217

Fiqh As-Seerah

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Maison d'édition

دار الفكر

Édition

الخامسة والعشرون

Année de publication

١٤٢٦ هـ

Lieu d'édition

دمشق

لا يعتبر دليلا تشريعيا، فلسنا ندري ما الصلة بين (الجزية) وما يمكن أن يتصالح عليه فريقان متحاربان؟!.
فإن قلت: فهب أن المسلمين اضطروا- بسبب من أسباب الضعف- إلى الخروج عن بعض أموالهم، حفظا على حياتهم وحذرا من أن تستأصل شأفة المسلمين، أفليس لهم أن يفعلوا ذلك؟
فالجواب أن هنالك حالات كثيرة تستلب فيها أموال المسلمين وتصبح غنائم لأعدائهم، ويستعدي فيها الكافرون على بلاد الإسلام وخيراتهم فيتمكنون فيها ويسيطرون عليها. ومعلوم- بالبداهة- أن المسلمين لا يخضعون لشيء من ذلك عن طريق الاختيار واتباع الفتوى، وإنما يلجؤون إلى ذلك إلجاء ويحملون عليه كرها، وهم مع ذلك يتربصون بأعدائهم الفرص السانحة.
وأنت خبير أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما يخاطب بها من لم يكن مكرها ولا ملجأ ولا صبيا أو مجنونا.
وإذن فمن العبث انتزاع هذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف كيما يقرّر على أساسها حكم تكليفيّ يختار على أساس الرأي والمصلحة والمراوضة.
خامسا: كيف وبأي وسيلة انتصر المسلمون وانهزم المشركون في هذه الغزوة؟
لقد رأينا أن الوسيلة التي التجأ إليها رسول الله ﷺ وأصحابه في غزوة بدر، هي نفسها التي التجأ إليها في الخندق.. إنها وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، بل لقد كان هو العمل المتكرر الدائم الذي ظل يفزع إليه رسول الله ﷺ، كلما لقي عدوا أو سار إلى جهاد، وهي الوسيلة التي تعلو في تأثيرها على كل الأسباب والوسائل المادية الأخرى، وهي الوسيلة التي لا تصلح حال المسلمين إلا إذا قامت على أساسها بعناية كاملة.
أما كيف انهزم المشركون على كثرتهم، بعد ثبات المؤمنين وصبرهم وصدق التجائهم إلى الله تعالى، فقد وصف الله الكيفية في كتابه المبين إذ قال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا إلى قوله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب ٣٣/ ٩- ٢٥] .
إن هذا المعنى الذي يتكرر في غزوات الرسول ﷺ، ليس يعني إغراء المسلمين بالمغامرة والجهاد دون استعداد ولا تأهب، وإنما هو لإيضاح أن على المسلم أن يعلم أن في مقدمة أسباب النصر المختلفة، صدق الالتجاء إلى الله وإخلاص العبودية له، فلن تجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوفر هذه الوسيلة بعينها. وإذا تحققت في أعمال المسلمين هذه الوسيلة فحدّث عن معجزات النصر ولا حرج.

1 / 222