Ghunyat Nuzuc
غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع
غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع
تأليف
حمزة بن على الحسينى الحلبى
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
[](http://www.masaha.org)
<http://www.masaha.org>
التشيع في حلب عبر القرون وترجمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
انتشر الإسلام في عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في الجزيرة العربية، كما انتشر بعد رحيله في شتى الأقطار وما ذلك إلا لأنه دين الفطرة، يدعو إلى عبادة رب واحد، لا شريك له، ونبذ عبادة الأصنام، والحجر والبشر، وإلى العدل والمساواة، وكل عمل وخلق حسن، وينهى عن كل خلق وعمل قبيح، إلى غير ذلك مما يرفع الإنسان عن حضيض الحيوانية إلى ذروة الكمال.
ووالاه التشيع في الانتشار بسرعة في الأقطار الإسلامية، وما ذلك إلا لأن أكثر المهاجرين والأنصار كانوا يشايعون عليا (عليه السلام) ويحاربون معه، ويقفون معه في صف واحد خصوصا في الحروب التي وقعت في أيام خلافته. فبعد ما نزل الإمام بالكوفة، انتشر التشيع في العراق.
ولما غادر الإمام الصادق (عليه السلام) المدينة المنورة ونزل بالكوفة أيام أبي العباس السفاح حيث بقي فيها مدة سنتين، فعمد الإمام إلى نشر علومه، وتخرج على يديه الكثير من العلماء. فقويت شوكة التشيع وهذا الحسن الوشاء يحكي لنا ازدهار مدرسة الإمام في العراق في تلك الظروف ويقول: أدركت في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة
Page 3
تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد (1).
وقد كان لهذه المدرسة العظيمة للإمام أكبر تأثير في انتشار التشيع في أقطار العالم وإن كانت جذوره موجودة قبل الإمام الصادق (عليه السلام) في الشام ومصر وغيرهما وقد بلغ من انتشار التشيع بواسطة مدرسة الإمام انه أصبح قسم من البلدان الإسلامية، شيعية أو يوجد فيها التشيع خصوصا في ثالث القرون وما بعده.
ومع ان الشام كانت معقل الأمويين ودار خلافتهم نرى ان التشيع قد دب فيها دبيب الماء في الورد، فما من بلدة أو قرية إلا وفيها نجم لامع من علماء الشيعة يقتضي أثر أهل البيت وينادي بموالاتهم التي نص القرآن الكريم عليها وقد كان لسماع كلمة أهل البيت جاذبية خاصة في قلوب المسلمين حيث يحنون إليهم حنان العاشق للمعشوق، خصوصا إنهم كانوا يصلون على أهل بيت محمد وآله وعترته في كل يوم وليلة تسع مرات. وهذا يدل على احتلال أهل البيت مقاما كبيرا فلو كانوا أناسا عاديين لما أمر المسلمون قاطبة بالصلاة عليه وهذا الأمر يدفعهم إلى التعرف عليهم والاعتناء بشأنهم.
ولهذا وذاك، قوي انتشار التشيع والموالاة لأئمة أهل البيت في أكثر الأقطار الإسلامية حتى في معاقل الأعداء ودار خلافتهم.
حلب الشهباء وجمالها الطبيعي
من المناطق التي اعتنقت التشيع من عصور قديمة هي سواحل سوريا وأخص منها بالذكر حلب الشهباء التي نبغ فيها كثير من بيوتات الشيعة، وتربى في أحضانها جيل كبير من المحدثين والفقهاء والمتكلمين والأدباء من الشيعة التي ستمر عليك أسماء بعضهم. وقبل التعرف عليهم، نذكر شيئا من هذه المدينة الزاهرة.
يقول ياقوت الحموي: «حلب» بالتحريك مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات
Page 4
طيبة الهواء صحيحة الأديم والماء. (1).
وقد وصف الشعراء والأدباء أزهارها وأثمارها، وأشاروا إلى ضواحيها ونواحيها وما فيها من جمال الطبيعة وكمال الصنع، وكأنك ترى ماءها الفضي يجري على تراب كالذهب. وترى فيها أنواعا من الأزهار والفواكه كلها تسقى بماء واحد وكأن الشاعر بشعره يقصد تلك البلدة إذ يقول:
صبغت بلون ثمارها أوراقها
فتكاد تحسب أنهن ثمار
وللشاعر أبي بكر الصنوبري قصيدة تبلغ مائة وأربعة أبيات يصف فيها منتزهات حلب وقرأها مستهلها:
احبسا العيس احبساها
وسلا الدار سلاها
ومن جملتها:
أنا أحمى حلبا
دارا وأحمى من حماها
أي حسن ما حوته
حلب أو ما حواها
إلى أن يقول:
حلب أكرم مأوى
وكريم من أواها
بسط الغيث عليها
بسط نور، ما طواها
وكساها حللا، أب
دع فيها إذ كساها
حللا لحمتها السو
سن والورد سداها (2)
قال السيد الخوانساري نقلا عن كتاب تلخيص الآثار:
ان حلب مدينة عظيمة بأرض الشام كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة التربة، لها سور حصين، وكان الخليل (عليه السلام) يحلب غنمه، ويتصدق بلبنها يوم الجمعة،
Page 5
ولقد خص الله هذه المدينة ببركة عظيمة من حيث يزرع بأرضها القطن، والسمسم، والدخن، والكرم، والمشمش، والتين، يسقى بماء المطر، وهي مسورة بحجر أسود، والقلعة بجانب السور لأن المدينة في وطأ من الأرض، والقلعة على جبل مدور، لها خندق عظيم، وصل حفره إلى الماء، وفيها مقامان للخليل (عليه السلام) يزاران إلى الآن، وفي بعض ضياعها بئر إذا شرب منها من عضه الكلب الكليب برأ.
ومن عجائبها سوق الزجاج لكثرة ما فيها من الظرائف اللطيفة، والآلات العجيبة. (1)
التشيع في حلب عبر القرون
دخل التشيع في حلب قبل عهد الحمدانين (293- 392) ولكنه انتشر وقوى فيها على عهدهم وذلك لان الدولة الحمدانية كانت من الدول الشيعية، يجاهرون بالتشيع وينصرونه وكانوا يكرمون الأدباء والشعراء والعلماء والمحدثين، وخصوصا الذين يجاهرون منهم بالتشيع وولاء أهل البيت. ومن أبرز شعراء الحمدانين أبو فراس الحمداني (320- 357) وله القصيدة الميمية الطائرة الصيت التي مستهلها:
الحق مهتضم والدين مخترم
وفيء آل رسول الله مقتسم
إلى أن قال:
قام النبي بها يوم الغدير لهم
والله يشهد والأملاك والأمم
حتى إذا أصبحت في غير صاحبها
باتت تنازعها الذؤبان والرخم
وصيروا أمرهم شورى كأنهم
لا يعلمون ولاة الحق أيهم
تالله ما جهل الأقوام موضعها
لكنهم ستروا وجه الذي علموا
ثم ادعاها بنو العباس ملكهم
ولا لهم قدم فيها ولا قدم
Page 6
ولأجل تلك المناصرة، ووجود المناخ المساعد، أصبح التشيع مذهبا بارزا في تلك البلدة الخصبة ممتدا إلى ضواحيها كالموصل وتشهد بذلك نصوص كثير من المؤرخين.
يقول ياقوت الحموي وهو يذكر حلب: والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية. (1)
2- وقال ابن كثير الشامي في تاريخه: كان مذهب الرفض فيها في أيام سلطنة الأمير سيف الدولة بن حمدان رائجا رواجا تاما.
3- وقال مؤلف نهر الذهب: لم يزل الشيعة بعد عهد سيف الدولة في تصلبهم حتى حل عصبتهم وأبطل أعمالهم نور الدين الشهيد (543) ومن ذلك الوقت ضعف أمرهم غير أنهم ما برحوا يجاهرون بمعتقداتهم إلى حدود (600) فأخفوها.
ثم ذكر أن مصطفى بن يحيى بن حاتم الحلبي الشهير ب«طه زاده» فتك بهم في حدود الألف فاخفوا أمرهم، وذكر بعض ما يفعله الحلبيون مع الشيعة من الأعمال الوحشية والمخازي والقبائح التي سودت وجه الإنسانية ويخجل القلم من نقلها.
وقال القاضي المرعشي: «أهل حلب كانوا في الأصل شيعة وإلى أواخر زمان الخلفاء العباسية كانوا على مذهب الإمامية، وقد أجبروا في زمان انتقال تلك الولاية إلى حكم السلاطين العثمانية على ترك مذهبهم» وما مر من فعل (طه زاده) يؤيد ذلك فإن استيلاء العثمانيين على حلب كان في أوائل المائة العاشرة.
وقال مؤلف نهر الذهب: انه لم يزل يوجد في حلب عدة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض والتشيع ويتهابون الزواج معهم مع ان ظاهرهم على كمال الاستقامة وموافقة أهل السنة. (2)
4- وقال ابن كثير:
لما سار صلاح الدين إلى حلب فنزل على جبل جوشن، نودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين فتودد
Page 7
إليهم وتباكى لديهم وحرضهم على قتال صلاح الدين وذلك عن إشارة الأمراء المقدمين فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي على خير العمل، وأن يذكر في الأسواق وأن يكون لهم في الجامع، الجانب الشرقي، وأن يذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز، وأن يكبروا على الجنازة خمسا، وأن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف أبي طاهر أبي المكارم حمزة بن زاهر (1) الحسيني فأجيبوا إلى ذلك كله، فأذن بالجامع وسائر البلد بحي على خير العمل. (2)
ونقل السيد الأمين عن أعلام النبلاء عن كتاب الروضتين، عن ابن أبي طي انه قال: فأذن المؤذنون في منارة الجامع وغيره بحي على خير العمل، وصلى أبي في الشرقي مسبلا وصلى وجوه الحلبيين خلفه وذكروا في الأسواق وقدام الجنائز أسماء الأئمة وصلوا على الأموات خمس تكبيرات واذن للشريف- ابن زهرة- أن يكون عقود الحلبيين من الإمامية إليه وفعلوا جميع ما وقعت الأيمان عليه. (3)
5- قال ابن كثير:
ان بدر الدولة أبا الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب لما أراد بناء أول مدرسة للشافعية بحلب لم يمكنه الحلبيون، إذ كان الغالب عليهم التشيع.
ان ابتداء إمرة سليمان هذا في حلب نيابة عن عمه «ايلغاري» بن ارتق، كان سنة 515 هو انتهاؤها 517 وإن تلك المدرسة تسمى «الزجاجية» وانه كلما بنى فيها شيء نهارا خربة الحلبيون ليلا إلى أن أعياه ذلك، فاحضر الشريف زهرة بن علي بن إبراهيم الإسحاقي الحسيني والتمس منه أن يباشر بناءها فكف العامة عن هدم ما
Page 8
يبنى، فباشر الشريف البناء ملازما له حتى فرغ منها. (1)
وخرج من حلب عدة من علماء الشيعة وفقهائهم منهم الشيخ كردي بن عكبري بن كردي الفارسي الفقيه الثقة الصالح، كان يقول: بوجوب الاجتهاد عينا وعدم جواز التقليد قرأ على الشيخ الطوسي وبينهما مكاتبات وسؤالات وجوابات. (2)
ومنهم الفقيه المقدام أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي 374- 447 مؤلف الكافي، والتهذيب والمرشد وتقريب المعارف،- وقد طبع الأول والأخير- وغيرها.
وقد كانت الصلة بين شيعة حلب وشيعة الكوفة وثيقة جدا ولأجل ذلك نرى ان بعض البيوت العراقية ينتسب إلى حلب وما ذلك إلا لوجود الصلة التجارية أو العلمية بين البلدين فهذا هو عبيد الله بن علي بن أبي شعبة المعروف بالحلبي وما هو إلا أنه كان يتجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب فاشتهروا بالحلبيين. وعبيد الله هذا من فقهاء الشيعة في القرن الثاني وله كتاب يرويه أصحابنا عنه (3) ورواياته مبثوثة في المعاجم الحديثية.
هذا بعض ما كان للشيعة من الشأن في تلك التربة الزاهرة وأما مصيرهم في القرون فقد حدث عند المؤرخون وقد مر تصريح بعضهم بما جرى على شيعة آل البيت من المجاز فيها. ولنشر إلى النزر اليسير منها ونترك الكثير إلى مجال آخر.
ان تاريخ الشيعة تاريخ دموي حيث إنهم عاشوا بين الخوف والرجاء، وبين الحجر والمدر وقد تعامل معهم الأمويون والعباسيون بشكل يندي له جئن البشرية فلم يكن السبب للفتك بهم إلا عدم تحالفهم مع الظالمين ومع ذلك فبقاء الشيعة اليوم يعد من أكبر المعاجز ومن خوارق العادات إذ لم يشهد التاريخ أمة أصابتهم النوائب والمظالم والقتل الذريع مثل ما أصابت شيعة أهل البيت ومواليهم، ولو انك وقفت على
Page 9
ما في غضون التاريخ وأغواره لضقت ذرعا ولملئت مما جاء فيها رعبا.
6- قال كرد علي في خطط الشام:
كان أهل حلب سنة حنفية، حتى قدم الشريف أبو إبراهيم الممدوح- في عهد سيف الدولة- فصار فيها شيعة وشافعية، وأتى صلاح الدين، وخلفاؤه فيها على التشيع، كما أتى عليه في مصر، وكان المؤذن في جوامع حلب الشهباء يؤذن بحي على خير العمل، وحاول السلجوقيون مرات، القضاء على التشيع، فلم يوفقوا إلى ذلك، وكان حكم بني حمدان وهم شيعة، من جملة الأسباب الداعية إلى تأصل التشيع في الشمال، ولا يزال على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل «جوشن» بظاهر حلب ذكر الأئمة الاثني عشر، وقد خرب الآن. (1)
7- وقال ابن جبير: للشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة، وهم أكثر من السنيين بها، وقد عموا البلاد بمذاهبهم. (2)
دخل صلاح الدين الأيوبي إلى حلب عام 579 وحمل الناس على التسنن وعقيدة الأشعري ولا يقدم للخطابة ولا للتدريس إلا من كان مقلدا لأحد المذاهب الأربعة، ووضع السيف على الشيعة فقتلهم وأبادهم مثل عمله في مصر، إلى حد يقول الخفاجي في كتابه: «فقد غال الأيوبيون في القضاء على كل أثر للشيعة». (3)
وبما انه سبحانه شاء أن يبقى التشيع في حلب، نرى أن الدولة الأيوبية لم تتمكن من القضاء على التشيع فيها تماما بل بقي مع ما أصابه من الكوارث والمحن.
8- هذا هو ياقوت الحموي يكتب عن حلب عام 636 هأي بعد دخول الأيوبي لها بسبع وخمسين سنة ما لفظه: وعند باب الجنان مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رؤي فيه في النوم، وداخل باب العراق مسجد غوث، فيه حجر عليه
Page 10
كتابة زعموا انها خط علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفي غربي البلد في سفح جبل جوشن قبر المحسن بن الحسين يزعمون انه سقط لما جيء بالسبي من العراق ليحمل إلى دمشق، أو طفل كان معهم بحلب فدفن هنا لك، وبالقرب منه مشهد مليح العمارة تعصب الحلبيون، وبنوه أحكم بناء، وأنفقوا عليه أموالا، يزعمون أنهم رأوا عليا (عليه السلام) في المنام في ذلك المكان. (1)
هكذا استمر التشيع في حلب رفيع البناء، لم يقلعه تلك الهزات العنيفة، ولم تقوضه تلك العواصف الشديدة، إلى أن أفتى الشيخ نوح الحنفي (2) بكفر الشيعة واستباحة دمائهم وأموالهم، تابوا أو لم يتوبوا، فزحفوا على شيعة «حلب» وأبادوا منهم أربعين ألفا أو يزيدون، وانتهبت أموالهم، وأخرج الباقون منهم من ديارهم إلى «نبل» و«النغاولة» و«أم العمد» و«الدلبوز» و«الفوعة» وغيرها من القرى، واختبأ التشيع في أطراف حلب في هذه القرى والبلدان.
9- هاجم الأمير ملحم بن الأمير حيدر، بسبب هذه الفتوى جبل عامل عام 1048 فانتهك الحرمات واستباح المحرمات يوم وقعة قرية «أنصار» فلا تسئل عما أراق من دماء، واستلب من أموال، وانتهك من حريم، فقد قتل ألفا وخمس مائة، وأسر ألفا وأربع مائة، فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت.
فيا لله من هذه الجرأة الكبرى على النفوس والأعراض، ومن تلك الفتيا، التي غررت بأولئك على تلك الفظائع والجرائم. (3)
10- ولم يكن ذلك الفتك الذريع أول تصفية جسدية للشيعة، بل صبت عليهم قوارع في دار الخلافة، قبل قرنين بالوحشية التامة يندي لها جئن الإنسانية. فقد قتل السلطان سليم في الاناضول وحدها أربعين ألفا، وقيل سبعين لا لشيء إلا انهم شيعة، ومن جراء ذلك غادرت شيعة أهل البيت المراكز، نازلين الكهوف، والمناطق الجبلية،
Page 11
ولم تزل قسم من العلويين حاليا في تركيا يعيشون تلك المناطق. (1)
ما أقبحها من عصبية وما أقساها.
ترى أكان يسوغ في شريعة الإنصاف أن يسأم قوم يدينون بدين الحق، ويتبعون أوصياء النبي الشرعيين الذين أوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بموالاتهم ومحبتهم، ويمنعوا من أبسط حقوقهم الإنسانية وهي حرية الرأي والمعتقد، خاصة إذا كان ذلك المعتقد من النوع الذي يأخذ بصاحبه إلى الفضيلة والطهر، والإنسانية والكمال.
ترى أكان يسوغ أن تمنع جماعة يحترمون وصية النبي في ذريته وخلفائه الأبرار، من أداء شعائرهم النابعة من الكتاب والسنة إلا في غطاء التقية، وإذا كانت التقية أمرا قبيحا فعمل من حملهم عليها أقبح.
وهذا هو العالم الشاعر إبراهيم يحيى (2) يصف مظالم «جزار» وفظايعه على الشيعة في جبل عامل تلك المنطقة الخصبة بالعلم والفضل، وجمال الطبيعة وكانت ولم تزل دارا للشيعة منذ عصور، تلمع كشقيقتها «حلب» في خريطة الشامات وقد صور الشاعر ما جرى عليهم في قصيدته على وجه يدمي الأفئدة والقلوب، وقد هاجر من موطنه إلى دمشق ونظم فيها القصيدة الميمية نقتطف منها ما يلي:
يعز علينا أن نروح ومصرنا
لفرعون مغني يصطفيه ومغنم
منازل أهل العدل منهم خلية
وفيها لأهل الجور جيش عرمرم
وعاثت يد الأيام فينا ومجدنا
وبالرغم مني أن أقول مهدم
ولست ترى إلا قتيلا وهاربا
سليبا ومكبوبا يغل ويرغم
وكم علم في عامل طوحت به
طوائح خطب جرحها ليس يلام
وأصبح في قيد الهوان مكبلا
وأعظم شيء عالم، لا يعظم
وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى
وفي جيده حبل من الذل محكم
Page 12