Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
والسبت مصدر قولك: سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت. وأصله القطع أمروا بأن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود عليه السلام واشتغلوا بالصيد، وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها: أيلة وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه، فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضا وشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد.
لقسم محذوف تقديره: والله لقد علمتم. قوله: (والسبت مصدر قولك سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت) حمل السبت المذكور في الآية على المصدر دون الزمان المعين الذي هو آخر أيام الأسبوع لأن المنهي عنه هو الاعتداء فيما وجب عليهم من تعظيم يوم السبت بترك العادات والاشتغال بالعبادات لا الاعتداء في شيء آخر في يوم السبت. ولو كان المراد بالسبت اليوم المذكور لم يعلم أنهم في أي فعل جاوزوا الحد الذي حد لهم فإن الاعتداء هو مجاوزة الحد على وجه محظور. روي أن موسى عليه السلام أراد أن يجعل يوما من أيام الأسبوع خالصا لطاعة الله تعالى ويتمحض فيه للعبادة فأحب أن يكون ذلك اليوم يوم الجمعة فخالفه اليهود وقالوا: نجعل ذلك اليوم يوم السبت لأنه لم يخلق لعمل فإنه تعالى ابتدأ خلق العلم في يوم الأحد وأتمه يوم الجمعة فلم يكن يوم السبت يوم العمل، فنتمحض فيه للعبادة. فلما اختاروه لترك سائر المباحات التي لا يتعلق بها ثواب ولا عقاب ولا تكتبها حفظة الأعمال لا صاحب اليمين ولا صاحب الشمال نهوا فيه عن الاصطياد أيضا وصار اختيارهم وبالا عليهم حيث اعتدى فيه ناس منهم بارتكاب ما حرم عليهم من الاصطياد، فمسخهم الله تعالى وجعلهم على شكل القردة خاسئين أي ذليلين صاغرين مبعدين مطرودين.
روى محيي السنة عن قتادة أنه قال: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا على ذلك ثلاثة أيام. كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الممسوخة لا تنسل ولا تأكل ولا تشرب ولا تعيش أكثر من ثلاثة أيام». وقيل: إنها تعيش وتنسل. والله أعلم. قوله: (وأصله القطع) يقال: سبت فلان أي قطع العمل. ويقال للنوم: سبات لأنه يقطع الحركات الاختيارية. واليهود يسبتون يوم السبت أي يقطعون الأعمال فيه. وسمي يوم السبت بذلك لأنه تعالى قطع فيه أن يخلق شيئا حيث ابتدأ الخلق يوم الأحد وختمه يوم الجمعة ولم يخلق شيئا يوم السبت. والعلم في قوله تعالى: ولقد علمتم بمعنى المعرفة فلذلك عدي إلى واحد ولو كان على أصل معناه لعدي إلى اثنين، لأنه يدل على معرفة الذات بما عليه من الحال. وفرق آخر بين العلم والمعرفة أن المعرفة يسبقها جهل والعلم قد لا يسبقه الجهل، ولذلك لا يجوز أن تسند المعرفة إليه تعالى. وقوله: منكم في محل النصب على أنه حال من الضمير المستتر في «اعتدوا» أي كائنين منكم. قوله: (وأخرج خرطومه) أي أخرج
Page 84