436

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
Empires & Eras
Ottomans

منزل ورتب عليه وعيد من كفر به ووعد من آمن به بعد ظهور أمره شرع في جواب ما طعنوا به فيه فقال تعالى: إن الله لا يستحيي، أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من اللازم فقيل: استحياء ضرب المثل بالبعوضة تركه حياء ثم نفي ذلك عنه تعالى فقيل: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة بمعنى لا يترك حياء. وبعد استعمال الاستحياء في لازمه الذي هو الترك انقباضا احتيج لأن يحمل الكلام على الاستعارة بأن يشبه تركه تعالى إياه بترك المستحي فيطلق اسم المشبه به على تركه تعالى إياه فيكون قوله تعالى إن الله يستحي منه بمعنى أنه تعالى لا يتركه حياء وهذا المعنى فاسد إذ يمتنع في حقه تعالى أن يترك الشيء استحياء فوجب المصير إلى المجاز. فإن قيل: هب أن إثبات الاستحياء لله تعالى كما في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا» يحتاج إلى تأويل لأنه لو حمل الكلام على ظاهره لكان المعنى أنه تعالى يترك تخييب العبد ورد يديه إليه صفرا استحياء، ومن المعلوم أن الترك استحياء مما لا يصح في حقه تعالى: فيجب أن يحمل الكلام على الاستعارة بأن يشبه ترك الله تعالى تخييب العبد ورد يديه صفرا بترك الكريم رد المحتاج حياء فيطلق عليه لفظ المشبه به ثم يشتق منه الفعل فيقال: ترك الله الرد حياء كما يقال: ترك الكريم المحتاج حياء. فعبر عن الترك حياء بلفظ الاستحياء على طريق التعبير عن اللازم بلفظ الملزوم، فإن الترك المذكور لازم للاستحياء بخلاف ما إذا نفى الاستحياء عنه تعالى كما في الآية. فإن نفيه عنه تعالى لا يحتاج إلى تأويل بأن يحمل الكلام على الاستعارة أو المشاركة كما لا يحتاج إليه في قولهم: الله تعالى ليس بجوهر ولا عرض وفي قوله تعالى: لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة: 255] ولم يلد ولم يولد [الإخلاص: 3] ونحو ذلك فإن ذلك حاجة إلى جعل لا يستحي من قبيل الاستعارة أو المشاكلة. أجيب بأنه إذا نفيت أمثال ذلك على الإطلاق بمعنى أنها ليست من شأنه تعالى وأنه لا يتصف بها كما في الأمثلة المذكورة، لم يحتج إلى تأويل، وأما إذا نفيت على التقييد فحينئذ رجع النفي إلى التقييد وأفاد ثبوت أصب الفعل أو إمكانه لا أقل فيحتاج نفيه على التقييد إلى التأويل، كما إذا قيل: لم يلد ذكرا أو لم يأخذه نوم في هذه الليلة أو ليس بعرض للذات ونحو ذلك. والاستحياء في هذه الآية الكريمة لم ينف عنه تعالى على الإطلاق بل نفي مقيدا بتعلقه بالمفعول الذي هو ضرب مثل ما فرجع النفي إلى القيد الذي هو قوله: «أن يضرب مثلا ما» وأفاد ثبوت أصل الفعل وهو الاستحياء فلذلك يحتاج إلى التأويل بأحد الوجهين. وفي قوله: «أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يمثل بها لحقارتها» إشارة إلى أن الاستعارة التي في قوله تعالى: لا يستحيي

Page 442