Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
في الدرج. قال الراغب: الوفاء مراعاة العهد والغدر تضييعه كما أن الإنجاز مراعاة الوعد والإخلاف تضييعه. والوفاء والإنجاز في الفعل كالصدق في القول، والغدر والإخلاف كالكذب فيه. وقيل: «وفى» و «أوفى» بمعنى، والصحيح أن «أوفى» أبلغ من «وفى» كما أن «أشقى» أبلغ من شقى. وفي أساس الصرف أن كل متشعبة بمعنى الثلاثي تكون أبلغ منه. وقرأ الزهري: «أوف بعهدكم» بالتشديد. قال ابن جني: وهو أبلغ من «أوف» بالتخفيف فكأنه قال: أوفوا بعهدي أبالغ في توفيتكم فهو ضمان منه تعالى أن يعطي الكثير على القليل كقوله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] وقال بعضهم: يقال في العهد «وفى» و «أوفى» وفي الكيل «أوفى» لا غير. وفي التيسير: والعهد يكون بمعنى الأمر كما في قوله تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم [طه: 115] ألم أعهد إليكم [يس: 60] وعهدنا إلى إبراهيم [البقرة: 125] فكان قوله: أوفوا بعهدي بمعنى أمري وقوله: أوف بعهدكم أي بوعدكم ويكون العهد بمعنى الوعد كما في قوله تعالى: ومن أوفى بعهده من الله [التوبة: 111] أي بوعده. وقال بعضهم: إطلاق العهد على وعد الله تعالى من مجاز المقابلة على حد وجزاء سيئة سيئة. والعلاقة أن وعده لا يخلف فأشبه الملزوم كالعهد. وقد مر ما يتعلق بتفسير العهد من التفصيل في تفسير قوله تعالى: ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه [البقرة: 27] قبيل قوله: كيف تكفرون بالله [البقرة: 28] الآية، ومحصوله أن العهد هو الموثق أي إحكام ما من شأنه أن يراعى ويحفظ كالوصية واليمين فإن الوصية بالشيء هي توثقته وكذا اليمين على الشيء. فالعهد مطلقا هو الموثق وإنما يتغير معناه بالصلات، فإذا استعمل بالباء كما في قول المصنف: «فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح» كان معناه وصاهم به وأمرهم به ووثقه عليهم وإذا استعمل «بمن» كان بمعنى الاشتراط مثل الاشتراط الواقع فيما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه تعالى كان عهد من بني إسرائيل أني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به وهو القرآن أغفر له ذنبه وأدخله الجنة واجعل له أجرين: أجرا باتباع ما جاء به موسى وجاءت به أنبياء بني إسرائيل وأجرا باتباع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. فإنه تعالى اشترط عليهم في مغفرة ذنوبهم وإدخالهم الجنة متابعة المبعوث وتصديق ما أنزل إليهم، فإذا عبر عن هذا الاشتراط يقال: استعهد منهم واستوثق منهم والقدر المشترك بين المعنيين أي التوصية والاشتراط هو الموثق. ولا بد في المعنى الأول من قبول من عهد إليه، وفي الثاني من لزوم الوفاء من الجانبين، والوفاء من جانب المكلف لما روي آنفا الالتزام ومن جانبه تعالى الإثابة والإكرام.
Page 9