Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
وإذ أخذنا ميثاقكم باتباع موسى والعمل بالتوراة. ورفعنا فوقكم الطور حتى أعطيتم الميثاق. روي أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل عليه السلام فقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا خذوا على إرادة القول. ما آتيناكم من الكتاب.
بالإيمان بمعنى الإقرار بالشهادتين سواء كان ذلك الإقرار معه مواطأة القلب أم لا سببا لاستحقاق الأجر، بل السبب له إنما هو الإقرار المقرون بالإخلاص. وكذا اليهودية والنصرانية والصابئية لا يكون شيء منها سببا له وهو ظاهر فلم يكن اسم «إن» وما عطف عليه متضمنا لمعنى الشرط وإن كان اسما موصولا صلته فعل لانعدام السببية، فلذلك قلنا: إنه أراد بالمسند إليه لفظة «من» سواء جعل بدلا أو مبتدأ.
قوله: (باتباع موسى) متعلق بقوله: ميثاقكم والميثاق العهد المؤكد باليمين وذلك إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة. وهي في هذه الآية هي اتباع موسى عليه السلام والانقياد له فيما جاء به من عند الله تعالى، فإنهم أعطوا العهد والميثاق باتباع موسى عليه السلام وقبول التوراة والعلم بما فيها والله تعالى أخذ ميثاقهم بذلك في حال رفع الجبل فوقهم. والواو في قوله تعالى: ورفعنا للحال لأن أخذ الميثاق كان بعد رفع الطور كما يقال: فعلت ذلك وقد ركب الأمير كأنه قيل: وإذا أخذنا ميثاقكم حال رفعنا الطور فوقكم و «فوقكم» ظرف مكان ناصبه «رفعنا» كلفظ «تحت» في قولك: قدمت لكم طعاما وقد فرشت تحتكم البساط .
قوله: (حتى أعطيتم الميثاق) متعلق بقوله تعالى: ورفعنا فوقكم الطور وهذا هو الإنعام العاشر من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل، وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك نعمة بالغة لهم. والطور قيل: إنه اسم لكل جبل ينبت شيئا دون ما لا ينبت. وقيل: إنه اسم جبال بعينه. ثم اختلف في ذلك الجبل المعين: قيل: هو الجبل الذي كان عليه موسى عليه السلام حين كلمه الله تعالى وأنزل عليه الألواح. وقيل: هو جبل من جبال فلسطين. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله تعالى أمر جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم، وذلك أن الله تعالى نزل التوراة على موسى عليه السلام جملة واحدة وفيها تكاليف شاقة فأمر موسى قومه أو يقبلوها ويعملوا بما فيها فأبوا أن يقبلوها للإصار والأثقال التي فيها وكانت شريعة ثقيلة، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلا على قدر سعة مستقر عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الإنسان كالظلة وأوحى تعالى إلى موسى أن قبلوا التوراة وإلا أرسلت عليهم هذا الجبل ورضختهم به. فلما رأوا أن لا مهرب لهم إلا قبولها قبلوها وسجدوا من الفزع
Page 80