Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبينا معانيها وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم فيكون من الله سبحانه وتعالى: وأن مفهوم الحكمة زائدة على مفهوم العلم وإلا لتكرر قوله: إنك الألفاظ بخصوصها وتكون الألفاظ الموضوعة لمعنى مدلولا مطابقيا له، وإن فسر بمعناه اللغوي المبني على اعتبار اشتقاقه من السمة أو السمو يتناول كل ما يكون علامة للشيء ودليلا عليه بحيث يرفعه إلى الذهن سواء كان لفظا موضوعا بإزائه أو حالا من أحواله القائمة به أو فعلا من أفعاله الصادرة عنه. وفي جميع ذلك علامة دالة على ذلك الشيء ودليل عليه يرفعه إلى الذهن. فلفظ الأسماء على هذا التفسير يدل على الألفاظ أيضا لا على أنها مدلول مطابقي له بل على أنها فرد من أفراد مدلوله المطابقي وهو ما يكون علامة للشيء ودليلا عليه يرفعه إلى الذهن، فظهر أن لفظ الأسماء بأي تفسيره فسر يدل على ألفاظ وهي مدلول مطابقي للفظ الأسماء على التفسير الأول، وفرد من أفراد مدلوله المطابقي على التفسير الثاني. وعلى التقديرين يصدق على من علم الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني من حيث كونها موضوعة بإزائها أنه علم أسماء المسميات من حيث كونها أسماء لها موضوعة بإزائها وتعليمها من هذه الحيثية يستدعي كون وضعها سابقا على التعليم، وذلك الواضع إما الله تعالى أو خلق آخر قبل آدم والثاني بعيد مخالف للأصل، فإن ما لم يستند إلى دليل من الحوادث منفي لا يحكم به مع أن الخلق الآخر لا يخلو إما أن يكون ملكا أو جنيا. وعجز الملائكة عن الإنباء بها عند الاستنباء دليل ظاهر على عدم كونهم واضعين إياها والجن أدنى حالا منهم فعدم وضعهم أولى، فتعين أن لا واضع إلا الله تعالى وأن اللغات بأسرها توقيفية.
قوله: (وتعليمها ظاهر في ألقائها على المتعلم) دفع لما يقوله المنكرون للتوقيف وهو قولهم:
المراد بتعليم آدم إلهامه تعالى إياه أن يضع الأسماء لمعانيها. ونظيره في كون التعليم بمعنى الإلهام للعمل قوله تعالى: وعلمناه صنعة لبوس لكم [الأنبياء: 80] أي ألهمناه عمل الدروع فيكون الواضع آدم عليه السلام لا الباري تعالى حتى تكون اللغات توقيفية. قوله:
(والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم) دفع لما يقال: تعليم الله تعالى آدم الأسماء من حيث اختصاص كل واحد منهما بمسماه لا يقتضي أن يكون الواضع هو الله تعالى لجواز أن يكون خلقا مقدما على آدم، وإذا كان ذلك بعيدا مخالفا للأصل تعين أن يكون الواضع هو الله تعالى. وأن ما تكلمت به الملائكة من الألفاظ المخصوصة الموضوعة لمعان مخصوصة مثل قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ألفاظ توقيفية وضعها الله تعالى لمعانيها ثم علمها الملائكة مبينا لهم معانيها. وذهب الحكماء إلى أن الروحانيات إنما تتكلم بالكلام النفسي ويتلقى بعضهم المعنى المقصود من الآخر تلقيا روحانيا لأنها عندهم مجردات
Page 522