Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
الميل إلى الحس وحب المحاكاة ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الآلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء، فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم، وإن كان الممثل أعظم من كل عظيم كما مثل في الإنجيل غل الصدر بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير. وجاء في كلام العرب: اسمع من قراد وأطيش من فراشة وأعز من مخ البعوض، لا ما قالت الجهلة من الكفار لما مثل الله حال الممثل له. قوله: (الميل إلى الحس) أي إن الوهم يميل إلى الصور المحسوسات والمحاكاة والمشابهة والمقايسة. قوله: (ولذلك) أي ولكون التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له. وقوله: «وإن كان الممثل» هو على صيغة اسم الفاعل «والنخالة» ما يبقى في المنخل بعد ما يخرج منه الدقيق الخالص. شبه في الإنجيل صدر من يقول بالبر ولا يعمل به بالمنخل، وشبه غل الصدر بالنخالة. روي أن الله تعالى قال في الإنجيل: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم. وشبه أيضا فيه القلوب القاسية بالحصاة حيث قيل فيه: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا ينسفها الريح. ومثل مخاطبة السفهاء فيه أيضا بإثارة الزنابير حيث قال فيه: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم. قوله: (وجاء في كلام العرب) يعني أن التمثيل بالمحقرات كما جاء في الإنجيل جاء في كلام العرب أيضا حيث قالوا في التمثيل بالقراد: أسمع من قراد وأصغر من قراد وأعلق من قراد، وفي التمثيل بالفراشة: أضعف من فراشة وأجهل من فراشة وأطيش من فراشة أي أخف، وفي التمثيل بالبعوضة ومخها كقولهم: أعز من مخ البعوض أي لا يوجد أحد كاملا كما لا يوجد مخ البعوض وقولهم: كلفني مخ البعوض مثل في تكليف ما لا يطاق، وفي التمثيل بالذرة وهي أصغر النمل: أجمع من الذرة وأخفى من الذرة قيل: إن الذرة تجمع قوت سبع سنين، وفي التمثيل بالذباب: الخ من الذباب وأجرأ من الذباب وجراءته أنه يقع على أنف الأمير وجفن الأسد ولحاحه أنه كلما دفع وطرد وذب آب ولما كان بحيث كلما ذب آب سمى ذبابا. وزعمت العرب أن القراد يسمع الهمس الخفي من وقع أخفاف الإبل على مسيرة سبع ليال فيتحرك في العطن ويقصد الطريق فإذا رأته اللصوص يتيقنون أن القافلة أقبلت، والعطن مبرك الإبل عند الماء لتشرب الماء، والفراشة التي تطير وتتهافت السراج. قوله: (لا ما قالت الجهلة من الكفار) الظاهر أنه معطوف على قوله: «وهو أن يكون على وفق الممثل له دون الممثل» كأنه قيل: إن حسن التمثيل وحقه وشرطه أن يكون على وفق الممثل له دون الممثل لا ما قالت الجهلة: من أن حقه وحسنه أن يكون على وفق الممثل ولا يليق بعظمة الله تعالى شأنه وجلت كبرياؤه أن يمثل بنحو
Page 440