491

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

Maison d'édition

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٢٧ - ١٤٣٥ هـ

الوجه الثاني: ساق الحافظ حديث حذيفة وعلي ﵄؛ لأن فيهما تقييدين للحديث السابق.
أما القيد الأول فقوله: (إذا لم نجد الماء)، وهذا القيد دل عليه كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا بإجماع المسلمين، وكذا المرض.
والقيد الثاني قوله: «وجعلت تربتها» و«جعل التراب لي طهورًا»، وهذا تقييد لقوله في حديث جابر المتقدم: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فإن (أل) في الأرض لاستغراق أفراد الجنس - كما تقدم - فيشمل جميع أفراد الأرض، كالرمل والتراب والحجارة، وهنا قيَّده بالتراب، والتراب: ما كان له غبار.
وهذا القيد يَستدل به من يقول: إنه لا بد في التيمم من التراب الذي له غبار يعلق باليد منه شيء، ويكون هذا مخصصًا للعموم السابق في حديث جابر ﵁؛ لأنه خَصّصَ الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، ويكون الصعيد في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ المراد به: التراب، وقد ورد عن ابن عباس أنه قال: (أطيب الصعيد تراب الحرث) (^١)، وهذا قول الإمام الشافعي وأحمد وأصحابهما (^٢)، ودليلهم على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، و(من) تبعيضية، ولا يمكن أخذ البعض من الصعيد إلا إذا كان ترابًا له غبار.
والقول الثاني: أنه لا يشترط التراب، بل يجوز التيمم على كل ما تصاعد على وجه الأرض، من تراب أو رمل أو حجارة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: وجهًا من الأرض طهورًا، قال الزجاج: (لا أعلم بين أهل اللغة اختلافًا في أن الصعيد وجه الأرض) (^٣)،

(^١) "تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٨٠)، "تفسير ابن عباس" (١/ ٢٤١)، وإسناده ضعيف.
(^٢) "المجموع" (٢/ ٢١٢)، "الإنصاف" (١/ ٢٨٤).
(^٣) "معاني القرآن" (٢/ ٥٦).

2 / 79