Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم كرره للتأكيد وتذكيرا للتفضيل الذي هو أجل النعم خصوصا، وربطه بالوعيد الشديد تخويفا لمن غفل عنها وأخل بحقوقها.
الوعد فمثل ذلك، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم. وإنما المراد بقوله: «وإنها لثقيلة على من لم يخشع» من حيث إنه لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا يصعب عليه فعلها لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع، وأما الخاشع فإنه لما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل عليه ذلك لما يعتقد في فعلها من الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم. ومثاله أنه إذا قيل للمريض: كل هذا الدواء المر فإن اعتقد أن له فيه شفاء سهل عليه ذلك وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه، ومن أجل أن الأمر الصعب الشديد يسهل على من اعتقد فيه نفعا عظيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة».
فإنه عليه الصلاة والسلام كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبا وكان يستريح في الصلاة لما فيها من مناجاة الرب تعالى وكان يكثرها حتى تتورم قدماه. وقرة العين برودتها كنى بها ههنا عن السرور والفرح.
قوله: (كرره للتأكيد) وذلك لأن الخطاب في الموضعين متوجه إلى الأولاد الموجودين في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن المراد بالنعمة المذكورة فيها هي النعمة الواصلة إليهم سواء كانت مختصة بهم أو عامة شاملة لجميع البشر، وأن المقصود من وصفها بقوله: أنعمت عليكم استمالة قلوبهم وحملهم على أداء شكر تلك النعم الواصلة إليهم وتوبيخهم بنسيان نعم الله تعالى وتركهم شكرها. وهذا المقصود يقتضي التعرض لوصولها إليهم مع قطع النظر عن حصولها لغيرهم كما مر، فتكون الفائدة في إعادة الأمر بتذكرها التأكيد مع تخصيص ما هو أجل النعم الواصلة إليهم بالتذكير وهو نعمة تفضيل آبائهم على أهل زمانهم، فإن فضيلة الآباء نعمة عظيمة في حق الأولاد فقوله: «أجل النعم خصوصا» إشارة إلى أن عطف قوله:
وأني فضلتكم على العالمين على قوله: نعمتي التي أنعمت عليكم من قبيل عطف الخاص على العام تنبيها على شرف الخاص. فالمعنى اذكروا نعمتي عليكم وخاصة تفضيلي إياكم على العالمين. قوله: (وربطه) بالجر عطف على قوله للتأكيد أي تأكيد ما ذكر قبله وليكون تمهيدا وتوطئة لذكر نعمة تفضيلهم على العالمين، وربط تذكير النعم المذكورة بالوعيد الشديد المدلول عليه بقوله: واتقوا يوما الآية فإن الوعيد بما في ذلك اليوم من الحساب والعذاب أشد من الوعيد المدلول عليه بقوله: وإياي فارهبون وبقوله: وإياي فاتقون وربط تذكير تلك النعم بالوعيد المذكور تخويفا لمن غفل عن تلك النعم وأخل
Page 36