُضِعَ فِي الدَّنِّ أَوَّلًا كُوزٌ مِنْهُ، ثُمَّ كُوزٌ، ثُمَّ كُوزٌ وَهَكَذَا، فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهِ خَمْرٌ مِنْ =خَارِجٍ، أَوْ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُعَادُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تُحْفَةُ الْأَنْجَابِ بِمَسْأَلَةِ السِّنْجَابِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَرَدَ عَلَيَّ سُؤَالٌ صُورَتُهُ: مَا قَوْلُ مَوْلَانَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ حَافِظِ الْعَصْرِ مُجْتَهِدِ الْوَقْتِ عَالِمِ أَهْلِ الْأَرْضِ الْمَبْعُوثِ فِي الْمِائَةِ التَّاسِعَةِ فِي شَعَرِ السِّنْجَابِ وَنَحْوِهِ مِنْ شُعُورِ الْمَيْتَةِ هَلْ يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ، أَوْ لَا؟ وَلَسْنَا نَسْأَلُكُمْ عَنْ مَشْهُورِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁، فَإِنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ قَوْلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَدَمُ الطَّهَارَةِ، بَلْ نَسْأَلُكُمْ عَمَّا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وَالنَّظَرُ مِنْ حَيْثُ الِاجْتِهَادُ، وَالْمَسْؤُولُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاجْتِهَادِ وَأَصْحَابِ الِاخْتِيَارَاتِ.

1 / 12

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيرِ مُقَدِّمَتَيْنِ: الْأُولَى فِي أَنَّ الشَّعَرَ هَلْ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، أَوْ لَا يَنْجُسُ بِهِ، بَلْ يَبْقَى عَلَى طَهَارَتِهِ؟ وَالثَّانِيَةُ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ وَعَدِمَهَا وَحُجَجِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَجَاسَةِ الشَّعَرِ بِالْمَوْتِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى نَجَاسَتِهِ مِنْهُمْ عطاء، وَالشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ: الْبُوَيْطِيُّ، والمزني، والربيع المرادي، وَحَرْمَلَةُ، وَأَصْحَابُ الْقَدِيمِ، وَصَحَّحَهُ جُمْهُورُ الْمُصَحِّحِينَ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ الشَّعَرَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: حَكَى ابن شريح، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ، عَنِ المزني، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَنَجُّسِ الشَّعَرِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، والمزني، وابن المنذر، وداود، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْجُسُ شَيْءٌ مِنَ الشَّعَرِ بِالْمَوْتِ إِلَّا شَعْرَ الْخِنْزِيرِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْمَيْتَةِ: " «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَبِأَنَّ الشَّعَرَ لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إِذَا جُزَّ لَا يَأْلَمُ صَاحِبُهُ، فَلَا يُحِلُّهُ الْمَوْتُ الْمُقْتَضِي لِلتَّنْجِيسِ، فَلَا يَكُونُ نَجِسًا، بَلْ يَبْقَى عَلَى طَهَارَتِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَبِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِتَنْجِيسِ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ مَا فِيهَا مِنَ الزُّهُومَةِ، وَلَا زُهُومَةَ فِي الشَّعَرِ، فَلَا =يَنْجُسُ، وَحَكَى العبدري، عَنِ الحسن، وعطاء، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ الشَّعَرَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَلَكِنْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أم سلمة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «لَا بَأْسَ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلَا بِشَعَرِهَا إِذَا غُسِلَ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى شَعَرِ غَيْرِهَا إِذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ كَسَائِرِ الْجَامِدَاتِ إِذَا طَرَأَتْ نَجَاسَتُهَا، وَحَكَى الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّعَرَ تَابِعٌ لِلْجِلْدِ يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهِ وَيَنْجُسُ بِنَجَاسَتِهِ، وَهَذَا أَقْوَى الْمَذَاهِبِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فَلِلْعُلَمَاءِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ شَيْءٌ مِنْهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ، وعائشة، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وَرِوَايَةٌ عَنْ مالك.
وَالثَّانِي: يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ جِلْدُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ

1 / 13