Fiqh As-Seerah
فقه السيرة
Maison d'édition
دار القلم
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٢٧ هـ
Lieu d'édition
دمشق
فإذا لم يعش بيته عيشة المجاهد المحصور، فكيف يواصل الكفاح، ويكلف الرجال والنساء من أمته أن يذهلوا عن كل شيء إلا السير بدينهم حتى يبلغ مأمنه؟!.
لذلك رفض النبي ﷺ الاستجابة لرغبات نسائه في توسيع النفقة، وكره منهنّ هذا التطلّع، فقرر مقاطعتهن، حتى شاع بين الناس أنّ النبي ﷺ طلّق نساءه جملة!.
وفزع أبو بكر وعمر لهذه الإشاعة فابنة كليهما عند رسول الله ﷺ، فذهبا يستأذنان ليدخلا عليه، وليتعرفا جلية الخبر، فلمّا دخلا وجدا النبيّ ﷺ صامتا، وحوله نساؤه واجمات!! وسأله عمر: أطلّقت نساءك يا رسول الله؟ قال: «لا» .
إلا أنّ جوّ الحزن كان يخيّم على المكان، فقال عمر: لأكلمنّ رسول الله لعلّه يضحك.
فقال: يا رسول الله! لو رأيت ابنة زيد- يعني زوجته- سألتني النفقة انفا فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه، وقال: «هنّ حولي يسألنني النفقة» . فقام أبو بكر إلى عائشة يؤدّبها، وقام عمر إلى حفصة.
كلاهما يقول: تسألن النبيّ ما ليس عنده؟!.
فنهى النبي ﷺ الأبوين أن يصنعا ببنتيهما شيئا. وكانت نساؤه- نادمات- يقلن: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده.
وهجرهنّ النبي ﷺ شهرا، لا يتصل بهن، حتى يشعرن بما فعلن، ونزلت ايات التخيير من عند الله تطلب إليهنّ جميعا إمّا التجرّد للدار الاخرة مع رسول هذه طريقته في حياته، وإما اللحاق بأهلهنّ حيث الملابس الحسنة والماكل الدسمة.
وكان هذا الدرس كافيا ليمحو اخر ما في أنفسهنّ من رغبة لم تتجاوز المباحات المشتهاة، فاخترن- جميعا- البقاء مع النبي ﷺ على قاعدته العتيدة:
«ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» «١»، وعشن معه للجهاد والتهجد، والبذل والمواساة، والتواضع والخدمة:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ
(١) سبق تخريجه، ص ٤٤٣.
1 / 445