Fawatih Ilahiyya
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية الموضحة للكلم القرآنية والحكم الفرقانية
Maison d'édition
دار ركابي للنشر - الغورية
Édition
الأولى
Année de publication
١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م
Lieu d'édition
مصر
الجزء الأول
لا اله الا الله بسم الله الرّحمن الرّحيم سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم. سبحان من تجلى لذاته بذاته. في ملابس أسمائه وصفاته. وتعزز بكبريائه عن أن تصفه ألسنة مظاهره ومصنوعاته. جل جناب قدسه عن أن يكون شرعة كل وارد. ووجهة كل قاصد. فيا عجبا من المدرك وما الإدراك. في مقام لا يسع فيه سوى ما عرفناك
تعالى الحق عن همم الرجال ... وعن وصف التفرق والوصال
إذا ما جل شيء عن خيال ... يجل عن الاحاطة والمثال
بحمدك لنفسك نتوسل إليك. وبثنائك لذاتك نثنى عليك. لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
ونصلى على رسولك المؤيد من عندك. لتبليغ سرائر حكمك وأحكامك. الى خلص عبادك. ونتضرع إليك أن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديت إذ بيدك أزمة الأمور. وبمشيئتك يجرى ما في الصدور. إخواني أبقاكم الله لا تلوموني بما أنا عليه. ولا تعيرونى بأمر قصدت اليه. إذ من سنته سبحانه اظهار ما خفى في علمه. وإبراز ما كمن في غيبه. يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. لا حول ولا قوة الا بالله. وما بكم من نعمة فمن الله. هو يقول الحق وهو يهدى السبيل. وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب. عن جميع ما يعيبني ويريب. والملتمس من الاخوان. والمرجو من الخلان. أن لا ينظروا فيه إلا بعين العبرة. لا بنظر الفكرة. وبالذوق والوجدان. لا بالدليل والبرهان. وبالكشف والعيان. لا بالتخمين والحسبان. والله ما هذا الفقير الحقير من أصحاب القيود. المتشبثين بأذيال الحجج والحدود. ولا من المتصوفة المتصلفة من الوارد والمورود. المتفوهة عن الواجد والموجود. بل من خدام الفقراء المنسلخين عن جميع الرسوم والعادات. المنتظرين بما ظهر لهم من الحق في عموم الأوقات وشمول الحالات. نفعنا الله وإياكم بالقرآن العظيم. وشرح صدورنا وصدوركم بالآيات والذكر الحكيم. انه هو الجواد الكريم. الفتاح العليم.
1 / 2
التواب الرحيم. ثم لما كان ما ظهر فيه من جمل الفتوحات التي قد فتحها الحق ووهبها من محض جوده سمى من عنده بالفواتح الإلهية. والمفاتح الغيبية الموضحة للكلم القرآنية. والحكم الفرقانية. وقبل الخوض في المقصود لا بد من تمهيد أصل كلى جملي يتضمن على سرائر عموم المعارف والحقائق. والمكاشفات والمشاهدات الواردة على قلوب الكمل وعلى مطلق الأوامر والنواهي وعموم التكاليف والاحكام الواردة من الله الموردة في الكتب والصحف الإلهية وعلى أسرار مطلق الإنزال والإرسال وحكم عموم الوحى والإلهام ومصالح الولاية المطلقة والنبوة والرسالة وعلى وضع الملل والأديان وصور الطاعات والعبادات الدنيوية والمعتقدات الاخروية من الحشر والنشر والجنة والنار والصراط والسؤال والحساب والجزاء وما يترتب عليها من اللذات الجسمانية والروحانية. والدرجات العلية الجنانية.
والدركات الهوية النيرانية. وغير ذلك من الأمور الجارية على السنة الكتب والرسل وفي عرف عموم الشرائع والأديان. الموضوعة لإرشاد الإنسان. وتكميله ليصل الى مرتبة المعرفة والإيقان. ويتمكن في مقر التوحيد والعرفان" اعلم". ان الوجود البحت وان شئت قلت الذات الاحدية أو الحقيقة المتحدة المحمدية أو الهوية الشخصية السارية في عموم المظاهر والأكوان أو مسمى اسم الله المستجمع لعموم الأسماء والأوصاف الإلهية وكأنه قد وضع هذا الاسم له سبحانه وضع الأعلام وان كان وضع العلم «٤» بالنسبة اليه سبحانه محالا في نفسه الى غير ذلك من العبارات انما هو عبارة عن المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي لعموم ما ظهر وبطن وغاب وشهد وهو ينبوع بحر الوجود وقبلة الواجد والموجود وهو الموجود حقيقة وما سواه معدوم باطل وظل زاهق زائل. وبالجملة ليس المقصود من العبارات المذكورة الا الإشارة والتنبيه على الحقيقة المتحدة الإلهية التي قد استقل بها في الوجود وتفرد بالتحقق والثبوت بلا تعدد فيه وشركة وكثرة أصلا الا وهو الوجود «٥» البحت الخالص عن مطلق القيود المخصصة والأوصاف المتخصصة وإياك إياك ان تفهم من لفظ الوجود المعنى المصدري او المفهوم الكلى المنقسم الى المتواطئ والمشكك او المفهوم الزائد على الماهيات أو العين لها الى غير ذلك من المزخرفات التي قد أوهمها أصحاب القيود المتشبثين بأذيال الحجج والحدود التي قد اعتبرتها أحلامهم السخيفة وعقولهم الكثيفة المموهة بتمويهات الأوهام والخيالات الباطلة الشيطانية المورثة لهم من القوى البهيمية الناسوتية المتفرعة على الشركة والثنوية قطعا من غير تفطن وتنبه لهم الى عالم اللاهوت ومقتضيات القوى الروحانية المترتبة على الوحدة الذاتية الحقيقية الحقية وما ذلك الا من ظلمات الفهم وعاداتهم بالمدركات الحسية وبمنتزعاتها الكلية والجزئية المستنبطة من المحسوسات الشهادية ومن الملكات الرديئة الكثيفة التقليدية الراسخة في نفوسهم من القوى والآلات الناسوتية بلا شعور منهم وانتباه الى الملكات اللطيفة الفطرية اللاهوتية التي هم جبلوا عليها وخلقوا لأجلها. وبالجملة من لم يجعل الله له نورا فماله من نور. بل لك أن تفهم من لفظ الوجود الكون والتحقق والثبوت الواقع في الواقع وفي نفس الأمر المعبر عنه بلغة الفرس بلفظة «هست» المقابل للفظة «نيست» والوجود بهذا المعنى يقابل للعدم تقابل العدم والملكة بحيث لا اتصاف لاحد المتقابلين بالآخر أصلا فيكون الوجود واجب الوجود البتة والعدم ممتنع الوجود البتة بلا امتزاج لهما
(٤) اعلم ان وضع العلم لذات الحق محال من البشر والملك والجن لان وضع العلم مسبوق بالعلم بالموضوع له على ما هو عليه مع جميع لوازمه وعوارضه ليمكن للواضع وضع العلامة بإزائه ولا يتيسر لهؤلاء الاطلاع على ذات الحق على الوجه المذكور حتى يمكن لهم وضع العلم بإزائه سبحانه اللهم الا ان يقال قد وضع الحق لذاته المعلومة لذاته على الوجه المذكور علما وعلمه عباده من الملائكة والثقلين وهذا العلم له سبحانه ضروري حضورى ولا استحالة في ذلك تأمل منه
(٥) وهو المبدأ واليه المعاد لا اله الا هو ولا موجود سواه وكل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون منه
1 / 3
بالآخر وتركب بينهما أصلا لمنع الجمع فيكون الوجود وجودا وان شئت قلت موجودا بلا تفاوت بين الوجود والموجود أزلا وأبدا على ما كان عليه حيا قيوما دائما باقيا لاستحالة أن يزول عنه مقتضاه بل لا يزال هو على صرافة تحققه ووجوده وثبوته بلا مكيال زمان وآن. ومقدار شأن ومكان. بل له شأن لا يسع في شأن. وكذا العدم عدم ممتنع ان يزول عنه مقتضاه أصلا ولا ثالث لهما إذ لا واسطة بينهما لمنع الخلو والذي يقال له ممكن الوجود لا بد ان لا يخرج عن حيطتهما لانحصار مطلق المفهوم فيهما بلا واسطة بينهما كما صرح به علماء الرسوم ايضا والذي أثبته بعض المنحرفين عن جادة العدالة الفطرية والفطانة الحدسية المنصرفين عن مقتضى الشعور الجبلي وهم منهم واتباع بشيطانى الوهم والخيال لا يؤبه بهم ولا يعتد بقولهم هذا لا جائز ان يكون ممكن الوجود من حيطة الوجود إذ هو واجب الوجود دائما لا يزول مقتضاه عنه أصلا وما هو ممكن الوجود قد يزول عنه الوجود المستعار ويتصف بالعدم فتعين ان يكون من حيطة العدم فظهوره على صورة الموجود المتأصل وكونه مصدرا للآثار الظاهرة ظاهرا انما هو من ظهور الوجود وتجليه على مرآة العدم دائما ازلا وابدا بعموم أوصافه وأسمائه الذاتية. وبجميع شئونه وتطوراته الغير المتناهية. ومن انعكاس لمعات وجهه الكريم.
على صحيفة العدم حسب أوصافه وأسمائه العظيم. يتراءى من العدم الصقيل ما يتراءى من الصور والآثار الكونية الكيانية والغيبية والشهادية والدنيوية والاخروية والمثالية والبرزخية. وبالجملة ارتباط العالم بالحق ليس الا مثل ارتباط الصور المرئية في المرايا الى ذي الصورة وارتباط العكوس والاظلال الى الأضواء. والأمواج الى الماء فيكون العالم الذي هو ممكن الوجود على صرافة عدميته الاصلية ما شم رائحة من الوجود أصلا سوى ان الوجود قد انبسط وتجلى عليها فيتراءى من سراب العدم ما يتراءى.
مثل الصور المرئية في الماء والمرايا. واما دوام العالم على تجدداتها المرئية وتطوراتها المشاهدة منها وتبدلاتها بالأشباه والأمثال مثل تجدد الاعراض بل ما هي في الحقيقة إلا نسب وأعراض ولله در من قال
كل ما في الكون وهم او خيال ... او عكوس في المرايا او ظلال
لاح في ظل السوى شمس الضحى ... لا تكن حيران في تيه الضلال
فمبنى على ان للوجود البحت بالمعنى الذي ذكر شئوناتي. وتطورات لا تعد ولا تحصى. إذ للتحقق والثبوت الذي هو الواقع في نفس الأمر حقيقة ومعنى ازلا وابدا حيا قيوما شئون واطوار كاملة مترتبة في الكمال غير متناهية غير مكررة ابدا غير منقطعة أصلا إذ الوجود وجود دائما متجدد مستمر على شئون غير متكررة ازلا وابدا. فلك ان تصفى سرك عن مألوفات طبعك رأسا وعن مدركات قواك وآلاتك مطلقا وتراجع ذوقك ووجدانك بعد اطراح عموم الرسوم والعادات عن البين. وإسقاط جميع الكوائن والفواسد عن العين/ حتى تجد في سرك طورا غريبا وطرزا عجيبا وتذوق من وجدك ووجدانك لذة لدنية وشعورا حقيقيا معنويا ووحدانا تاما ذوقيا شوقيا حضوريا كشفيا شهوديا لا كمدركات العقول والافهام. بحسب الانطباع والحصول ولا مثل شعور القوى والأحلام.
بل له شأن لا يعرضه شأن. ولا يحيط به ذوق ووجدان. ولا يسبقه حين ولا زمان. ولا يشغله مكان واركان.
بل كل يوم وآن في شأن لا كشان. وكل ما انعكس منه في سراب الإمكان هو فان. ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام. ومتى تحققت بمقام قد اومأنا عليك. وذقت حلاوة ما أشرنا إليك. وصرت على يقين كامل وذوق تام من لذة التحقق والوجود والثبوت والحضور وترقيب أنت في كشفه وشهوده
1 / 4
من مرتبة العلم الى العين ومن العين الى الحق فقد نلت بما نلت وفزت بما فزت وليس وراء الله مرمى ومنتهى. وبعد ما قد وصلت الى هذا المشهد العظيم. وتمكنت في مقام الرضاء والتسليم. فقد تحققت بشئون الوجود ونشآته الغير المحدودة. وحينئذ قد ظهر عندك ولاح لديك كمالات الوجود المتجددة. دائما بالأمثال الى ما لا نهاية لها وتطوراته المتماثلة الغير المتكررة. وتشعشعاته المتشابهة الغير المتطابقة. وتجلياته المتناسبة الغير المتوافقة. وبعد ما قد شاهدت الوجود الحق الحقيق بالتحقق والثبوت على هذا المنوال وانكشفت لك لوامعه اللامعة ازلا وابدا على هذا المثال قد ظهر لك ولاح دونك احوال مطلق الصور والاظلال والعكوس المنعكسة منها والأمثال المترتبة عليها التي هي عبارة عن السوى والأغيار المسمى بالعالم المنعكس من مرآة العدم عند امتداد نور الوجود عليه وظهوره فيه وتبينه به ومنه إذ لا ضد للوجود سواه حتى يبينه ويكون مرآة له وظهور الوجود بلا مرآة مستحيل قطعا إذ قد احرق حينئذ سبحات وجهه ولمعات شروق تجلياته عموم ما انتهى اليه بصره مطلقا" واعلم" ان تشعشع الوجود الحق ازلا وابدا على هذا المنوال وتجدده دائما بتوهم الأشباه والأمثال انما هو دليل توحده وتشخصه سبحانه بالذات والحقيقة وان لم يكن تجليه كذلك فمن انى يعلم انفراد الذات ووحدتها وتشخصها مثلا لو فرض بقاء قرص الشمس ازلا وابدا على تشعشعها وبريقها ولمعانها الذاتية التي نشاهد منها الآن لا بد ان تكون متجلية دائما على هذا الوجه والشان المشاهد البتة بلا طريان اطوار أخر عليها وشئون شتى متخالفة لها بالذات حتى تكون باقية على حالها وشخصها وصرافة وحدتها والا فكيف يعلم انها هي شخصها وان كانت الشئون المتجددة المتواردة عليها آنا فآنا طرفة فطرفة غير متناهية في أنفسها وغير متكررة في حدود ذواتها وهكذا تجليات الحق وشئون الوجود ازلا وابدا بلا تكرر في نشآته وتجلياته أصلا بل، هو متجل دائما بتجليات متناسبة متشابهة في الكمال «٢» بلا تناه وتكرار «٣» وبالجملة العارف الفطن صاحب الذوق الصحيح والشهود التام إذا أمعن فيما أومأنا عليه وأشرنا نحوه
(٢) وليس في الحقيقة وعند لتحقيق الا ذات واحدة ووجود بحت وحقيقة متحدة وهوية شخصية لها نشآت حبية وشئون ذاتية وتجليات شهودية وتطورات ثبوتية لا تجزى فيها حقيقة التي يفصلها ولا انقسام لها حتى يخصصها ويقيدها ولا توارد يعقبها ولا تعاقب يرد عليها ويلحق بها ولا تقضى يعدمها ولا انصرام يفنيها بل ما هو الا حبل الله الممدود من أزل الذات الى ابد الأسماء والصفات التي هي ايضا عين الذات لا شيء زائد عليها ملحق بها مغير لها وبالجملة لا اضافة فيها ولا نسبة بين شئونها أصلا بل نشآت الوجود كلها هذا الكل لا كمثل كل سائر الأشياء القابل للتجزئة والتقسيم حسا او عقلا او حكما حاضر حاصل بالفعل بلا توهم ابتداء وانتهاء واحاطة بداية ونهاية وذهاب وغيبة وتجدد وحدوث ودبور وعبور وافول وعقود بل هي مقضية حسب التجلي الحبى المشار اليه في الحديث القدسي لإظهار آثار وإبراز أشباح وأمثال لا بداية لها ولا نهاية تحصرها مرسمة منها منعكسة عنها على مرآة العدم وسراب العالم وتلك الآثار والاظلال المرسومة والعكوس والأشباح المموهة المعدومة معروضة للنسب الموهومة ومحل للكثرات المتوهمة والإضافات المعدومة التي يتوهمها احلام المحجوبين المحبوسين في سجن الطبائع والأركان المتفرعة على سجين الإمكان المستتبع لسلاسل الزمان وأغلال المكان الحاصلة كلها من النسب والإضافات المتوهمة المترتبة على التجزى المخيل والاهمام الموهومة والكثرة المصورة والتعدد المعدوم وبالجملة الحقيقة المتحدة الإلهية لا تعدد فيها أصلا ولا تجزى بين شئونها ونشآتها مطلقا حتى تصور فيها ترتب وترتيب ولا بساطة لها ولا تركيب ولا تعدد فيها ولا تعقيب وكذا فيما يترتب عليها وينعكس منها من الآثار والاظلال ازلا وابدا في الحوادث الكائنة الماضية والآتية مطلقا عند العارف المحقق المتحقق بمرتبة الكشف والشهود والمتمكن في المقام المحمود الوارد على الحوض المورود الذي هو عبارة عن صفاء بحر الوجود إذ هو نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور والمحجوب المجبول على الغفلة والضلال. محروم عن ذوق الوصال. والله اعلم بحقائق مطلق المقال. والحمد لله على كل حال. منه
(٣) بل هو عند التحقيق تجل واحد لا تعدد فيه ولا تكرر ولا تجدد الا وهما منه
1 / 5
نطمع ونرجو منه طاب وقته ان يعتذر عنا ويعفو عن زلاتنا إذ لا يسع لاقدام الأرقام. ولا لألسنة التعبير والأقلام. الاقدام على سرائر الوجود والالتزام. على شرحه وإيضاحه وإفهامه على ما هو عليه في نفسه بل قصارى ما قيل في شانه وقصوى ما يقال في وصفه وبرهانه المتعالي عن مطلق الافهام والأحلام انما هو التنبه والتنبيه على وحدة ذاته وكثرة شئونه وتطوراته المترتبة على أسمائه وصفاته الذاتية والا فمنازل الوصول الى كنهه لا ينقطع ابد الآباد كما لم ينقطع في أزل الآزال. ولعمري انى مع قلة بضاعتي وضعف يقيني وكلال فهمي وتزلزل قدمي وتذبذب عزمي عن درك الوجود ووجده قد رمت وهممت مرارا ان اكتب ما ذقت وفزت من حلاوة فهمه ووجده وما نلت به منه وبسره حسب ما يسر الله لي وكشف على بمقتضى فضله وجوده والله لقد كل لساني وقصر نطقى وبيانى عن تقرير ما في ذوقى ووجداني وانحسر فطنتي وعقلي عن فحص ما في سرى وقلبي وصرت بحيث قد اعتزل عنى حينئذ عموم قواي وآلاتى ومدركاتها بالمرة وانعزل عنها وعن مقتضياتها جميعا في تلك الحالة الغريبة البديعة وقد بقي إذا في سرى سرور. وفي خلدي وروعي وجد وحضور. لا يحوم حوله فترة وفتور. ولا يعتريه غفلة وقصور. ولا شك ان التعبير عن مطلق الوجدانيات على وجهها متعذر عند جمهور العقلاء وذوى الأذواق الصحيحة والعزائم الخالصة من العرفاء الأمناء «٢» بخلاف الانطباعيات الحاصلة بوسائل القوى والآلات فان التعبير عنها على وجهها ميسر لكل من تصدى وقصد التعبير عنها والسر في ذلك والله اعلم ان في الانطباعيات قد تنفعل وتتأثر القوة المدركة المحصلة لها والقوى والآلات المؤدية إليها الممدة إياها فيمكن التعبير عن الصور الحاصلة المنطبعة في القوة العاقلة الحاملة لها وكذا عن جميع ما حصل في سائر المشاعر والآلات من الصور والأمثال بخلاف الوجدانيات فان فيها ومنها تتأثر الروح الذي هو من عالم الأمر الإلهي فكما لا يمكن التعبير عن الروح وعن لميته وكيفيته كذلك لا يمكن التعبير عن الوجدانيات ومطلق اللدنيات والحضوريات ايضا. وبعد ما قد ظهر من سياق ما قررنا لك وسباق ما تلونا عليك ان الوجود الحي القيوم الدائم الثابت ازلا وابدا على صرافة وحدانيته وفردانيته واستقلاله في ذاته وتحققه ووجوده يمكن ادراك انيته ووجدته وحضوره وكشفه وشهوده على الوجه الذي هو عليه وكذا ادراك اتصافه بالأوصاف والأسماء الذاتية وتجليه عليها دائما بلا فترة وتعطيل وبلا انقضاء وتحويل لكن لا يمكن ان يدرك لميته وكيفيته وحقيقته التي هو به هو إذ الخوض فيه وفي إيضاحه وشرحه والغوص في لججه وغوره خارج عن مشاعرنا ومداركنا مطلقا متعال عن طور البشر وفهمه بالمرة إذ البشر عاجز عن معرفة نفسه فكيف عن معرفة ربه «٣» ولهذا قال اصدق القائلين ﷺ في مقام العجز والقصور من عرف نفسه فقد عرف ربه إذ النفس والروح كلاهما من عالم الأمر الإلهي وما لنا اطلاع به على طريق اللمية والحصول بل بطريق الإنية والحضور. وبعد ما ثبت ان الوجود المطلق والحق المحقق والذات المتحقق الثابت ازلا وابدا قد كان معلوم الإنية والحضور مجهول اللمية والحصول ينكشف به الموحدون المكاشفون ويشهده المقربون المخلصون ويفنى فيه الهائمون الحائرون ويبقى ببقائه الوالهون الواصلون ولمثل هذا فليعمل العاملون ثبت ان ظهوره غيبا وشهادة صورة ومعنى دنيا وعقبى ازلا وابدا انما هو من وراء سرادقات آثار الأوصاف والأسماء
(٢) ولهذا لا تصير الوجدانيات دليلا على الخصم ولا يتركب منها الادلة والقياسات وان كانت في أنفسها من أجل العلوم وأجلاها «منه»
(٣) ولقد احسن من قال ما للتراب ورب الأرباب «منه»
1 / 6
الذاتية الإلهية المتفرعة المترتبة عليها مطلق الصور والآثار الصادرة الظاهرة والباطنة المعقولة والمحسوسة.
وبالجملة العالم عبارة عن عموم الصور والآثار والاظلال المنعكسة من تلك الأسماء والصفات الإلهية المستندة الى الذات الاحدية فباعتبار انها آثار متكثرة وقوابل متعددة واظلال متخالفة وعكوس متلونة وأمثال متجددة متنوعة متفرعة على تلك الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية مستحدثة منها معلولة لها تسمى عالم الناسوت وعالم الملك وعالم الشهادة وعالم الحس وعالم الخيال وعالم المثال وعالم النقوش والأشباح الى غير ذلك من العوالم والعبارات المتكثرة الغير المنحصرة وباعتبار مؤثراتها ومصادرها وأصولها ومدبراتها وعللها وفواعلها واربابها واسبابها تسمى عالم اللاهوت وعالم الملكوت وعالم الجبروت وعالم الغيب وعالم الأمر وعالم الأسماء والصفات وعالم الأعيان الثابتة وعالم النفوس والأرواح وغير ذلك من العبارات والاعتبارات التي لا تعد ولا تحصى وباعتبار اندماج الكل في المرتبة الواحدية واندراجها في الهوية الشخصية وكمونها في الحقيقة المتحدة المحمدية وانطوائها في المرتبة الجامعة الجمعية واستهلاكها في حضرة الذات الاحدية المنزهة عن شوب الكثرة وشين الثنوية مطلقا تسمى باسم الله المستجمع لعموم الأوصاف والأسماء وبالغيب المطلق وبالعماء الذاتي وبالوجود المطلق البحت الخالص عن مطلق القيود والحدود وبالحق الحي القيوم المحقق المتحقق ازلا وابدا وبلفظة هو المعبر به عن الهوية المتحدة المتوحدة المتفردة بالذات مطلقا. وبالجملة عليك ان تتفطن من هذه العبارات المتلوة عليك.
والروايات المقروة عندك والإشارات المرموزة بها إليك. الى ما هو قبلة عموم مقاصدك. وقدوة جميع مطالبك ومآربك. مجردة عن اكسية عموم الألفاظ والعبارات. معراة عن تعبيرات مطلق الحروف والكلمات. وعن عموم الرموز والإشارات. المؤدية اليه والدرايات. المشعرة له والإدراكات. المشيرة إياه بل لك ان تخلى فطنة فطرتك وجودة سرك وفكرتك عن رذائل مطلق الرسوم والعادات الطارئة عليك من مألوفات طبعك ومدركات حواسك ومنتزعات آلاتك وقواك. وبالجملة عليك ان تصفى سرك عن نشآت ناسوتك رأسا وتحليها بالواردات الغيبية اللاهوتية المنصبغة بصبغ الحق الحقيق بالحقية الفائضة من لدنه سبحانه بمقتضى استعدادك وفطرتك التي قد فطرك الحق عليها في حضرة علمه الحضوري المحيط وفي لوح قضائه الأزلي السرمدي المحفوظ عن طريان تبديل وتغيير بلا تصرف فيهما منهم شياطين الأوهام والخيالات الناسوتية المستدعية المستتبعة لانواع الرسوم والقيود الامكانية والحدود المتفرعة على الكثرة المقتضية للشركة في الألوهية والربوبية المنافية لصرافة الوحدة الذاتية الحقية الحقيقية المستغنية في ذاته عن مطلق الكثرات الناسوتية مطلقا وإياك إياك ان تنظر الى منطوقات الألفاظ ومحتملاتها فإنها حجب غليظة وسدل كثيفة مسدولة مرخاة بينك وبين مقصدك الحقيقي فلولا ان التنبه والتنبيه والإفادة والاستفادة قد حصلا بالألفاظ والعبارات وبتأديتها وأدائها لما صح وجاز التنطق والتكلم بحجب الألفاظ والعبارات مطلقا سيما لأرباب المعارف والحقائق وذوى العزائم الصحيحة والأذواق الخالصة الذين هم قد خرقوا عموم الحجب والأستار عن البين. وفتقوا مطلق الاغطية والاغشية عن العين. بحيث صاروا ما صاروا بلا سترة وحجاب جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم وصل لهذا الأصل ثم لما كان ظهور الحق وبروزه ازلا وابدا من وراء أستار الآثار الناسوتية وحجب العكوس والاظلال الكونية والكيانية التي هي ملابس الأسماء والصفات اللاهوتية أراد سبحانه ان ينبه على ارباب العناية والقبول من العكوس والاظلال المجبولين على فطرة الايمان والعرفان.
المصورين بصورة الرحمن المختصين بخلعة الخلافة والنيابة من لدنه سبحانه وحدة ذاته المتصفة بعموم
1 / 7
أوصاف الكمال ونعوت الجلال إذ لولا تنبيه الحق وإرشاده وهدايته سبحانه إياهم الى وحدة ذاته ووجوب وجوده وكمالات أسمائه وأوصافه لما تيسر لهم الاطلاع والوقوف على ذاته سبحانه أصلا مثلا لو فرض بقاء شروق الشمس واضاءتها ازلا وابدا على هذا المنوال بلا طريان افول وزوال.
وتعاقب ظلمة وليال. من انى يعلم ان الأنوار والأضواء المحسوسة قد صدرت منها ومن جملة خواصها وأشعتها ولمعانها وشمس الحقيقة الحقية ازلا وابدا على شئونها ولمعانها الذاتية بلا تعاقب افول وطريان تغير وتحول أصلا. وبالجملة لولا ارشاد الحق لعباده الى وحدته الذاتية لصاروا محجوبين منه ومن معرفته ازلا وابدا ولا يهتدون اليه سبيلا أصلا فاقتضت الحكمة الإلهية وضع الطرق والسبل الموصلة الى وحدة ذاته ووجوب وجوده واستقلاله فيه وتوحده في ألوهيته وتفرده في ربوبيته والى سريان سر وحدته الذاتية على ذرائر عموم مظاهره ومجاليه المتكثرة وانبساطه عليها حسب شئونه وتطوراته المترتبة على أوصافه وأسمائه الذاتية المنوطة على تشعشع تجلياته المتجددة دائما بحسب الكمالات الذاتية والنشآت الحبية اللازمة للوجود المطلق المنزه عن وصمة عموم الفتور والفطور. المعرى عن سمة مطلق النقص والقصور. بل يتلألأ دائما على شئون الكمال ازلا وابدا بلا انقضاء وزوال وبلا انصرام وانخرام فيترتب ازلا وابدا دائما مستمرا على نشآته وشئونه الآثار والأمثال. ويتراءى منها على الدوام العكوس والاظلال. فوضع سبحانه حسب حكمته المتقنة مراتب النبوة والرسالة والولاية المطلقة فيفرع عليها الايمان والعرفان والكشف والعيان الى غير ذلك من الحالات العلية والمقامات السنية الواردة لأرباب القلوب الصافية ويظهر ايضا في مقابلة هذه المراتب المذكورة مراتب نقائضها وأضدادها فتكثرت الشئون والنشآت وتشعبت الصور والآثار واختلفت الآراء والأفكار وتزاحمت الطرق والمذاهب وتخالفت الملل والأديان وانقلبت الأطوار والمشارب. وبالجملة قد تحزب نوع الإنسان المجبول على فطرة الدراية والشعور والمعرفة والايمان أحزابا مختلفة وتفرقوا فرقا شتى متخالفة وبالجملة قد بلغت الكثرة غايتها والخلاف والاختلاف نهايتها لذلك اقتضت الحكمة العلية الغالبة الإلهية ثانيا ايضا بوضع النشأة الاولى والاخرى فوضع في الاولى ما وضع من طرق التكاليف المشتملة على الأوامر والنواهي والمندوبات والمحظورات والمكروهات والمستحبات ومطلق المعروفات والمستحسنات الشرعية ومكروهاتها ومستقبحاتها الموضوعة بالوضع الإلهي المثبتة في الكتب المنزلة على الأنبياء والرسل وفي الاخرى التي هي دار المكافاة والمجازاة عن عموم ما جرى في النشأة الاولى كل لنظيرها او نقيضها فوضع سبحانه حسب حكمته المتقنة وفاقها وطباقها ما وضع بمقتضى العدل الإلهي والقسط الحقيقي من الجنة والنار والثواب والعقاب والسؤال والحساب ومطلق الدرجات الجنانية والدركات النيرانية وعموم المعتقدات الاخروية الجارية فيها بالوضع الإلهي ثم اعلم ان مطلق العوالم والنشآت الكلية الإلهية مثل الغيب والشهادة والملك والملكوت والاولى والاخرى وعالم الحس وعالم الخيال وعالم الأمر وعالم المثال وعالم الأشباح وعالم الأرواح وغير ذلك من العوالم والنشآت المحيطة والشئون المحتوية الكلية بل عالم السموات وعالم الأعيان الثابتات وعالم الطبائع والأركان قد يتمثل ويتصور في احد النظيرين او النقيضين منها ما في النظير او النقيض الآخر من الصور والأمثال. والهياكل والأشكال. بصور وهيآت متطابقة متوافقة لها في الحقيقة والمآل. متخالفة بحسب الصورة والحال. فيؤثر ما في احد العالمين في ما في العالم الآخر ويتأثر هو منه بناء على ارتباطات رقيقة ومناسبات دقيقة لا يعلمها الا هو وصور الرؤيا وتعبيراتها ايضا منها
1 / 8
وهذا من غوامض ما قد ينكشف لبعض ارباب المعارف والحقائق الواصلين الى مرتبة الكشف والشهود بحيث قد صار كمالاتهم كلها بالفعل بل بلا انتظار منهم وترقب وبالجملة هذا مبنى على ارتباط جميع أجزاء العالم بعضها ببعض واتصاف كل منها بصفة الآخر على سبيل الإبدال. واتحاد الكل في الحقيقة والمآل. والله اعلم بحقائق عموم المدارك والمقال. والحمد لله على كل حال وصل آخر وبعد ما قد بلغت الكثرة غايتها وانتهت المخالفة نهايتها اظهر سبحانه مرتبتي النبوة والولاية كما أشرنا اليه بان خص بعض النفوس القدسية بالإلهامات الغيبية والإلقاءات الكشفية المعدة للنفوس الزكية لان ينزل عليها سلطان الوحدة الذاتية حسب شئونها وأوصافها وأسمائها وبعد ما قد نزلت الوحدة الذاتية عليها على وجهها وتمكنت فيها بذاتها وتشرفت هي بنزولها وورودها قد فنيت حينئذ هويتها الناسوتية في لاهوتية الحق بالمرة فمنهم من انجذب
إليها بالكلية ولم ينزل عن تلك المرتبة أصلا بل قد بقيت في عالم اللاهوت منخلعة عن البسة عالم الناسوت رأسا بلا شائبة التفات ورجوع منهم الى جانب عالم الناسوت ومقتضياتها أصلا الا وهم البدلاء الأمناء العرفاء الحائرون الهائمون الوالهون الواصلون الفانون الفائزون الباقون الدائمون التائهون الآمنون وهم هم تحت قباب عز الوجوب متمكنون. وعن لوازم الإمكان منسلخون. الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومنهم من حاز كلتى مرتبتي الظاهر والباطن والغيب والشهادة والاولى والاخرى فاستقروا في مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية واحاطوا عموم مراتب الملك والملكوت والناسوت واللاهوت والغيب والشهادة فاستحقوا بكمال التمجيد والتعظيم واختصوا بمزيد التربية والتكريم من لدنه سبحانه وكيف لا وهم قد تأيدوا من عنده سبحانه بالقوة القدسية والحدس الفطري والكشف الجبلي بتربية بعض الأسماء الإلهية إياهم وتقويته عليهم وتأييده إليهم فهؤلاء هم الأنبياء الأمناء الأصفياء الواصلون الى وحدة الذات المتمكنون في مقر الخلافة الإلهية والنيابة الحقيقية الحقية وبالجملة قد انتهت علومهم اللدنية وادراكاتهم الفطرية اللاهوتية الفائضة عليهم من العقل الكل المنشعب من حضرة العلم المحيط الإلهي الى مبدئها الأصلي ومنشأها الحقيقي وكذا عموم أعمالهم الصالحة المقبولة المرضية عند الله الفائضة عليهم من النفس الكلية المنشعبة من حضرة القدرة العلية الغالبة المحيطة الإلهية ايضا الى منشأها الأصلي ومبدئها الحقيقي وبالجملة قد انتهت عموم اوصافهم وأفعالهم ومواجيدهم وأحوالهم الى ما قد فاضت عليهم من المبدء الفياض وكيف لا وقد خلقهم الحق بأخلاقه بعد ما خلفهم عن نفسه وانابهم مناب قدس ذاته وبعثهم الى جميع خليقته وعموم بريته بالولاية المطلقة والدعوة العامة والهداية الكاملة والإرشاد التام الى وحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته وأيدهم بأنواع الكرامات والارهاصات. والمعجزات الخارقة لمطلق الرسوم والعادات. وبوضع الملل والأديان والشرائع المنسوبة الى كل واحد منهم في زمان بعثته وأوان ظهوره وبروزه في أمته ومع ذلك قد خص المرسلين منهم بانزال الكتب والصحف المشتملة على الأخلاق الحميدة الإلهية وسننه السنية وشيمه العلية وخصاله المرضية الجملية المأمورة لهم من لدن حكيم عليم" واعلم" ان بعض ارباب المشارب والأذواق الصحيحة قدس الله أسرارهم قد وجدوا لبعض الأوصاف والأسماء الإلهية مزيد تربية واختصاص بالنسبة الى بعض من المنقطعين نحو الحق بالكلية بتوفيق من لدنه وجذب من جانبه ولهذا ترى بعض المرشدين المكملين يرشدون بعض ارباب الطلب والارادة المسترشدين منهم في أوائل أوان طلبهم وارادتهم باسماع أمهات الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية وتلاوتها عليهم وقراءتها عندهم على تؤدة وطمأنينة تامة وترتيل كامل ليتفرسوا منهم كمال المناسبة والاختصاص
1 / 9
بالنسبة الى بعض الأسماء وأشعروا منهم زيادة تأثرهم وانفعالهم عنه وقبول الأثر منه وبعد ما قد تفرسوا منهم ذلك بالنسبة الى اسم معين وصفة مخصوصة معينة قد ارشدوهم بها وامروهم بتكرارها وتذكارها الى ان قد أحاط بهم أثرها وتمثل عندهم ذلك الاسم والوصف بهيكل ملك ينزل على قلوبهم ويوحى إليهم من المغيبات اللاهوتية وبعد ما قد أتموا امر هذا الاسم ارشدوهم باسم آخر وهكذا الى ان يستوفوا جميع أمهات الأسماء والأوصاف الإلهية على وجهها وحينئذ تمكن في مقر الخلافة والنيابة والولاية المطلقة وصار ما صار بلا سترة وحجاب فحينئذ امروهم وأجازوا لهم بالإرشاد والتكميل ثم اعلم ان العوالم الكلية التي وقع مجالي لتجليات الحق وشئونه الذاتية ومظاهر وآثارا لأوصافه العلية وأسمائه السنية أجل من ان يحيط بها الآراء. او يضبطها العقول والأهواء. بل لا نهاية تحيطها ولا غاية تحصرها أصلا فمن وصل منها الى ما وصل فقد حصل دونه وصدقه وتحقق عنده ومن لم يصل اليه ولم يذعن به ولم يحصل عنده لا بد له ان لا يبادر الى نفيه وإنكاره بل ان يؤمن به ويذره في فضاء الوجود وسواد شئونه وتطوراته المتواردة عليه الى ما شاء الله وما يعلم جنود ربك الا هو وبالجملة ليس الشعور والاطلاع على شئون الوجود وتجليات الحق ونشآته الذاتية وآثار أسمائه وصفاته الغيبية منحصرا بطرق الإدراكات الرسمية والعلوم العادية بواسطة القوى والآلات الطبيعية
والمدارك الحسية او العقلية او الوهمية او الخيالية بل طرق العلوم اللدنية والإدراكات الحضورية والوجدانيات الفطرية والحدسيات الجبلية غير متناهية مثل المعلومات والمدركات الإلهية التي ذكرت بل لكل فرد فرد من افراد الإنسان بل لغيره من الحيوانات العجم بل لسائر المولدات وعموم المركبات من السماويات والأرضيات ومن الممتزجات الكائنة بينهما بل لعموم الذرائر والهباآت المتطايرة في عالم الشهود والفطرات المتتالية في بحر الوجود المترشحة منها على تعاقب الأزمان والعهود طرق اطلاع وشعور شتى وسبل عثور وإدراكات لا تكاد تتناهى كلها منتشئة منشعبة من العقل الكل المنشعب من حضرة العلم المحيط الإلهي وبعد ما ثبت ان العوالم الكلية غير منضبطة وغير متناهية وغير محدودة أصلا وان طرق الشعور والإدراك ايضا كذلك فكيف يسع لاحد ان ينفى ما لم يحط به علما وبالجملة من وصل الى سعة قلب الإنسان المصور بصورة الرّحمن واطلع على فسحة فضاء صدره الذي لا يقدر وسعته بمطلق المقادير أصلا قد انكشف بكثرة مظاهر الحق ومجاليه وعدم تناهيها حسب سعة قلبه وفسحة صدره فحينئذ لا يتأتى منه النفي والإنكار أصلا فلك ان تستحضر وتتذكر ما قال سلطان العارفين وبرهان الواصلين أنال الله براهينه وقدس الله اسراره مشيرا الى سعة قلب الإنسان لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس وقد قال ايضا رأس الموحدين ورئيس المحققين محي الملة والدين قدس الله اسراره ورضى عنه وأرضاه مبالغا لو أن ما لا يتناهى وجوده قدر انتهاء وجوده في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس والحديث القدسي الذي اخبر به سبحانه حبيبه ﷺ مشيرا الى سعة عرشه وفسحة مجلاه بقوله لا يسعني ارضى ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن يغنيك عن كلا القولين المذكورين وبالجملة القلب الذي قد وسع الحق فيه لا يكتنه وسعته مطلقا ولا يدرك به ولا يحاط بفسحته أصلا ومن وصل اليه وحصل دونه لم يبق له مجال انكار وجدال جعلنا الله ممن وصل اليه وحصل دونه بمنه وجوده ثم اعلم ان مفتاح عموم الأسماء الإلهية والصفات الذاتية والفعلية انما هي صفة الحياة الازلية الابدية للوجود المطلق ومن لوازمها القيومية السرمدية والديمومية المطلقة الحقيقية الحقية والحي الحقيقي لا بد ان يكون واجب الوجود دائم التحقق والثبوت متصفا
1 / 10
بعموم الأوصاف والأسماء الكاملة الشاملة ازلا وابدا وصفة الحياة الحقيقية التي هي ثابتة للوجود المطلق مستتبعة لها مستدعية إياها البتة والقيومية المطلقة والديمومية ازلا وابدا لازمة لها غير منفكة عنها أصلا ليكون حيا قيوما دائما في نفسه قياما لما يترتب على أوصافه وأسمائه من الآثار والاظلال والصور والأمثال" واعلم" ايضا ان للاوصاف والأسماء الذاتية الإلهية الفائتة للحصر والإحصاء والحد والانتهاء آثارا بعضها الاعداد وإعطاء الاستعدادات والقابليات ليستعد البعض ويقبل الكمالات اللائقة الفائضة عليه من البعض الآخر في نشآت ومراتب وبالعكس في نشآت ومراتب اخرى وبالجملة بعض الأوصاف الإلهية والأسماء الذاتية يوجد ويظهر أثرا قابلا لقبول ما يفيضه البعض الآخر من الكمالات اللائقة الوجودية في مرتبة وشأن وهذا الفاعل ايضا قابل بالنسبة الى فاعل آخر في شأن آخر وكذا هذا القابل ايضا فاعل بالنسبة الى قابل آخر في مادة اخرى بل كل القوابل فواعل والفواعل قوابل بحسب الشئون والمواد وهكذا جريان التفاعل والتمازج ازلا وابدا بين مقتضيات الأسماء والأوصاف الذاتية والفعلية الإلهية والصور والآثار المترتبة عليها والشئون والتطورات الطارئة إياها وبالجملة سريان الوحدة الذاتية على عموم الكثرات الاسمائية والصفاتية ازلا وابدا على هذا المنوال بلا انقضاء وزوال فعليك ايها العارف المتفرج اعانك الله على ما يعنيك ان تنصرف أنت في نفسك عن تصرفات مداركك ومشاعرك مطلقا وتنعزل عن مقتضيات قواك وآلاتك جملة وعن لوازم حواسك ومدركاتها رأسا وبالجملة عليك ان تميت نفسك بالموت الإرادي عن مقتضيات الحياة المستعارة الصورية ولوازمها الناسوتية مطلقا حتى تكون أنت بلا أنت وكنت بلا كنت متصفا بالحياة الحقيقية الحقية ولوازمها اللاهوتية ومقتضياتها الروحانية الباقية ازلا وابدا وحينئذ يمكنك التحقق والتمكن والتقرر في مقر الخلافة
والنيابة الإلهية بلا تزلزل وتلوين فحينئذ حق لك ان تتفرج في مظاهر الحق ومجاليه التي هي متنزهات اليقين العلمي والعيني والحقي وتتنعم أنت بلا أنت في روضات المكاشفات والمشاهدات الجارية فيها انهار المعارف والحقائق المملوة بمياه العلوم اللدنية والإدراكات الفطرية الفائضة من العقل الكل والنفس الكلية المنشعبتين من حضرتى العلم المحيط الإلهي والقدرة الكاملة الشاملة المنبسطة من القوة القدسية المترشحة من بحر الوجود بمقتضى الجود الإلهي وإياك إياك ان تميل الى مزخرفات الدنيا الدنية ومقتضيات القوى البهيمية ومشتهيات النفس والهوى فإنها تعوقك عن المولى وتضلك عن طريق الرشد والهدى عصمنا الله وعموم اهل الطلب والارادة عن متابعة النفس ومشايعة الهوى بمنه وجوده ثم اعلم ان الأوصاف الكاملة والأسماء العامة الشاملة الإلهية المشتمل عليها الوجود المطلق الإلهي المندرجة في الوحدة الذاتية والهوية الشخصية السارية الحقيقية الحقية تقتضي الظهور والبروز حسب كمالاتها الذاتية الكامنة فيها إذ من لوازم عموم الكمالات الوجودية ومن مقتضياتها الكمالية التحقق والبروز على حسب الكمال الوجودي بمقتضى التجلي الحبى بحسب الجود الإلهي ولا شك ان ظهور الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية بحسب الكمال انما هو بصدور الآثار منها وبترتب الصور والاظلال عليها وحصول العكوس والأمثال من شئونها وتجلياتها في عموم العوالم والمجالى غيبا وشهادة وظهور الآثار والأمثال منها انما هو بتوهم الذوات والموصوفات والمسميات الحاملة إياها ظاهرا فمن ظهور الأوصاف والأسماء الذاتية ظهر الصور والآثار والاظلال الوهمية المستندة الى الذوات المعدومة والموصوفات الموهومة المنعكسة من تلك الأوصاف والأسماء الذاتية الكاملة في أنفسها المقتضية للظهور والبروز المربية لتلك الصور والاظلال والأشباح المرئية في عالم
1 / 11