532

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
•
Empires & Eras
Ottomans

غيرها ومن زعم أنها لم تخلق بعد قال: إنه بستان كان بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحانا لآدم وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند كما في قوله تعالى: اهبطوا مصرا [البقرة: 61].

وكلا منها رغدا واسعا رافها صفة مصدر محذوف. حيث شئتما أي مكان من الجنة شئتما وسع الأمر عليهما إزاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر. ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فيه مبالغات تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه ووجوب الاجتناب عنه وتنبيها على أن القرب من الشيء يورث داعية وميلا يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع، كما روي: «حبك الشيء يعمي ويصم» فينبغي أن لا يحوما حول ما حرم الله عليهما مخافة أن يقعا فيه وجعله سببا لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخل بالكرامة والنعيم، فإن الفاء تفيد السببية سواء جعلته للعطف على النهي أو الجواب جميع الجنان محال، فلا بد أن تكون الإشارة إلى المعهود والمعهود المعلوم للمسلمين هو دار الثواب فوجب صرف اللفظ إليها، ولا سيما أنه قال تعالى لآدم في وصف الجنة: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى [طه: 118، 119] وذلك صفة دار الخلد والثواب. وقالت المعتزلة: هي غير مخلوقة الآن لأن نفسها وما أعد فيها من النعيم مؤبد لا يفنى شيء منه لقوله تعالى: أكلها دائم وظلها [الرعد: 35] وأن من دخلها لا يخرج منها لقوله تعالى: وما هم منها بمخرجين [الحجر: 48] وقد ثبت أن الأشياء المخلوقة الآن هالكة ولا يبقى إلا وجهه سبحانه وتعالى، وأن آدم قد خرج منها وانقطع عنه ما ناله فيها من الكرامات، ولأن دار الثواب لا تكليف فيها وقد كان آدم فيها مكلفا بأن لا يقرب الشجرة فوجب أن يكون المراد بها جنة سوى دار الثواب. ثم اختلفوا في أنها في الأرض أو في السماء، فمنهم من قال: إنها كانت في السماء السابعة استدلالا بقوله تعالى: اهبطوا منها [البقرة: 38] والهبوط يكون من علو إلى سفل ولا يستقيم ذلك في بستان مخلوق في الأرض. وقال آخرون: إنها كانت في الأرض. ثم اختلفوا في موضعها:

فقال بعضهم: إنها كانت بأرض فلسطين. وقال آخرون: كانت فيما بين فارس وكرمان، وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة أخرى كما في قوله تعالى: اهبطوا مصرا [البقرة: 61] قال أصحابنا: تسميتها بدار الخلد وتوصيف أكلها بالدوام مبني على دوامها بعد أن يدخلها المثابون جزاء لأعمالهم، فالشيء الواحد قد يوصف بأوصاف متضادة بحسب اختلاف الأوقات والاعتبارات وأنها لا تكون دار التكليف في الآخرة.

Page 538