Guarding Virtue

حراسة الفضيلة

Maison d'édition

دار العاصمة للنشر والتوزيع

Édition

الحادية عشر

Année de publication

١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م

Lieu d'édition

الرياض

حِرَاسَةُ الْفَضِيلَةِ
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾
تأليف
بكر بن عبد الله أبو زيد

Page inconnue

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فهذه رسالة نُخرجها للناس لِتَثْبيتِ نساء المؤمنين على الفضيلة، وكشف دعاوى المستغربين إلى الرذيلة، إذ حياة المسلمين المتمسكين بدينهم اليوم، المبنية على إقامة العبودية لله
تعالى، وعلى الطهر والعفاف، والحياء، والغيرة حياة محفوفة بالأخطار من كل جانب، بجلب أمراض الشبهات في الاعتقادات والعبادات، وأمراض الشهوات في السلوك والاجتماعيات، وتعميقها في حياة المسلمين في أسوأ مخطط مسخر لحرب الإسلام، وأسوأ مؤامرة على الأمة الإسلامية، تبناها: «النظام العالمي الجديد» في إطار نظرية الخلط - وهي المسماة في عصرنا: العولمة، أو الشوملة، أو الكوكبة - بين الحق والباطل، والمعروف والمنكر، والصالح والطالح، والسنة والبدعة، والسني والبدعي، والقرآن والكتب المنسوخة المحرفة كالتوراة
والإنجيل، والمسجد والكنيسة، والمسلم والكافر، ووحدة الأديان، ونظرية الخلط هذه أنكى مكيدة، لتذويب الدِّين في نفوس المؤمنين، وتحويل جماعة المسلمين إلى سائمة تُسَام، وقطيع مهزوز اعتقادُه، غارق في شهواته، مستغرق في ملذّاته، متبلد في إحساسه، لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا، حتى ينقلب منهم من غلبت عليه الشقاوة على عقبيه خاسرًا، ويرتد منهم من يرتد عن دينه بالتدريج.
كل هذا يجري باقتحام الولاء والبراء، وتَسريب الحب والبغض في الله، وإلجام الأقلام، وكفّ الألسنة عن قول كلمة الحق، وصناعة الاتهامات لمن بقيت
عنده بقية من خير، ورميه بلباس: الإرهاب والتطرف والغلو

1 / 10

والرجعية، إلى آخر ألقاب الذي كفروا للذين أسلموا، والذين استغربوا للذين آمنوا وثبتوا، والذين غلبوا على أمرهم للذين استُضعفوا.
ومِن أشأم هذه المخاطر، وأشدّها نفوذًا في تمييع الأمة، وإغراقها في شهواتها، وانحلال أخلاقها، سعى دعاة الفتنة الذين تولوا عن حماية الفضائل الإسلامية في نسائهم ونساء المؤمنين، إلى مدارج الفتنة، وإشاعة الفاحشة ونشرها، وعدلوا عن حفظ نقاء الأعراض وحراستها إلى زلزلتها عن مكانتها، وفتح أبواب الأطماع في اقتحامها، كل هذا من
خلال الدعوات الآثمة، والشعارات المضللة باسم حقوق المرأة، وحريتها، ومساواتها بالرجل.. وهكذا، من دعوات في قوائم يطول شرحها، تناولوها بعقول صغيرة، وأفكار مريضة، يترجلون بالمناداة إليها في بلاد الإسلام، وفي المجتمعات المستقيمة لإسقاط الحجاب وخلعه، ونشر التبرج والسفور والعري والخلاعة والاختلاط، حتى يقول لسان حال المرأة المتبرجة: (هَيْتَ لكم أيها الإباحيون) .
وقد تلطفوا في المكيدة، فبدؤوا بوضع لبنة الاختلاط بين الجنسين في رياض الأطفال، وبرامج الأطفال في وسائل الإعلام، وركن التعارف بين الأطفال،
وتقديم طاقات - وليس باقات - الزهور من الجنسين في الاحتفالات، وهكذا يُخترق الحجاب، ويُؤسَّس الاختلاط، بمثل هذه البدايات التي يستسهلها كثير من الناس!!
وكثير من الناس تغيب عنهم مقاصد البدايات، كما تغيب عنهم معرفة مصادرها، كما في تجدد الأزياء - الموضة - الفاضحة الهابطة، فإنها من لدن البغايا اللائي خسرن أغراضهن، فأخذن بعرض أنفسهن بأزياء متجددة، هي غاية في العري والسفالة، وقد شُحنت بها الأسواق، وتبارى النساء في السبق إلى شرائها، ولو علموا مصدرها المتعفن، لتباعد عنها الذين فيهم بقية من حياء.
ومن البدايات المحرمة: إلباس الأطفال الملابس العارية، لما فيها من إيلاف الأطفال على هذه الملابس والزينة، بما فيها من تشبه وعُريّ وتهتك.
وهكذا سلكوا شتى السبل، وصاحوا بسفور المرأة وتبرجها من كل

1 / 11

جانب، بالدعوة تارة، وبالتنفيذ تارة، وبنشر أسباب الفساد تارة، حتى صار الناس في أمر مريج، وتَزلْزَل الإيمان في نفوس كثيرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
إذًا!! لا بد من كلمة حق ترفع الضَّيم عن نساء المؤمنين، وتدفع شر المستغربين المعتدين على الدين والأمة، وتُعْلِن التذكير بما تعبّد الله به نساء
المؤمنين من فرض الحجاب، وحفظ الحياء والعفة والاحتشام، والغيرة على المحارم، والتحذير مما حرّمه الله ورسوله من حرب الفضيلة بالتبرج والسفور والاختلاط، وتفقأ الحصرم في وجوه خونة الفضيلة، ودعاة الرذيلة، ليقول لسان حال العفيفة:
إليكَ عني! إليكَ عني ... ... فَلَسْتُ منك ولستَ مني
ولِيُثَبِّت الله بها من شاء من عباده على صيانة محارمهم وصون نسائهم من هذه الدعوات، وأنه لا مجال لحمل شيء منها محمل إحسان، لما يشاهده المسلمون من تيار الخلاعة والمجون والسفور، وشيوع الفاحشة في عامة المجتمعات الإسلامية التي
سرت فيها هذه الدعايات المضللة.
بل إن الصحافة تسفّلت في النقيصة، فنشرت كلمات بعض المقبوحين بإعلان هواية مقدمات البغاء، مثل: المعاكسة، وقول بعض الوضعيين: إنه يهوى معاكسة بنات ذوي النسب، وهكذا من صيحات التشرد النفسي، والانفلات الأخلاقي.
وليتق الله امرؤ من أب أو ابن أو أخ أو زوج ونحوهم، ولاّه الله أمر امرأة أن يتركها تنحرف عن الحجاب إلى السفور، ومن الاحتشام إلى الاختلاط، والحذر من تقديم أطماع الدنيا وملاذّ النفوس على ما هو خير وأبقى من حفظ العِرض، والأجر العريض في الآخرة.
وعلى نساء المسلمين أن يتقين الله، وأن يسلمن الوجه لله، والقيادة لمحمد بن عبد الله ﷺ، ولا يلتفتن إلى الهمل دعاة الفواحش والأفن.

1 / 12

ومن كان صادق الإيمان قوي اليقين تحصن بالله، واستقام على شرعه.
والآن هذه رسالة تنير السبيل في:
أصول في الفضيلة وحراستها وحث المؤمنات على التزامها.
وفي كشف دعاة المرأة إلى الرذيلة وتحذير المؤمنات من الوقوع فيها.
وبالفصل الأول يعلم قطعًا الرد على الثاني.
وفيما ذُكر - إن شاء الله - مقنع وهداية، وعظة وكفاية، لمن نوَّر الله بصيرته، وأراد هدايته وتثبيته، وكل امرئٍ حسيب نفسه، فلينظر موضع صَدَره وورده، وقد أبلغت وحسبي الله ونعم الوكيل.
هذا وإن هذه الرسالة خلاصة انتَخَلْتها واستخلصتها من نحو مئتي كتاب ورسالة ومقالة عن المرأة، عدا كتب التفسير والحديث والفقه ونحوها، ولم أرد إثقال هذه الرسالة بعزو بعض العبارات والجمل إلى مواضعها، اكتفاءً بهذه الإشارة، وإن مما يثبِّت الله به قلوب المؤمنين والمؤمنات، إظهار جملة من اللفتات لأسرار التنزيل في عدد من
الآيات، وفي هذه الرسالة طائفة مباركة منها، كما ستراه في مثاني الصفحات.
وأسأل الله سبحانه أن يُلْبِسَها حُلَل القبول، والحمد لله رب العالمين.
... ... ... ... ... ... ... ... المؤلف
... ... ... ... ... ... بكر بن عبد الله أبو زيد
... ... ... ... ... ... ... ١/ ٤/ ١٤٢٠هـ

1 / 13

الفصل الأول
في ذكر عشرة أصول للفضيلة

1 / 15

الأصل الأول
وجوب الإيمان بالفوارق بين الرجل والمرأة
الفوارق بين الرجل والمرأة، الجسدية والمعنوية والشرعية، ثابتة قدرًا وشرعًا، وحسًا وعقلًا.
بيان ذلك: أن الله ﷾ خلق الرجل والمرأة شطرين للنوع الإنساني: ذكرًا وأنثى ﴿وأنّه خلَق الزوجين الذكر والأنثى﴾ [النجم: ٤٥]، يشتركان في عِمارة الكون كلٌّ فيما يخصه، ويشتركان في عمارته بالعبودية لله تعالى، بلا فرق بين الرجال والنساء في عموم الدين: في التوحيد، والاعتقاد، وحقائق الإيمان، وإسلام الوجه لله تعالى، وفي الثواب والعقاب، وفي عموم الترغيب والترهيب، والفضائل. وبلا فرق أيضًا في عموم التشريع في الحقوق والواجبات كافة: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]،
وقال سبحانه: ﴿مَن عَمِلَ صالحًا مِن ذكرٍ أَو أُنثى وَهُو مؤمن فلنحْيِيَنَّه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧] . وقال عز شأنه: ﴿ومن يعمل من الصالِحَاتِ من ذكرٍ أو أنثَى وَهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظْلمون نقيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] .
لكن لما قَدَّر الله وقضى أن الذكر ليس كالأنثى في صِفة الخلقة والهيئة والتكوين، ففي الذكورة كمال خَلقي، وقوة طبيعية، والأنثى أنقص منه خلقة وجِبِلَّة وطبيعةً، لما يعتريها من الحيض والحمل والمخاض والإرضاع وشؤون الرضيع، وتربية جيل الأمة المقبل، ولهذا خلقت الأنثى من
ضِلع آدم ﵇، فهي جزء منه، تابع له، ومتاع له، والرجل مؤتمن على القيام بشؤونها وحفظها والإنفاق عليها، وعلى نتاجهما من الذرية.
كان من آثار

1 / 17

هذا الاختلاف في الخلقة: الاختلاف بينهما في القوى، والقُدرات الجسدية، والعقلية، والفكرية، والعاطفية، والإرادية، وفي العمل والأداء، والكفاية في ذلك، إضافة إلى ما توصل إليه علماء الطب الحديث من عجائب الآثار من تفاوت الخلق بين الجنسين.
وهذان النوعان من الاختلاف أنيطت بهما جملة كبيرة من أحكام التشريع، فقد أوجبا - ببالغ حكمة الله العليم الخبير - الاختلاف
والتفاوت والتفاضل بين الرجل والمرأة في بعض أحكام التشريع، في المهمات والوظائف التي تُلائم كلَّ واحد منهما في خِلقته وتكوينه، وفي قدراته وأدائه، واختصاص كل منهما في مجاله من الحياة الإنسانية، لتتكامل الحياة، وليقوم كل منهما بمهمته فيها.
فخصَّ سبحانه الرجال ببعض الأحكام، التي تلائم خلقتهم وتكوينهم، وتركيب بنيتهم، وخصائص تركيبها، وأهليتهم، وكفايتهم في الأداء، وصبرهم وَجَلدهم ورزانتهم، وجملة وظيفتهم خارج البيت، والسعي والإنفاق على من في البيت.
وخص سبحانه النساء ببعض الأحكام التي تلائم خلقتهن وتكوينهن، وتركيب بنيتهن، وخصائصهن، وأهليتهن، وأداءهن، وضعف تحملهن، وجملة وظيفتهن ومهمتهن في البيت، والقيام بشؤون البيت، وتربية من فيه من جيل الأمة المقبل.
وذكر الله عن امرأة قولها: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وسبحانه من له الخلق والأمر والحكم والتشريع: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف: ٥٤] .
فتلك إرادة الله الكونية القدرية في الخلق والتكوين والمواهب، وهذه إرادة الله الدينية الشرعية في الأمر والحكم
والتشريع، فالتقت الإرادتان على مصالح العباد وعمارة الكون، وانتظام حياة الفرد والبيت والجماعة والمجتمع الإنساني.

1 / 18

وهذا طرف مما اختص به كل واحد منهما
فمن الأحكام التي اختص بها الرجال:
الله أنهم قوامون على البيوت بالحفظ والرعاية وحراسة الفضيلة، وكف الرذائل، والذود عن الحمى من الغوائل، وقَوّامون على البيوت بمن فيها بالكسب والإنفاق عليهم.
قال الله تعالى: ﴿الرجال قَوَّامونَ على النسَاء بِما فضَّل اللهُ بعضهمْ على بعضٍ وبِما أنفقوا مِن أمْوالهم فالصَّالحِات قانتاتٌ حافظاتٌ للغيبِ بما حفظ
الله﴾ [النساء: ٣٤] .
وانظر إلى أثر هذا القيام في لفظ القرآن العظيم: ﴿تَحْتَ﴾ في قول الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين﴾ [التحريم: ١٠] .
فقوله سبحانه: ﴿تحت﴾ إعلام بأنه لا سلطان لهما على زوجيهما، وإنما السلطان للزوجين عليهما، فالمرأة لا تُسَاوَى بالرجل ولا تعلو فوقه أبدًا.
الله ومنها: أن النبوة والرسالة لا تكون إلا في الرجال دون النساء، قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي
إليهم﴾ [يوسف: ١٠٩] .
قال المفسرون: ما بعث الله نبيًا: امرأة، ولا ملكًا، ولا جنيًا، ولا بدويًا.
الله وأن الولاية العامة، والنيابة عنها، كالقضاء والإدارة وغيرهما، وسائر الولايات كالولاية في النكاح، لا تكون إلا للرجال دون النساء.
الله وأن الرجال اختصوا بكثير من العبادات دون النساء، مثل: فرض الجهاد، والجُمع، والجماعات، والأذان والإقامة وغيرها، وجُعل الطلاق بيد الرجل لا بيدها، والأولاد ينسبون إليه لا إليها.

1 / 19

وأن للرجل ضعف ما للأنثى في الميراث، والدية، والشهادة وغيرها.
وهذه وغيرها من الأحكام التي اختص بها الرجال هو معنى ما ذكره الله سبحانه في آخر آية الطلاق [٢٢٨ من سورة البقرة] في قوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم﴾ .
وأما الأحكام التي اختص الله بها النساء فكثيرة تنتظم أبواب: العبادات، والمعاملات، والأنكحة وما يتبعها، والقضاء وغيرها، وهي معلومة في القرآن والسنة والمدونات الفقهية، بل أفردت بالتأليف قديمًا وحديثًا.
ومنها ما يتعلق بحجابها وحراسة فضيلتها.
وهذه الأحكام التي اختص الله سبحانه بها كل واحد من الرجال والنساء تفيد أمورًا، منها الثلاثة الآتية:
الأمر الأول: الإيمان والتسليم بالفوارق بين الرجال والنساء؛ الحسية والمعنوية والشرعية، وليرذ كل بما كتب الله له قدرًا وشرعًا، وأن هذه الفوارق هي عين العدل، وفيها انتظام حياة المجتمع الإنساني.
الأمر الثاني: لا يجوز لمسلم ولا مسلمة أن يتمنى ما خص الله به الآخر من الفوارق المذكورة، لما في ذلك من السخط على قدر الله، وعدم الرضا بحكمه وشرعه، وليسأل العبد ربَّه من فضله، وهذا أدب شرعي يزيل الحسد، ويهذب
النفس المؤمنة، ويروضها على الرضا بما قدَّر الله وقضى.
ولهذا قال الله تعالى ناهيًا عن ذلك: ﴿ولا تتمنوا مَا فضَّل الله به بعضكم على بعض للرجالِ نصيبٌ مِمَّا اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إنَّ اللهَ كانَ بكلِّ شيءٍ عليمًا﴾ [النساء: ٣٢] .
وسبب نزولها ما رواه مجاهد قال: قالت أم سلمة: أيْ رسول الله! أيغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث؟ فنزلت: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله..﴾ رواه الطبري، والإمام أحمد، والحاكم وغيرهم.

1 / 20