La nostalgie des patries
الحنين الى الأوطان
Enquêteur
عبد السلام محمد هارون
Maison d'édition
مكتبة الخانجي، القاهرة
Année de publication
1384 ه - 1964 م
الرسالة السابعة عشرة رسالة الحنين إلى الأوطان
Page 379
بسم الله الرحمن الرحيم
إن لكل شيء من العلم، ونوع من الحكمة، وصنف من الأدب، سببا يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتتا، ومعنى يحدو على جمع ما كان منه متفرقا. ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضم كل جوهر نفيس إلى شكله، وتأليف كل نادر من الحكمة إلى مثله بطلت الحكمة وضاع العلم، وأميت الأدب، ودرس مستور كل نادر.
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل: " لا يزال الناس بخير ما بقي الأول يتعلم منه الأخير ".
Page 383
وإن السبب الذي بعث على جمع نتف من أخبار العرب في حنينها إلى أوطانها، وشوقها إلى تربها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقد النار في أكبادها، أني فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع إلى الأوطان، فسمعته يذكر أنه اغترب من بلده إلى آخر أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من جنابه. ولم يزل عظيم الشأن جليل السلطان، تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانها، ومن شعوب العجم أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحروب، وليس ببابه إلا راغب إليه، أو راهب منه؛ فكان إذا ذكر التربة والوطن حن إليه حنين الإبل إلى أعطانها، وكان كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي
وأضحى فؤادي نهبة للهماهم
حنينا إلى أرض بها اخضر شاربي
وحلت بها عني عقود التمائم
وألطف قوم بالفتى أهل أرضه
وأرعاهم للمرء حق التقادم
وكما قال الآخر:
يقر بعيني أن أرى من مكانه
ذرى عقدات الأبرق المتقاود
وأن أرد الماء الذي شربت به
سليمى وقد مل السرى كل واخد
وألصق أحشائي بيرد ترابها
وإن كان مخلوطا بسم الأساود
Page 384
فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تواقة.
وقالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك؛ لأن غذاءك منهما، وغذاءهما منه.
وقال آخر: احفظ بلدا رشحك غذاؤه، وارع حمى أكنك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك إليه بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاءه.
Page 385
وكان يقال: أرض الرجل ظئره، وداره مهده. والغريب النائي عن بلده، المتنحي عن أهله، كالثور الناد عن وطنه، الذي هو لكل رام قنيصة. وقال آخر: الكريم يحن إلى جنابه، كما يحن الأسد إلى غابه.
وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحل رضاعه، كالعير الناشط عن بلده، الذي هو لكل سبع قنيصة، ولكل رام دريئة.
وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في القلب رقة وحفاوة.
وقال آخر: أحق البلدان بنزاعك إليه بلد أمصك حلب رضاعه.
وقال آخر: إذا كان الطائر يحن إلى أوكاره، فالإنسان أحق بالحنين إلى أوطانه.
وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرشدة، وطهارة الرشدة من كرم المحتد.
وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.
وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يسرك في غربتك.
Page 386
وأنشد:
لقرب الدار في الإقتار خير
من العيش الموسع في اغتراب
وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه، فقد شربه، فهو ذاو لا يثمر، وذابل لا ينضر.
وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونة بحب الوطن.
ولذلك قال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه؛ فإن الطبيعة تتطلع لهوائها، وتنزع إلى غذائها.
وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها.
وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببل القطر.
والقول في حب الناس الوطن وافتخارهم بالمحال قد سبق، فوجدنا الناس بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم.
Page 387
ولذلك قال ابن الزبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبد الرزق ".
وترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب، والمحل القفر، والحجر الصلد، وتستوخم الريف، حتى قال بعضهم:
أتجلين في الجالين أم تتصبري
على ضيق عيش والكريم صبور
فبالمصر برغوث وحمى وحصبة
وموم وطاعون وكل شرور
وبالبيد جوع لا يزال كأنه
ركام بأطراف الإكام يمور
وترى الخضري يولد بأرض وبقاء وموتان وقلة خصب، فإذا وقع ببلاد أريف من بلاده، وجناب أخصب من جنابه، واستفاد غنى، حن إلى وطنه ومستقره.
ولو جمعنا أخبار العرب وأشعارها في هذا المعنى لطال اقتصاصه، ولكن توخينا تدوين أحسن ما سنح من أخبارهم وأشعاهم، وبالله التوفيق.
Page 388
ومما يؤكد ما قلنا في حب الأوطان قول الله عز وجل حين ذكر الديار يخبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: " لو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، فسوى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال تعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ".
وقال عمر رضي الله عنه: " عمر الله البلدان بحب الأوطان ".
وكان يقال: لولا حب الناس الأوطان لخسرت البلدان.
وقال عبد الحميد الكاتب، وذكر الدنيا: " نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان ".
وقالت الحكماء: أكرم الخيل أجزعها من السوط، وأكيس الصبيان أبغضهم للكتاب، وأكرم الصفايا أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدها حنينا إلى أوطانها، وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمها، وخير الناس آلفهم للناس.
وقال آخر: من إمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه.
Page 389
واعتل أعرابي في أرض غربة، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: حسل فلاة، وحسو قلات.
وسئل آخر فقال: محضا رويا، وضبا مشويا.
وسئل آخر فقال: ضبا عنينا أعور.
وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.
وقيل: الغربة كربة، والقلة ذلة. وقال:
لا ترغبوا اخوتي في غربة أبدا
إن الغريب ذليل حيثما كانا
وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقصك الغربة، وتضيمك الوحدة.
وقال آخر: لا تجف أرضا بها قوا بلك، ولا تشك بلدا فيه قبائلك.
Page 390
وقال أصحاب القيافة في الاسترواح: إذا أحست النفس بمولدها تفتحت مسامها فعرفت النسيم.
وقال آخر: يحن اللبيب إلى وطنه، كما يحن النجيب إلى عطنه.
وقال: كما أن لحاضنتك حق لبنها، كذلك لأرضك حرمة وطنها.
وذكر أعرابي بلدة فقال: رملة كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها، فحضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها.
وشبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه، فلا أم ترأمه، ولا أب يحدب عليه.
وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنس نصيبك من الذل.
وقال الشاعر:
لعمري لرهط المرء خير بقية
عليه وإن عالوا به كل مركب
Page 391