Effraction des voiles des fusus
هتك أستار الفصوص
يسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي نقد بصائر المهتدين بأنوار معرفته، وعصمهم من الزيغ والانحراف عن طريق محجته، وفقهم لاتباع طريق أنبيائه وأهل رسالته، وجعلهم متبعين لما أنزل عليهم من فرقانه وإبانته، وحماهم عن قلب الحقائق المعنوية والصورية بالأغاليط المتوهمة الظنية. من كل ماش مكب على وجهه، وعاقب من اتخذ إلهه هواه في سيره وسيرته، وأضله على علم، وختم على سمعه وبصيرته، بتغير في أبار المهالك والمعاطب من عماوته وحيرته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، المنفرد بذاته وفردانيته عن جميع مخلوقاته وبريته، الذي أتصف بالصفات وتسمى بالأسماء في قدمه وأزليته وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله الذي بعثه إلى الخلق برحمته وهدايته صلى الله عليه وعلى آله أهل وده وولايته. وبعد: فإن الله تعالى يقول: ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [الأعراف 33] ، وقال : ( أفن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صرط مستقيم) [الملك : 22]، فقد حرم علينا أن نقول عليه سبحانه ما لا نعلم كما رضي لنا أن نمشي على صراط مستقيم.
Page 29
على بعض، فالخلق محدود مربوب ، يتصرف فيه الباري تعالى بقدرته وإرادته ومشيئته؛ ليس الخلق بعضا من أبعاضه، ولا صفة من صقاته، ولا هو عين ذاته ، بل هو سبحانه ذات منفرد بنفسه، مباين عن جميع خلقه بذاته وصفاته وأسمائه ووجوده؛ فجميع الحركات والسكنات في الخلق صادرة عن مشيئته، وليس هو المتحرك فيها، بل هو المحرك لها، وليس وجودها وجوده، بل لها وجود محدث مفتقر إلى وجوده، كما أن للموجد سبحانه وجود قائم به غير وجودها كما يليق بربوبيته، وللمخلوق وجود قائم به مفتقر كما يليق بعبوديته. فحين جعل الوجود وجودا واحدا ساريا في كل ماهية من الخلق والحق؛ فقد ضل واعتدى ، ومن زعم أن الخلق إنما يمتاز عن الحق بحيثية ما اقتضاه استعداده من قبول الفيض فقط، كان في العدم ثابتا متعددا متنوعا، فقد زاغ عن المحجة الصحيحة والنهج السوي؛ قاتل الله القائلين بهذه المقالة فأنى يؤفكون. والسبب الموجب لنظم هذه الأحرف هو ما وقر في القلوب من ترهات ابن عربي، حيث صار لها شأن في قلوب السالكين، وخطر عند المبتدعين من الطالبين، وما ذلك إلا لقصور فهمهم عن مقاصده، وعجز بصائرهم عن ملاحظة اتحاده في شقائه ، استخرت الله بتعليق كلمات تكون - إن شاء الله تعالى - كشفا لستر مقالته، ومنبها على إلحاده وضلالته مما نقلته من كلامه عن «فصوص الحكم» نقل المسطرة ؛ ليزول بذلك عن الكاشف لستره كل تهمة، وليزن العاقل مقالته على ما دل عليه دين الرسول صعلم فيزنه بالدين الناقد البصير، ليظهر له زيفه وانحرافه وتهوكه وعناده، ولعمري لا يقدر
Page 30
فالمشار إليه راسخ في زندقته ، ضائع في سياق ما يلقيه من كفريات الفلسفة ؛ لاحتوائه على فنون كثيرة من العلوم الشرعية والرياضية والفلسفية، فصارت في ذلك عذبة غريبة، ومقاصده فيها غامضة لا يفطن لها إلا كل ناقد يعرف عوره في مقالاته وترتيبه.
فصل
جميع ما يبديه في مصنفاته من الكلام الحق النافع هو ربط واستجلاب لقلوب الطلبة كما يشير إليه في الفتوحات والحكم المربوط وغيرهما؛ فإن الداعي إلى البدعة لا يستجاب له إن لم يكن ذا بصيرة بالدعوة ويستدرج الخلق فيها بلطيف الاستدراج ، بحيث ينقلهم من مرتبة في عقولهم إلى مرتبة أخرى أعلى منها، بحيث تكون تلك المرتبة الأولى ثابتة في العقول، فتسكن العقول في ذلك أولا، ثم يدفق العبارة فتشتاق القلوب إلى حل ذلك أولا؛ فمن العابد ومن المعبود، ومن الشاهد ومن المشهود، كما أنشد: إن قلت عبدا فذلك ميت
أو قلت رب أنى مكلف
فصل
نبدأ أولا - بعون الله تعالى - في حل قاعدة مذهبه قبل نقل كلامه ؛ لتتضح القاعدة أولا في ذهن العاقل، ثم يتفصل عليها جميع ما ننقل عنه من كلامه ، ويستفاد من ذلك أن جميع ما يقوله في جميع كتبه وإن اختلفت عباراتها وتنوعت أنحاؤها وإشاراتها نضما ونثرا فهو مسألة واحدة، وهي- حقيقة القاعدة الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى، فهو يقول ثم يحط عليه فلا
Page 31
كلامه ويستقرئه إن شاء الله تعالى.
فصل
قاعدة هذا الرجل في اعتقاده وكشفه الباطل هو عند العلماء والعقلاء خيال لا حقيقة له، ووهم فاسد توهمه، وبنى عليه أصوله ودلائله؛ هو أن يجعل المعدوم شيئا ، ويجعل الماهيات بأسرها - من جميع ما علم من الأكوان علوها وملوها في عدمها أشياء ثابتة في أنفسها، لكن ليس لها وجود، فأفاض الحق تعالى عليها وجوده الذاتي، فقبلت الوجود بحسب استعدادها، فظهرت بعين وجود الحق الذاتي، فكان هو الظاهر فيها بحكم الوجود وهي كانت الظاهرة فيه بحكم الأسماء لتنوعها وتعددها ، ويجعل النسب التي بين الذوات والوجود هي أسماءه تعالى، لولاها لم يكن له اسم؛ فإن الوجود لما أفاض على الماهيات الثابتة عنده، قبلت كل ماهية من الوجود بحسب استعدادها، مثلا كان المرزوق والمنتقم منه، والمرحوم مرحوما والجميل جميلا، فقبلت كل ماهية بحسب ما اقتضاه استعدادها من ذلك الوجود المطلق، فظهر بذلك الاسم: الرزاق والرحيم والمنتقم، ولولا فيض هذا الوجود لم يكن لله تعالى أسماء أصلا، فإن كان شيئا مطلقا لا وجود له يتعين هذا على قواعده واصطلاحاته وتوهماته. ومذهب المسلمين أن الله تعالى لم تزل أسماؤه قديمة موجوده، لم يتجدد له بما أحدث من مخلوقاته شيء لم يكن له في قدمه. وهذا الكلام الذي انتحله هذا الرجل يقتضي أن الله تعالى كان لا وجود له في الظاهر، كان وجوده مطلقا لا يوصف بصفة ولا يسمى باسم، فأراد أن يقرن بنفسه، فتجلى بوجوده على الأعيان، فرأى نفسه فيها، كما قال:
Page 32
رأى نفسه ظهرت الأسماء باعتبار النسب التي بين الماهيات والوجود الفائض، فلما أفاض عين وجوده على الماهيات بذلك صار هو موجود في الظاهر، فظهرت الوحدة في الكثرة متكررة فيها لا متعددة لأنها كتكرر الإنسانية في الأشخاص المتعددة ، وهي إنسانية واحدة ، فهو الموجود في الكثرة لا موجود غيره ، والكل هو هذا الظاهر الذي ظهر بوجوده في بريته، وكل موجود له نسبة من وجود الحق لما قبله استعدادا، فتلك النسبة هي عين أسمائه وصفاته، فصار الحق عنده كالإنسانية المطلقة السارية في شخص بالتكرار، وكل واحد إنسان، وبهذا الأشخاص ظهرت الإنسانية في الخارج، ولولاهم كانت شيئا ثابتا في الذهن مطلقة لا حقيقة لها في الحارج متعينة ، فكذلك الرب عنده كان شيئا مطلقا لا ظهور له، فأفاض وجوده على الأكوان كفيض الإنسانية على جنس الإنسان ، فظهر بذلك وجود الحق في الخارج كما ظهرت الإنسانية في الخارج، لتعلقها بالأشخاص المتعينين. فأحل الله الشكوى مما انتحلته هذا الطائفة المبطلة التي قلبت الحقائق وشنعت على ضعفاء هذه الأمة عقولها، وفرقت الربوبية كل ممزق، وقلبت صورة الشريعة ومسختها، فاستهلك الإيمان والإسلام في صورة ما انتحلوه كاستهلاك الإنسانية في القرد الممسوخ، مسخهم الله كما مسخوا دينه، وقلبهم في النار كما قلبوا شريعته وبالله المستعان. فمذهب هذا الرجل: أن الأعيان كانت ثابتة، فهي غذاؤه بالأحكام. يعني يتغذى بها الحق لظهور أحكام أسمائه فيها، وذلك يقتضي افتقاره إليها لأن من يتغذى بالشيء كان مفتقرا إليه، ولذلك أفاض عليها وجوده
Page 33
أسماؤه، فصارت غذاء له، وكذلك عنده هو غذاء لها أيضا بالوجود، لأن بوجوده ظهرت ، إذ لولا وجوده الفائض لكانت عدما في حال ثبوتها في عدمها، فلما فاض وجوده الذاتي عليها ظهرت به ، فهي غذاؤه وهو غذاؤها بالوجود. وزيادة بيان لمذهبه البعيد على اصطلاحه: يتصرفون في ربهم لما قبلوه من الوجود بحسب استعدادهم، فالرب تعالى عنده ليس له اختيار في مقادير استعداد كل موجود فيما قبله من الوجود له اختيار بحسب ما اقتضاه استعداده . يدل على ذلك ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى من كلامه ، وكذلك عنده أن الرب تعالى كما تصرفوا هم فيه يتصرف هو أيضا فيهم في إفاضة وجوده عليهم فقط لا غير ذلك، فكان الحاصل من مجموع هذه الحالة أن الرب تعالى على زعمه كان وحدة مطلقة لا يرى نفسه و لا يعرف إياه ولا يوصف باسم ولا بصفة، حتى رأى نفسه متجلية في الماهيات ، فكان المرآة له رأى وجوده فيها، ولزم من ذلك ظهور الأسماء، ومن قبل كان لا اسم له ولا صفة، بل شيئا مطلقا، لأن الأسماء والصفات هي من لوازم الظهور والوجود، وتعلق الوجود بالموجودات، فباعتبار تعلق كل موجود بالوجود يكون للوجود أسماء بحسبه، فلما أراد سبحانه وتعالى أن يكون له ظهور أفاض وجوده على الماهيات الثابتة في العدم، فظهر بوجوده، فكان هو الظاهر حيث وجوده، وكانت الماهيات هي الظاهرة من حيث أسماؤه.
Page 34
فصل
فيمن وفقه الله تعالى، وفهم هذه القاعدة وحققها في ذهنه الصحيح وعقله الراجح، ونور الله قلبه بنور الإسلام، فعرف أن هذا وهم فاسد، وخيال باطل في زخرف من القول وزور، لما دل عليه الكتاب والسنة من قدم الباري تعالى بذاته المقدسة وجميع أسمائه وصفاته، وكان موجودا بوجود قديم يختص به يعلم نفسه ويرى وجوده، وأن وجود الأكوان ليس هو عين وجوده، بل هو وجود محدث لم يفض عليه من ذات وجود الحق شيء، لأن وجود الحق لا يفيض على مخلوق، وهو وجود قائم به سبحانه وتعالى لا ينتقل إلى غيره ولا يحل في سواه، وهو - سبحانه وتعالى - بهذا الأكوان بهذا الوجود المحدث الذي يليق بالأكوان، وهو خلق من خلقه لا من فيض وجوده الذاتي يريد إمداده، فيكون كما قال الله تعالى : (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) [النحل:40]، وليس عين ذلك الذي يجده من الوجود سبحانه وتعالى لم يحدث له لإظهار الكون اسم لم يكن له في قدمه ولا صفة يوصف بها في أزله ، فظهور الأكوان ووجودها لم يزد به سبحانه وتعالى مثقال ذرة من اسم ولا صفة كما أنه لو لم يظهرها لم ينقض بذلك ولم تخف أسماؤه ولا صفاته تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. وها نحن إن شاء الله تعالى ننقل من كلامه نقل المسطرة بلا زيادة ولا نقصان، ليستدل بذلك على صحة ما بينا من مذهبه ليتفطن له العقلاء والنبلاء الطالبون، ونفرق بين ما يقوله، وبين ما يفسره من كلامه بفاصل يتميز به عنه إن شاء الله تعالى.
Page 35
قال: فسمى هذا المذكور إنسانا وخليفة؛ فأما إنسانيته : فلعموم نشأته، وحصره الحقائق كلها. قوله : لعموم نشأته وحصره الحقائق. يعني به آدم هو العالم الأصغر، قد جمع وحوى جميع ما في العالم لأكبر. ثم قال: وهو للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصير، فلهذا سمي إنسانا. لأنه من الحق بمثابة إنسان العين، وكفى بهذا كفرا وزندقة، لمن نظر وأنصف. ثم قال: فإنه به نظر الحق قعالى إلى خلقه فرحمهم ، فهو الإنسان الحادث الأزلي، والنشء الدائم الأبدي. قوله: به نظر الحق تعالى إلى خلقه.
Page 36
لأنه كان ثابتا في العدم والنشء الدائم الأبدي ، لأنه صار بالوجود الدائم الأبدي. قال في الكلمة الشيثية: ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله [به] في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه بمنه من العلم به، وهو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم علم الله من أين حصل، وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سر القدر. وهذا الذي قاله يقتضي أن ثم قوما يعلمون علم الله بهم من أين يحصل ؟ فيطابق علمهم علم الله بهم من جميع الوجوه ! وهذا لم يثبت في الشرع أنه جعل للأنبياء؛ لأنهم ما كانوا يعلمون من علم الله إلا ما علمهم الله تعالى، وما خفي عنهم منه أكثر مما علموه، فكيف يدعي مدع أنه يكون في الأمة من يعلم علم الله من أين حصل ! وهذا هو الضلال المبين. ثم قال: ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول: أما ذاتيته وأما أسمائيه، فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي، والتجلي من الذات لا يكون إلا بصورة استعداد المتجلى له ، وغير ذلك لا يكون ؛
Page 37
ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه رأى سوى صورته في مرآة الحق. فإنه بفيض الوجود رأى نفسه، ولولا فيض الوجود لما رأى نفسه. قوله : ولا رأى الحق. أي أنه مطلق شائع ، والمطلق لا يرى حقيقته إلا متعينا، فلذلك ولا يمكن أن يراه مع علمه بأنه ما رأى وجود نفسه الثابتة في العدم لا بوجود الحق الفائض عليه، فكان وجوده مرآة نفسه فيها. ثم ساق الكلام إلى أن قال: فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤية أسمائه وظهور أحكامها. ثم قال: ولست سوى عينيه فاختلط الأمر وانبهم؛ فمنا من جهل في علمه، فقال: العجز عن درك الإدراك إدراك. وهذا مثل ضربه في الصديق رضي الله عنه، فإنه نقل إنه قال: العجز عن درك الإدراك إدراك.
Page 38