653

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
•
Empires & Eras
Ottomans

أي تمنعه، ومنه النكل للقيد. لما بين يديها وما خلفها لما قبلها وما بعدها من الأمم. إذ ذكرت حالهم في زبر الأولين واشتهرت قصتهم في الآخرين، أو لمعاصريهم ومن بعدهم، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها، الجاني مخافة أن يعاقب بمثل ما عوقب به. قال الراغب: النكال العقوبة الرادعة للجاني عن المعاودة إلى الجناية ولغير الجاني عن إتيان مثلها منقول من قولهم: نكل فلان عن العدو أو عن اليمين إذا جبن وارتدع. وفي اللباب: النكال المنع وسمي العقاب نكالا لأنه يمنع به غير المعاقب أن يعود إلى ما فعله الشخص الأول والتنكيل إصابة الغير بالنكال ليرتدع غيره، وسمي القيد نكلا لأنه يمنع به. والمعنى إنا جعلنا ما جرى على هؤلاء عقوبة رادعة لغيرهم.

قوله: (من الأمم) بيان لما بين يديها وما خلفها المفسرين بما قبل المسخة وما بعدها بأن جعلت الجهتان المكانيتان أعني القدام والخلف مستعارتين للزمان وأن يراد به أهله من العقلاء إلا أنه عبر عنهم بكلمة «ما». ومقتضى الظاهر أن يقال: لمن بين يديها ومن خلفها تحقيرا لشأنهم غير عقلاء بالنسبة إلى المتكلم العلي شأنه الباهر سلطانه.

فالمراد بمن قبل تلك المسخة هم الذين مضوا قبل عصر هؤلاء الممسوخين وكان في كتبهم أن تلك المسخة ستقع فيمن لم يحرم ما يحرمه الله تعالى فاعتبروا بها وامتنعوا عما يؤدي إليها. فإن قيل: كيف يجوز أن يراد بما بين يديها الأمم السابقة على المسخة، والحال أن الفاء في قوله: فجعلناها نكالا لما بين يديها تدل على تأخر الجعل عن المسخة والقول بكونوا قردة؟ أجيب بأن اللازم تأخر جعلها نكالا وعبرة لمجموع الفريقين من حيث هو هو وهو لا ينافي أن يتقدم كونها عبرة لأحد الفريقين على المسخ والقول ولم يتعرض لكونها نكالا وعبرة لأهل عصر الممسوخين مع أنهم أحق بذلك لمشاهدتهم إياها بناء على أنهم لحضورهم في ذلك العصر ومشاهدتهم إياها لم يحتج إلى بيان كونها عبرة لهم، لأنها لما كانت عبرة لمن قبلهم ولمن بعدهم فكونها عبرة لهم وهم يشاهدونها أولى أو لمعاصريهم ومن بعدهم على أن تكون كلمة «ما» في الموضعين بمعنى «من» أيضا، وأن يراد بمن بين يدي المسخة الأمم الذين كانوا في عصر الممسوخين وزمانهم بناء على أن لفظ بين يديها وإن كان ظرف مكان ومستعملا في المكان المداني لمكان من أضيف إليه الواقع فيما بين يديه إلا أنه استعير للزمان المداني لزمانه. وأريد بالزمان المداني لزمان المسخة أهل ذلك الزمان بطريق ذكر الظرف وإرادة المظروف، وأهل الزمان المتصل بزمان المسخة هم الذين كانوا في عصر الممسوخين. قوله: (أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها) مبني على أن يكون ضمير قوله تعالى: فجعلناها للقرية وأن يراد بها

Page 87