L'Étranger Classé

الغريب المصنف

Enquêteur

صفوان عدنان داوودي

Maison d'édition

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

الغريب المُصنّف
تأليف أبي عُبيدٍ القاسم بن سلاَّم
المتوفى سنة ٢٢٤ هـ
تحقيق صفوان عدنان داوودي
القسم الأوّل
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقق
الحمدُ للِّهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسَّلامُ على خاتم المرسلين، وأفصحِ الناطقين، سيِّدنا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبه أجمعين،
وبعدُ
فإنَّ علمَ اللُّغة العربية من أشرفِ العلوم، ومعرفتهُ من خير الأمور، وذلك لأنَّ الله اختار العرب على العالمين، وفضَّل لغتهم على سائر اللغات، فأرسل أفضلَ أنبيائه بأفصحِ لغةٍ في أفصحِ قومٍ، وأنزلَ كتابه العزيز بتلك اللغة، فقال عزَّ مِنْ قائلٍ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ الشعراء: ١٩٥. وقال أيضًا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الزخرف: ٣.
وجعل كتابه قانونًا لهم، وأمرهم بالعملِ بما فيه، والاهتداء بهديه، ولا سبيلَ إلى فهم هذا الكتابِ العظيم، ولا إلى معرفَة كلامِ خاتم المرسلين، إلاَّ بمعرفة اللُّغة العربية ودراستها، لذا كان تعلُّمهَا من الأمور المطلوبة، والسنن المحبوبة، وقد استنبط بعضُ العلماء من قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ البقرة: ٢٣.

1 / 245

أنَ تعلُّمَ اللغات أفضل من التفرُّغ والتخلي للعبادة، إذ لما علَّم الله آدمَ أسماء المسميات كلَّها أمر الملائكة الذين يعبدونه في كلِّ طرفةِ عينٍ أن يسجدوا لأدم لهذه المزية.
ورحم الله القائل:
علمُ اللغاتِ علينا ... فرضٌ كفرضِ الصلاةِ
فليس يحفظ دينٌ ... إلا بحفظ اللُّغاتِ
لذا قام علماء هذه الأمَّة بالتشمير عن ساعد الجد، فبدؤوا بالتصنيف في سائر الفنون والعلوم، ومِنْ جملتها علمُ اللُّغة، فألَّفوا المُؤلَّفات الكثيرة ما بين صغيرٍ وكبير، حتى حفظوا لنا اللُّغة وأوصلوها إلينا، إذ لو التأليف لضاعت أكثر العلوم، لعجزِ كثيرٍ من النَّاس عن الحفظ.
وكان من ضمن كتب اللًّغة كتابُ "الغريب المصنَّف، للإمام المُتفَقِ على جلالته أبي عبيدٍ القاسم بن سلاَّم، صنَّفه في أربعين سنةً ورَتّبه على الموضوعات، فكان كتابُه هذا من طليعةِ المعاجم العربية المؤلفة في هذا النوع والكتابُ لَمْ يرَ النور إلى هذا اليوم، فأعاننا الله على تحقيقه ونشره، ونسأله تعالى القبول،
ونبدأ أولًا بترجمة المؤلف.
ثمَّ بدراسةٍ وافيةٍ عن كتابه
ثمَّ بإخراج نصِّ الكتاب.
وما توفيقنا إلا بالله، عليه توكَّلنا، وعليه اعتمادنا.
المحقق
المدينة المنورة ١٤١٠ هـ

1 / 246

ترجمة المؤلف ودراسة عنه
اسمه ونسبه
هو القاسم بن سلاّم ١، كان أبوه سلاَّم عبدا ً روميًا لرجلٍ من أهل هراة، وهي مدينةٌ من مدن خراسان.
وكان أبوه يحبُّ العلم، فيحكي أنَّه خرج يومًا، وأبو عبيدٍ مع ابنِ مولاه في الكُتَّاب، فقال للمعلِّم: علِّمي القاسم فإنَّها كَيِّسه.
فخاطب أبوه المعلمَ بضمير المؤنث، وهو لحنٌ لكونه روميًا.
ولد أبو عبيدٍ بهراة سنة ١٥٠ هـ وقيل: سنة ١٥٤ هـ، وكان أبوه يتولَّى الأزد، وكان أبو عبيد ينزل في بغداد بدرب الريحان.
شيوخه
روى أبو عبيدٍ عن عددٍ كبير من أهل العلم واللغة، حتى صار إمامَ عصره، وسيِّدَ دهره، ونبغ في عدّة علومٍ، فقرأ على:
١ - إسماعيل بن جعفر. انظر طبقات الشافعية ٢/ ١٥٤، وطبقات الحنابلة ١/ ٢٥٩.

١ انظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣، إنباه الرواة ٣/ ١٢، بغية الوعاة ٢/ ٢٥٣، معجم الأدباء ١٦/ ٢٣٨ تاريخ الأدب العربي ٢/ ١٥٥، طبقات الحنابلة ١/ ٢٥٩، طبقات المفسرين ٢/ ٣٧، شذرات الذهب ٢/ ٥٤، طبقات الشّافعية الكبرى ٢٠/ ١٥٣، وسير النبلاء ١٠/ ٤٩٠، وتذكرة الحفاظ ١/ ٤١٧.

1 / 249

٢- شريك بن عبد الله، وهو أكبر شيوخه. انظر طبقات الشافعية الكبرى٢/ ١٥٤، وطبقات الحنابلة ١/ ٢٥٩.
٣- إسماعيل بن عياش. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٢٠٣.
٤- هُشيم بن بشير. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
٥- جرير بن عبد الحميد. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
٦- سفيان بن عيينة. انظر تاريخ بغداد ١٢/٤٠٣. وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٥٤.
٧- إسماعيل بن علية. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
٨- يزيد بن هارون. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
٩- يحيى بن سعيد القطان. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
١٠- حجَّاج بن محمد أخذ عنه القراءة. انظر تاريخ بغداد ١٢/٤٠٣.
١١- أبي معاوية الضرير. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
١٢- صفوان بن عيسى. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
١٣- عبد الرحمن بن مهدي. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
١٤- حماد بن مسعدة. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
١٥- مروان بن معاوية. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
١٦- أبي بكر ابن عياش. انظر تاريخ بغداد ١٢/٤٠٣، وطبقات الشافعية الكبرى ٢/١٥٤.
١٧- عمر بن يونس. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
١٨- إسحاق الأزرق. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣.
١٩- أبي زيد الأنصاري. انظر إنباه الرواة ٣/١٣، وتاريخ بغداد ١٢/٤٠٤.
وقد صرَّح أبو عبيد بالسماع منه في عدة مواضع من كتابه الغريب المصنف.
٢٠- أبي عبيدة. انظر إنباه الرواة ٣ / ١٣، والفهرست ص ١٠٦.

1 / 250

٢١- الأصمعيّ. انظر الفهرست ص١٠٦، وتاريخ بغداد ١٢/٤٠٤، وإنباه الرواة ٣/ ١٣.
٢٢- اليزيدي. انظر الفهرست ص ١٠٦، وإنباه الرواة ٣/ ١٣، وطبقات الحنابلة ٣/٢٦٠.
٢٣- ابن الأعرابيّ. الفهرست ص ١٠٦، وطبقات الحنابلة ٣/٢٦٠، وتاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٤.
٢٤- أبي زياد الكلابي أخذ عنه اللغة، وهو من الأعراب، قدم بغداد أيام المهدي. انظر الفهرست ص ٦٧.
٢٥- الأموي. انظر طبقات الحنابلة ١/ ٢٦١، وإنباه الرواة ٣/ ١٣.
٢٦- أبي عمرو الشيباني. انظر تاريخ بغداد ١٢/٤٤٠، وطبقات الحنابلة ١/ ٢٦١.
٢٧- الكسائي. انظر طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٥٣، وإنباه الرواة ٣/١٣.
٢٨- الأحمر. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٤، وإنباه الرواة ٣/ ١٣.
٢٩- الفرّاء. انظر تاريخ بغداد ١٢/٤٠٤.
٣٠- اللحياني غلام الكسائي، اسمه علي بن المبارك. أنظر الفهرست ص ٧٢.
٣١- شجاع بن أبي نصر، قرأ عليه القرآن. طبقات الشافعية الكبرى ٢/١٥٣.
٣٢- عبد الله بن المبارك. انظر طبقات الشافعية ٢/ ١٥٣.
٣٣- الشافعي، وله معه مناظرة في القرء. طبقات الشافعية الكبرى ٢/١٥٤.
٣٤- إسماعيل بن جعفر. أخذ عنه القراءة. سير أعلام النبلاء ١٠/٥٠٦.
٣٥- أبي مسهر، أخذ عنه القراءة. سير النبلاء١٠/ ٥٠٦.
٣٦- النضر بن شميل. انظر نزهة الألباء ص٧٣.

1 / 251

تلامذته
روى عن أبي عبيدٍ، وأخذَ عنه العلم كثيرٌ من الناس، والرُّواة عنه مشهورون ثقاتٌ، ذوو ذكرٍ ونبلٍ، وعادَتْ بركةُ أبي عبيدٍ ﵀ على أصحابه، فكلُّهم نبغَ في العلم واشتُهر به، وأخذ عنه وتصدَّر للإفادة، فمنهم:
١- أبو عبد الرحمن أحمد بن سهل التميمي.
٢- وأحمد بن عاصم البغدادي.
٣- ثابت بن أبي ثابت، ورَّاق أبي عبيد، له كتاب "الفرق "، مطبوع.
٤- أبو منصور نصر بن داود الصاغاني. تاريخ بغداد ١٣/٢٩٢.
٥- محمد بن وهب أبو جعفر المسعري١.
٦- محمد بن سعيد الهروي.
٧- محمد بن المغيرة البغدادي.
٨- عبد الخالق بن منصور النيسابوري.
٩- أحمد بن يوسف التغلبي. تاريخ بغداد ٥/٢١٩.
١٠ - أحمد بن القاسم. تاريخ بغداد ٤/٣٤٩.
١١- إبراهيم بن عبد العزيز البغي.
١٢- أخوه علي بن عبد العزيز، راوي كتب أبي عبيد.
١٣- محمد بن إسحاق الصاغاني.
١٤- الحسن بن مكرم.
١٥- أبو بكر ابن أبي الدنيا.
١٦- الحارث بن أبي أسامة.
١٧- محمد بن يحيى المروزي.
١٨- أبو الحسن الطوسي راوي كتاب الغريب المصنَّف.
١٩- علي بن المديني، قرأ عليه غريب الحديث. انظر تاريخ بغداد ١٢ /٤٠٧.
٢٠- أحمد بن حنبل، قرأ عليه غريب الحديث.

١ الغريب المصنف النسخة التونسية ورقة ٦١٢.

1 / 252

٢١- يحيى بن معين، قرأ عليه غريب الحديث.
٢٢- عباس العنبري. انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٧.
٢٣- إبراهيم بن إسحاق الحربي، غريب الحديث للحربي ١/ ٣٧.
٢٤- المأمون الخليفة العباسي، قرأ عليه غريب الحديث. انظر تاريخ بغداد ١٢/٤٠٨
٢٥- بندار بن عبد الحميد، المعروف بابن لرَّة.
٢٦- المسعري، علي بن محمد بن وهب.
٢٧- القاسم بن الإصبع. انظر الفهرست ص ٧١.
٢٨- الإِمام البخاري، محمد بن إسماعيل، طبقات المفسرين ٢/ ٣٨ وسير النبلاء١٠/ ٥٠٧. نقل عنه في التاريخ الكبير، وفي "أفعال العباد".
٢٩- الحافظ أبو داود صاحب السنن، طبقات المفسرين ٢/ ٣٨، نقل عنه في تفسير أسنان الإِبل في الزكاة.
٣٠- الإِمام الترمذي، طبقات المفسرين ٢/ ٣٨.
٣١- أحمد بن إبراهيم، ورَّاق أبي عبيد أيضًا، روى عنه القراءات. سيرالنبلاء١٠/ ٥٠٧.
٣٢- ثابت بن عمرو بن حبيب، صحب أبا عبيد، وروى عنه كتبه كلها. إنباه الرواة ١/ ٢٩٨.
٣٣- عبد الله بن مخلد. راوية أبي عبيد. الوافي ١٧/٦٠٠.
٣٤- موسى بن خاقان، سمع الغريب المصنف من أبي عبيد، وسمعه معه:
٣٥- جيش بن مبشر ١، والقرشي، ومسلم، والطوسي، وأبو جعفر المسعري وأبو أيوب البصري، كما ورد في الورقة الأخيرة من مخطوطة تونس.

١ ترجمته في تاريخ بغداد ٨/ ٢٧٢.

1 / 253

وصفه وكلام الأئمة فيه
كان أبو عبيدٍ من الرَّاسخين في العلم، العاملين بما يعلمون، ذا زُهدٍ وورع، وتقوى للَّهِ ﷿، وقد أثنى عليه العلماء كثيرًا، فقد قال إسحاق بن راهويه شيخُ الحديث: الحق يحبُّه الله ﷿، أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلاَّم أفقهُ مني وأعلمُ مني١.
وقال الهلال بنِ العلاء الرّقي: مَنَّ اللهُ علي هذه الأمَّةِ بأربعةٍ في زمانهم: بالشافعيِّ تفقهَ بحديثِ رسولِ اللُّه ﷺ، وبأحمدَ بن حنبل، ثبتَ في المحنة، لولا ذلك كفر النَّاس، وبيحيى بنِ معين، نفى الكذبَ عن حديثِ رسول الله ﷺ، وبأبي عبيدٍ القاسمِ بن سلاَّم، فسَّرَ الغريب من حديث رسول الله ﷺ، لولا ذلك لاقتحم النَاسُ في الخطأ٢.
وقال ثعلبٌ النحوي: لو كان أبو عبيدٍ في بني إسرائيل لكان عجبًا ٣.
وقال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيدٍ القاسم بن سلاَّم فاضلًا في دينه وفي علمه، ربانيًَّا مُتَفنِّنًا في أصناف علوم الإسلام، من القرآن والفقه، والعربية والأخبار، حسنَ الرِّواية، صحيحَ النَّقل، لا أعلمُ أحدًا من النَّاس طعن عليه في شيء من أمرهِ ودينه ٤.

١ تاريخ بغداد ١٢/٤١١، وإنباه الرواة ٣/ ١٩.
٢ تاريخ بغداد ١٢/ ٤١٠، وإنباه الرواة ٣/ ١٩.
٣ انظر إنباه الرواة ٣/ ١٩.
٤ انظر إنباه الرواة ٣/ ١٩، وتاريخ بغداد ١٢/ ٤١١.

1 / 254

وقال عبد الله بن طاهر: كانَ للنَاسِ أربعة: ابنُ عبَّاس في زمانه، والشَعبي في زمانه، والقاسمُ بن مَعنٍ في زمانه، وأبو عبيدٍ القاسمُ بن سلاَّم في زمانه١.
وقال إبراهيم الحربيُّ: أدركتُ ثلاثةً لن يُري مثلهم أبدًا، تعجزُ النّساء أنْ يلدْنَ مثلهم، رأيتُ أبا عبيدٍ القاسمَ بنَ سلاَّم، ما مثَّلْتُه إلا بجبل نفِخَ فيه روحِ، ورأيتُ بشرَ بنَ الحارث فما شبهْتُه إلا برجلٍ عُجِنَ من قَرْنِه إلى قدمِه عقلا، ورأيتُ أحمد بن حنبل فرأيتُ كأنَ اللَّهَ جمعَ له علم الأوَّلين من كلِّ صنفٍ، يقول ما شاء ويمسك ما شاء٢.
وقال إسحاقُ بن إبراهيم الحنظليُّ: أبو عبيدٍ أوسعُنا علمًا، وأكثرنا أدبًا، وأجمعُنا جمعًا، إنَا نحتاج إلى أبي عبيدٍ، وأبو عبيدٍ لا يحتاج إلينا٣.
وقال الجاحظ: ومن المُعلِّمين ثمَّ الفقهاء والمحدثين، ومن النحويين والعلماء بالكتاب والسُنَّة، والنَّاسخ والمنسوخ، وبغريبِ الحديث، وإعراب القرآن، وممَن جمع صنوفًا من العلم، أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلاَّم، وكانَ مؤدبًا لم يكتب النَاسُ أصحَّ من كتبه، ولا أكثر فائدة٤.
وسئل أبو قدامة عن الشافعيِّ وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد، فقال: أما أفهمُهم فالشافعي، إلا أنَّه قليلُ الحديث، وأمَا أورعهم فأحمد بن حنبل، وأمَّا أحفظهم فإسحاق- هو ابن راهويه-، وأمَّا أعلمُهم بلغاتِ العربِ فأبو عبيدٍ٥.
فهذه الشهادات من هؤلاء العلماء وغيرهم دليلٌ واضحٌ على مكانة أبي عبيدٍ العالية، ومرتبته المنيفة، إذ النَاسُ شهداءُ الله في الأرض، فإذا أثنوا على

١ انظر تاريخ بغداد ١٢/٤١٢.
٢ تاريخ بغداد ١٢/٤١٢.
٣ إنباه الرواة ٣/ ١٩.
٤ طبقات النحويين للزبيدي ص ١٩٩.
٥ إنباه الرواة ٣/١٨.

1 / 255

رجلٍ خيرًا قُبلت شهادتهم عند الله، ودلَّت على صدق المشهود له، وحسن حالته.
وقد كان أبو عبيد ﵀ يقسمُ اللَّيلَ أثلاثًا، فيصلَّي ثُلثه، وينامُ ثلثه، ويصنع الكتب ثلثه١
فهذا دليلٌ على حرصه واهتمامه بالوقت، إذ الوقتُ رأسُ مالِ المرء، فإذا أحسنَ استغلاله فقد فازَ وربح، وإلا خابَ وخسر، وكانت عادةُ أسلافِنا المحافظةَ على الوقتِ، وقضاءَ أكثرِه فيما فيه فائدةٌ وخيرٌ، حتى قدَّموا لنا تُراثًا علميًا كبيرًا، يعجبُ المرءُ كثيرًا كيفَ ألَّفوه وصنَّفوه وما ذلك إلا من تقواهم، وحرصهم على الساعات واللحظات، حتى وضع اللَّهُ البركةَ في أعمارهم وأعمالهم، فأنتجوا إنتاجًا كبيرًا في مُدَدٍ يسيرة.
وكان أبو عبيدٍ في أوَّل أمره يؤدِّب غلامًا في شارع بشر وبشير٢، ثم صار مؤدِّبًا لأولاد هرثمة بن أعين، أحد ولاة الخليفة العباسي هارون الرشيد كان واليًا على خراسان، ثم ولاَّه الرشيد على بلاد أفريقيا سنة ١٧٧ هـ ٣.
فعند ذلك اتَّصلَ بثابتِ بن نصر بن مالك الخز اعي، فصار يؤدّب أولاده، ثُمَّ وُلِّي ثابتٌ طرسوس ثماني عشرة سنةً، فولَّى أبا عبيد القضاءَ بطرسوس ثماني عشرة سنةً، فاشتغل عن كتابة الحديث.
ثمَّ صار إلى ناحية عبد الله بن طاهر، واتصاله بالطاهريين كان لمّا نزل طاهر بن الحسين إلى مرو سنة ١٩٥ هـ طلب رجلًا ليحدِّثه ليلةً، فقيل له: ما هاهنا إلا رجلٌ مؤدِّبٌ، فأُدخل عليه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم، فوجده أعلم الناس بأيام النَّاس، والنحو، واللغة، والفقه، فقال له: من المظالم تركك أنت بهذا البلد، فدفع إليه ألف دينار، وقال له: أنا متوجِّهٌ إلى خراسان إلى حربٍ، وليس أحدث أنّ أستصحبك شفقًا عليك، فأنفق هذا إلى أن أعود إليك، فًبدأ

١ تاريخ بغداد ١٢/٤٠٧.
٢ تاريخ بغداد ١٢/٤١٣.
٣ الكامل في التاريخ ٦/١٣٧.

1 / 256