Les bénéfices éclatants dans les biographies des Hanafites

الفوائد البهية في تراجم الحنفية

Maison d'édition

طبع بمطبعة دار السعادة بجوار محافظة مصر

Édition

الأولى،١٣٢٤ هـ

Année de publication

على نفقة أحمد ناجي الجمالي ومحمد أمين الخانجي الكتبي وأخيه

Lieu d'édition

لصاحبها محمد إسماعيل

الفوائد البهية في تراجم الحنفية
تأليف
العلامة أبي الحسَنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي
عنى بتصحيحه وتعليق بعض الزوائد عليه
السيد محمد بدر الدين أبو فراس النعساني
دار الكتاب الإسلامي

Page inconnue

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اختار في الأنبياء نبينا محمدًا ﷺ * وشرفه على سائر المخلوقات وعظم وكرم * وجعل أمته أشرف الأمم * ودينه من بين سائر الأديان دينًا أقوم * فسبحانه من إله أحمده حمدًا مطيبًا على أن أجرى أنهار الشرع من حضرة الرسالة إلى أكناف العالم * وجعل لحفرها وأجرائها أئمة سادة وفقهاء قادة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين هداة الأمة إلى الطريق الأمم * ما أعظم شأنه أشكره شكرًا طيبًا على أنه جعل اختلاف المذاهب رحمة وافتراق المشارب نعمة بأيها اقتدى الإنسان اهتدى إلى طريق الجنان ونال بحظ أعظم * أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله ومشى طريقه ما تقارن السفر والقلم * وتواصل الناعم بالنعَم (وبعد) فيقول الراجي عفو ربه القوي أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي تجاوز الله عن ذنبه الجلي والخفي أن في علم التاريخ عبرة لمن اعتبر وموعظة لمن افتكر وإعلام أن من دخل دار الدنيا فهو على سفر وإحضار حالات من مضى وغبر ونداءً على أن كل ما في هذه الدار فهو مقهور تحت القضاء والقدر لا يتأخر ساعة ولا يتقدم لمحة عن وقته المقدر فهو أجل ما يطالعه أرباب العقول وأعز ما ينفع به الجهول وأفضل ما يعاينه نقاد الفحول وأعلى ما تبصر به الغَفول وله شعب متفرقة وصنوف متشتتة وأجلها فن تراجم الكبار وأخبار الأخيار ففيه غير ما مضى فوائد جمة ومنافع مهمة منها الاطلاع على مناقبهم وأوصافهم ونباهتهم وجلالتهم ليحصل التأدب بآدابهم والتخلق بأخلاقهم فيحشر في زمرتهم ويدخل فيهم وإن لم يكن منهم ومنها الاطلاع على مراتبهم ومدارجهم فيؤمن به من تنزيل أعلى الرتبة إلى الأدنى وتعريج أدنى المرتبة إلى الأعلى واختيار قول أدناهم على أعلاهم عند تعارض أقوالهم وإفاداتهم ومنها الاطلاع على مواليدهم وأعصارهم ووفياتهم وأزمانهم فيحصل الأمن من جعل القديم حديثًا والحديث قديمًا والمتقدم متأخرًا والمتأخر متقدمًا ومنها الاطلاع على آثارهم وحكاياتهم وفيوضهم وتصنيفاتهم فيتحرك عرق الشوق إلى الاهتداء بهديهم والاقتداء بسيرهم ولم أزل من حين ترعرعت من الصبا إلى الشباب متشوقًا إلى استدراك أخبار العلماء الأنجاب كم طالعت فيه من كتب الطبقات وأسفار حوادث السنين والأوقات إلى أن حصل عندي من ذلك الحظ الأَوفر واختزن منه القدر الأكثر فأردت أن أجمع ذلك في مجموع يكون هو منتهى الجموع لما أني رأيت علماء زماننا بل كثيرًا ممن سبقنا في بلادنا قد ظنوه شيئًا فريًّا واتخذوه ظهريًّا فصار ذلك عليهم كنزًا مخفيًّا بل نسيًا

1 / 2

منسيا فوقعوا بذلك في الورطة الظلماء وركبوا متن عمياء تراهم لا يعلمون أعلام الاعلام المذكورين في دفاتر الكرام فضلا عن أحوالهم وصفاتهم وفضلا عن مواليدهم ووفياتهم إذا سئلوا عن فقيه مذكور في الكتب بلقبه أو بنسبته أو مشهور بنسبه أو بوصفه ما اسمه وكيف رسمه وأي السنة عصره وأي البلد مقره ترددوا في ذلك تردد البهائم وتفكروا تفكر البهائم تراهم ينسبون في رسائلهم تصنيف فقيه إلى غيره ولا يميزون بينه وبين غيره لاسيما إذا اتحدت الأعلام والألقاب أو الأعصار والأنساب تراهم إذا وقع التعارض بين أقوال العلماء يقدمون الأدنى على الأعلى وينزلون الأعلى إلى الأدنى لا يميزون بين المعروف والمجهول والمردود والمقبول ولا يفرقون بين الغيث والثمين والشمال واليمين ثم بدا لى أن الهمم قاصرة والخواطر فاترة والعزائم مقتصرة والقلوب منكسرة إذا رأوا كتابًا كبيرًا تقاعدوا عن مطالعته وحرموا من بركته فالأهم إفراد الأهم فالأهم فصرفت عنان العزيمة إلى جمع تراجم الحنفية خصهم الله بألطافه الجلية والخفية فإن الحاجة إليها لأصحابنا أكثر والاحتياج إليها في بلادنا أظهر والأكابر وإن صنفوا في أحوالهم الدفاتر فمنهم من أفردهم كعبد القادر القرشي والمجد الشيرازي وقاسم بن قطلوبغا والقطب المكي وعلي القارى وغيرهم ومنهم من خلطهم بغيرهم كالجلال السيوطي والحافظ الذهبي والحافظ العسقلاني والشمس السخاوى والقطب اليافعي ومحمد بن فضل الله المحبي وغيرهم لكنها في أكثر بلادنا مفقودة وتحت حجب الاختفاء مقهورة ورأيت أني لو جمعتهم في كتاب واحد حسب ما وصل إليه علمى من زمان الإمام إلى هذا العصر واحدًا بعد واحد يصير المجموع أكبر لا ينتفع به إلا الأندر. فأحببت أن أفرقهم في كتب متعددة ورسائل منفردة ليتيسر الانتفاع بها ولا يتعسر الاستفادة منها فأفردت لمن له ذكر في الهداية وهو من الكتب المعتبرة عند أرباب الهداية رسالة سميتها بمقدمة الهداية ثم جعلت له ذيلا مسمى بمذيلة الدراية وأفردت لتراجم شراح الجامع الصغير وأرباب المتون المشهورة وأصحاب الكتب المعروفة رسالة سميتها بالنافع الكبير لمن يطلع الجامع الصغير وذكرت من له أو لكتابه ذكر في شرح الوقاية مع ذكر شراح الوقاية ومحشي شرح الوقاية وشراح النقاية في مقدمة شرحي لشرح الوقاية المسمى بالسعاية في كشف ما في شرح الوقاية * وهذه الرسائل قد اشتملت على تراجم كثير من العلماء الشافعية وغيرهم بل وكثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ثم ظفرت بطبقات الكفوي المسماة بكتائب أعلام الأخيار (١) لمحمود بن سليمان الكفوي فوجدته أحسن كتاب

(١) كانت وفاته على ما في كشف الظنون سنة ٩٩٠ وذكر هو بنفسه في كتاب أعلام الأخيار في بدء الكتيبة الأولى أنه اخذ العلم عن السيد محمد عبد القادر وعن عبد الرحمن بن على وعن محمد بن عبد الوهاب ولهم أساتذة كثيرة فابن عبد القادر تلميذ نور الدين القره صوى تلميذ سنان باشا يوسف بن خضر بيك تلميذ أبيه وعبد الرحمن أخذ عن سعد الله بن عيسى بن أمير خان وهو عن محمد بن حسن السامسوني عن أبيه عن إلياس بن يحيى بن حمزة عن محمد بن محمد بن محمود الحافظي الشهير بخواجه =

1 / 3

صنف في هذا الباب فيه فوائد كثيرة نافعة لأولى الألباب قد ذكر فيه مشاهير الحنفية من عصر الإمام إلى عصره مع ذكر سلاسل تلامذتهم ووفياتهم ومواليدهم وتصنيفاتهم وآثارهم وحكاياتهم وأورد في ترجمة كل فقيه فوائد من تصانيفهم وفرائد من تآليفهم ورتبه على كتائب عديدة وأورد في كل كتيبة تراجم جماعة غفيرة وختم كل كتيبة بذكر جماعة من الأولياء والصلحاء الذين بذكرهم تنزل الرحمة وتندفع القسمة فلخصت من كتابه تراجم الفقهاء من دون حذف ما يتعلق بها حاذفا الفوائد التي لا تتعلق بها وتركت ذكر الأولياء والصلحاء لما أن التصانيف في أحوالهم قد كثرت والدفاتر في أخبارهم قد اشتهرت * ثم زدت معلمًا بقولى قال الجامع بعد الفراغ من التلخيص من كتب أخر صنفت في هذا الباب من الفوائد التي يستحسنها أولو الألباب فالترجمة التي ليس فيها قال الجامع فهي من الأصل وما هو فيها فقبله من الأصل وبعده من هذا الجامع ورتبت التراجم على حروف المعجم ليكون الانتفاع أسهل والتحصيل أكمل وبدأت بمقدمة فيها ما يفيد البصيرة وختمت بخاتمة فيها فوائد جليلة وسميت هذا المجموع (بالفوائد البهية في تراجم الحنفية). وكان الفراغ من تلخيص الأصل في مدة شهر واحد وهو شهر جمادي الآخرة من شهور السنة الحادية والتسعين بعد الألف والمائتين حين إقامتي بالوطن حفظ عن شرور الزمن والفراغ من تهذيبه وترتيبه في مدة أربعة أشهر من شهور السنة الحادية والثانية بعد التسعين

= بارسا عن محمد الطاهرى عن صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود وابن عبد الوهاب أخذ عن أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا تلميذ مصلح الدين القسطلاني تلميذ خضر بيك تلميذ محمد بن ادمغان تلميذ شمس الدين محمد الفنارى تلميذ أكمل الدين محمد البابرتي انتهى ملخصًا. وقال في ترجمة محمد بن عبد القادر كان الفقير من أصحاب درس الهداية وكان المرحوم بدر الدين محمود السيرافي من شركاء درسنا ويحضر درسنا أيضًا أكبر أولاده مصطفى مات شابا مدرسًا ببرسا سنة ٩٦٢ ثم كان يحضر أصلح أولاده محي الدين محمد جلبي بن الشيخ محمد جوي زاده وقد وصلت إلى خدمته من خدمة الفاضل عبد الرحمن جلبي فقرأت عليه نبذًا من الهداية ثم التلويح ثم في سنة ٩٥٩ دخلت في سلك الملازمين انتهى * وقال في ترجمة ابن الهمام اعتنى ابن الهمام بشرح الهداية لكنه لم يوفق للتكميل ثم اعتنى بتكميله أستاذنا مرجع الأعلام منبع الفضائل والمفاخر المفتى يومئذ في الممالك العثمانية شمس الدين أحمد بن القاضي بدر الدين ولقد كنت في سالف الزمان في مدرسة مراد خان ببروسا قرأت عليه وكان مدرسًا فيها شرح المفتاح وكتب هو حاشية على شرح المفتاح انتهى وذكر في ترجمة أبي بكر بن الحاج خير الدين الكفوى أن أول سفره من بلدة كفو إلى قسطنطينية في عنفوان الشباب سنة ٩٤٩ وذكر في ترجمة الكورانى أنه كان مدرسًا في سنة ٩٦١ بمدرسة الكوراني في قسطنطينية بعشرين درهما كل يوم وذكر في ترجمة طاهر بن قاسم أن من تصنيفه كتاب الجواهر طالعه ببلدة سينوب حين ابتلائه بقضائها وذكر في آخر الطبقات أن عمره حين صنفه ستون سنة

1 / 4

حين إقامتي بحيدر آباد الدكن نقاها الله البدع والفتن * وقد بذلت فيه جهدى وصرفت فيه وسعي * أوردت الاختلاف الواقع في المواليد والوفيات ووضحت مازل فيه قدم الكفوي وغيره من العلماء في نسبة التصنيفات. وأوضحت توثيق قدماء فقهائنا أو تضعيفهم في الرواية من كتب أصحاب الدراية * وضبطت نسب الفقهاء من كتب الأنساب وبينت ما وقع فيه من الأصحاب. وحققت ما وقع في البين من ذكر المسائل ووقعت الدلائل كم سهرت لهذا الجمع في ظلم الدياجر واحتملت المشقة في ظمأ الهواجر * وليس غرضي من ذلك أن يدرج اسمي في المؤلفين ويشتهر ذكرى في العالمين بل مقصودي به وبسائر تصانيفي أن يحصل العلم لمن لا يعلم ويكون وسيلة لي إلى دار النعم ولئن أمهلني الله في العمر لأجمع ذكر من لم يذكر في هذا المجموع في مجموع آخر يكون للعلماء نافعًا وللفضلاء كافيًا أن شاء الله تعالى والله أسأل أن يجعله وسائر تصنيفاتي خالصة لوجهه الكريم أنه ذو الفضل العظيم * والمرجو ممن ينتفع بهذا المجموع أن يدعو لي بحسن الخاتمة في الدنيا والآخرة
* * *
[المقدمة]
اعلم أن ذات نبينا محمد ﷺ كمنبع العيون جرت منه أنهار الفنون وأول من أجراها وحفرها هم الصحابة المهديون لاسيما الخلفاء الراشدون وهم في العلوم كالنجوم بأيهم اقتديت اهتديت وهم ورثة النبي ﷺ حقًا ونوابه في إشاعة الدين صدقا ثم جرت منهم إلي مستفيديهم وتابعيهم ومنهم إمامنا الأعظم ومقلّدُنا المقدم أبو حنيفة النعمان بن ثابت على ما هو الأصح الثابت ومنهم إلى اتباع التابعين ثم إلى اتباعهم من الأئمة المجتهدين ثم إلى مقلديهم من الفقهاء والمحدثين ولا يزال هذا الانتظام إلى قيام يوم الدين وكلهم قد أولعوا في إشاعة العلوم وإفاضتها على أرباب الفهوم تذكيرًا وتصنيفًا وترصيفًا وتحديثا فرحمهم الله رحمة واسعة وأفاض عليهم سحب النعم الكاملة فلولاهم لما اهتدينا ولبقينا على ما كنا (واعلم) أنه ليس الأمر كما يظنه الجاهل الفاسد ذو العقل الكاسدان اختلاف الصحابة ومجتهدى الأمة قد أشكل الأمر وجعل الأيسر أعسر بل الأمر أن اختلافهم صار رحمة لهذه الأمة قد جعل الدين يسرًا وأزال عنه عسرًا أو لا يعلم أنه لو تبع من منبع نهر واحد هل يكون الأمر فيه أسهل أم فيما إذا نبع من المتعدد * فهذه المذاهب المختلفة للأئمة ومجتهدى الأمة كلها تتصل بأنهار الصحابة وهي متصلة بمنبعها وهو حضرة الرسالة فكلها على هدى من اقتدى بأيها اهتدى ومن توهم أن واحدًا منها على هدى وسائرها في ضلالة وقع في حفرة الضلالة (واعلم) أنه قد كثر في هذه الأمة المجتهدون ولهم جماعة مقلدون كلهم قد صرفوا أوقاتهم في إجراء أنهار الشريعة وبذلو جهدهم في تحقيق الطريقة القويمة بل لا يخلو مائة من المئات من المجددين يهتدي بهم طائفة من المقلدين بل ولا عصر من الأعصار عن جماعة المجتهدين في أقطار الأرضين وإن كانوا في الظاهر

1 / 5

من المقلدين وهذا من كمال فضل الله سبحانه على العباد يجب شكره في كل وقت على العباد بهم يهتدون ويرزقون ويمطرون ويرشدون. إلا أن من اشتهرت مذاهبهم ودونت مشاربهم وحققت مسالكم ووضحت دلائلهم وحصل لهم القبول من أرباب العقول في أطراف الأرضين مع مرور الشهور وكرور السنين هم أربعة أبو حنيفة الكوفي ومالك وأحمد والشافعي. وأولهم الأول ويعاصره الثاني وقيل قد روى الأول شيئًا عن الثاني وقيل بل الثاني تلميذ الأول. والثالث تلميذ الرابع. والرابع تلميذ الثاني ولبعض تلامذة الأول. وأما باقي المجتهدين ممن تقدمهم أو تأخرهم فمنهم من لم توجد له الاتباع ولم يكمل به الانتفاع ومنهم من ظهرت له طوائف مقلدة وانتشر مذهبه في الأسفار المدونة لكن قد اندرس ذلك في مدة قليلة ولم يبق له أثر وخبر من أزمنة كثيرة. ومن هاهنا قال من قل لا سبيل إلى السلوك على غير هذه المسالك الأربعة لكنه منازع في ذلك منازعة مبرهنة. ثم إن الناس أكثرهم أخذوا بهذه المذاهب وقال من تبع غيرها من المشارب. فشاع مذهب أحمد في نواحي بغداد وشيوعه دون شيوع باقي المذاهب في البلاد. وشاع مذهب مالك في بلاد المغرب وبعض بلاد الحجاز. وشاع مذهب الشافعي في أكثر بلاد الحجاز واليمن وبعض بلاد الهند وبعض أطراف بلاد الدكن وبعض أطراف خراسان وتوران. وشاع مذهب أبي حنيفة إلى بلاد بعيدة ومدن عديدة كنواحي بغداد ومصر والروم وبلخ وبخارا وسمرقند وأصبهان وشيراز وأذربايجان وجرجان وزنجان وطوس وبسطام واستراباد ومرغينان وفرغانة ودامغان وخوارزم وغزنة وكرمان وأكثر بلاد الهند والسند والدكن وبعض بلاد اليمن وغيرها من الأطراف الشاسعة والأكناف الواسعة. وكلهم نشروا علوم أئمتهم إملاء وتدريسًا وتصنيفًا وتأليفًا. ولا يزال هذا الانتظام إلى أن يظهر المجتهد المطلق آخر أئمة الحق الإمام المهتدي محمد ابن عبد الله المهدى ويزل عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فيبطل في زمنهما الاتباع والتقليد ويظهر حكمهما بطريق الأخذ من الكتاب والسنة والاستنباط من مشكاة النبوة على الرأي السديد. نص عليه جماعة من المحققين ومؤيدى الدين المتين في دفاترهم وأسفارهم كان حجر العسقلاني والجلال السيوطي ومحمد بن عبد الرسول البرزنجي وعلى القارى والشيخ محيي الدين بن عربي. وأما قول بعض المجهولين والمتعصبين أن عيسى والمهدى يقلدان الإمام أبا حنيفة ولا يخالفانه في شيء من طريقه فهو من الأقوال السخيفة نص عليه أرباب الشريعة والحقيقة بل هو رجم بالغيب بلا شك ولا ريب (واعلم) أن مقلدة الأئمة الأربعة اشتهروا بالانتساب إلى حضرات مقلديهم العلية كالحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية ليحصل التمييز بينهم ويفترق أحدهم عن ثانيهم وفي الحقيقة كل طائفة منهم محمدية فإن تقليدهم أئمتهم والسلوك على مسلكهم سلوك على طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واغتراف من ذلك المنبع الأعظم فمن استنكف عن هذه النسب الشهيرة وجعلها مخالفة للشريعة فقد خبط خبط عشواء وركب متن عمياء وجَهل وجهَّل وضل وأضل (واعلم) أنهم قسموا أصحابنا الحنفية على ست طبقات. الأولى طبقة المجتهدين في المذهب

1 / 6

كأبي يوسف ومحمد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام من القواعد التي قررها الإمام. والثانية طبقة المجتهدين في المسائل التى لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف والطحاوى والكرخي والسرخسي والحلواني والبزدوى وغيرهم وهم لا يقدرون على مخالفة إمامهم في الفروع والأصول لكنهم يستنبطون الأحكام التى لا رواية فيها على حسب الأصول. والثالثة طبقة أصحاب التخريج القادرون على تفصيل قول مجمل وتكميل قول محتمل من دون قدرة على الاجتهاد. والرابعة طبقة أصحاب الترجيح كالقدورى وصاحب الهداية القادرون على تفضيل بعض الروايات على بعض بحسن الدراية. والخامسة طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين القوى والضعيف والمرجح والسخيف كأصحاب المتون الأربعة المعتبرة. والسادسة من دونهم الذين لا يفرقون بين الغث والسمين والشمال واليمين. هذه قسمة شهيرة وفيها أنظار خفية قد ذكرتها مع أصناف القسمة في الفصل الأول من النافع الكبير. وهو بل كل ما ذكرته في ذلك الفصل يصلح أن يقدمه هاهنا لكن لما ذكرناها هناك أغنانا عن ذكرها هاهنا فليرجع إليه
* * *
(حرف الألف)
(إبراهيم بن إسماعيل) بن أحمد بن إسحاق بن شيث بن الحكم أبو إسحاق ركن الإسلام الزاهد المعروف بالصفَّار أبوه وجده وجد أبيه كلهم من أفاضل الحنفية. وهو تفقه على والده مات ببخاري في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة ٥٣٤ أربع وثلاثين وخمس مائة وله تصانيف منها كتاب تلخيص الزاهدي وكتاب السنة والجماعة وأخذ عنه جماعة منهم فخر الدين قاضيخان الحسن بن منصور بن محمود الأوزجندي (قال الجامع) يأتي ذكر جده إسحاق بن شيث وجده أحمد بن إسحاق وأبيه إسماعيل وابنه حماد. وذكر السمعاني (١) وفي كتاب الأنساب عند ذكر الصفار أنه بفتح الصاد المهملة وتشديد الفاء

(١) هو تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني المروزي الشافعي صاحب كتاب الذيل لتاريخ بغداد وتاريخ مرو وطراز المذهب في آداب الطلب وكتاب الأنساب وتحفة المسافر والمناسك والتحبير في المعجم الكبير والأمالى وغير ذلك توفي في غرة ربيع الأول سنة ٦٦٢ كذا في الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل لمجير الدين الحنبلى وكتاب الأنساب للسمعاني الذي نقلنا عنه في كتابنا كثيرًا كتاب نفيس جامع لذكر البلاد الواسعة والديار الشاسعة والقرى المعروفة والقبائل المشهورة مع ضبطها وتراجم من نسب إليها وقد طالعته بتمامه وانتفعت به ولعمري لم يصنف في الإسلام مثله ومع ذلك هو قابل لأن يزاد عليه ويضم ما فاته إليه وسيأتي ذكر نسبة السمعاني وتراجم والده وأعمامه وجده عند ترجمة والد جده محمد بن عبد الجبار السمعاني وفي مرآة الجنان لليافعي في حوادث سنة ٥٧٢ فيها توفي تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم السمعاني ذكره الشيخ عز =

1 / 7

في آخره راء مهملة يقال لمن يبيع الأوانى الصفرية. ثم قال من جملة المشتهرين به بعد ما ذكر إسماعيل وابنه أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفار المعروف بالزاهد الصفار كان إمامًا ورعًا زاهدًا مثل والده في قمع السلاطين وقهر الملوك حمله السلطان سنجر بن ملك شاه إلى مرو وأسكنه إياها وحدث عن أبيه وأبي حفص عمر بن منصور بن حبيب الحافظ وأبي محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن وطبقتهم. محدث عنه جماعة وكانت وفاته ببخارى انتهى كلامه. وقال على (١) القارى في كتابه الأثمار الجنية في طبقات

= الدين أو الحسن على بن الأثير الجزري في مختصره فقال كان السمعاني واسطة عقد البيت السمعاني وعينهم الباصرة ويدهم الناصرة إليه انتهت رياستهم وبه كملت سيادتهم رحل في طلب العلم والحديث إلى شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها وإلى ما وراء النهر وسائر بلاد خراسان وإلى قومس وأصبهان وهمدان وبلاد الجبال والعراق والحجاز والموصل والجزيرة والشام وغيرها ولقى العلماء وجالسهم وأخذ عنهم واقتدى بأفعالهم وروى عنهم وكانت عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف وكان حافظًا ثقة مكثرًا واسع العلم كثير الفضائل ظريفًا لطيفًا وصنف التصانيف الحسنة من ذلك تذييل تاريخ بغداد الذي صنفه أبو بكر الخطيب نحو خمسة عشر مجلدًا وتاريخ مرو يزيد على عشرين مجلدًا والأنساب نحو ثمان مجلدات وهو الذي اختصره عن الدين بن الأثير الجزرى واستدرك عليه في ثلاث مجلدات وكانت ولادته يوم الاثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة ٥٠٦ انتهى.
(١) هو علي بن سلطان محمد الهروي نزيل مكة المعروف بالقاري الحنفي أحد صدور العلم فرد عصره الباهر السمت في التحقيق ولد بهراة ورحل إلى مكة وأخذ عن الأستاذ أبي الحسن البكرى وأحمد بن الحجر الملك وعبد الله السندى وقطب الدين المكي واشتهر ذكره وطار صيته وألف التآليف النافعة منها شرحه على المشكاة وشرح الشفا وشرح الشمائل وشرح النخبة وشرح الشاطبية وشرح الجزرية والأثمار الجنية في أسماء الحنفية ونزهة الخاطر الفاتر في مناقب الشيخ عبد القادر وكانت وفاته بمكة في شوال سنة ١٠١٤ كذا في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادى عشر لمحمد بن فضل الله الدمشقي وقد طلعت تصانيفه المذكورة كلها وشرح موطأ محمد وسند الأنام شرح مسند الإمام وتزيين العبارة لتحسين الإشارة والتدهين للتزيين كلاهما في مسألة الإشارة بالسبابة في التشهد والحظ الأوفر في الحج الأكبر ورسالة في الإمامة ورسالة في حب الهرة من الإيمان ورسالة في العصا ورسالة في أربعين حديثا في النكاح وأخرى في أربعين حديثًا في فضائل القرآن وأخرى في تركيب لا إله إلا الله وأخرى في قراءة البسملة أول سورة براءة وفرائد القلائد في تخريج أحاديث شرح العقائد والمصنوع في معرفة الموضوع وكشف الخدر عن أمر الخضر وضوء المعالى شرح بدء الأمالى والمعدن العدني في فضائل أويس القرني ورسالة في حكم ساب الشيخين وغيرها من الصحابة وشرح الفقه الأكبر وفتح باب العناية في شرح النقابة والاهتداء في الاقتداء وكلها نفيسة في بابها فريدة وله رسالة في أن حج أبي بكر كأن في ذي الحجة ورسالة فى والدى

1 / 8

الحنفية إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق الأنصاري أو إسحاق الفقيه عرف بالصفار تفقه على والده وسمع الآثار للطحاوي على والده وكتاب العالم والمتعلم لأبي حنيفة على أبي يعقوب السيَّاري بتشديد التحتية بقراءة والده والسير الكبير لمحمد على أبي حفص وكتاب الكشف في مناقب أبي حنيفة تصنيف عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي على والده وكان من أهل بخاري موصوفا بالزهد والعلم وكان لا يخاف في الله لومة لائم.
(السيد إبراهيم) كان والده من سادات العجم وأولياء الله تعالى ارتحل إلى بلاد الروم وتوطن في قرية بنواحي أماسية ونشأ ولده هذا في حجره واشتغل بالعلم على سنان الدين ثم على حسن بن عبد الصمد السامسوني وصار مدرسًا بمدارس مرزيفون وحصار وقسطنطينية ثم فوض إليه السلطان بايزيدخان مدرسته بأمامية وفوض إليه أمر الفتوى وتوفى سنة خمس وثلاثين وتسعمائة وقد نيف على التسعين وكان ذا عفة وديانة لم يره أحمد إلا جاثيًا على ركبتيه ولم يضطجع أبدًا وكان لا ينام إلا جالسًا وكتب بخطه المليح كثيرًا من الكتب.
(إبراهيم بن سليمان) رضي الدين الرومي القونوي المنطقي كان عالمًا فاضلًا شيخًا قرأ على جماعة من الفضلاء ثم ورد دمشق وقرأ عليه جماعة كثيرة وحج سبع مرات وصنف شرح الجامع الكبير في ست مجلدات وشرح المنظومة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة (قال الجامع) ذكره القاري في طبقاته وقال كان عالمًا فاضلًا نحويًا مفسرًا متدينًا متواضعًا انتهى. ونسبته إلى قونية بلدة معروفة هي كرسي بلاد قرمان وقرمان بلاد واسعة بأرض الروم ذات مدن وقرى منسوبة إلى أول من وليها من السلاجقة كذا ذكره أحمد بن يوسف بن أحمد الدمشقي في كتابه (١) أخبار الدول وآثار الأول.
(إبراهيم بن رستم) أبو بكر المروزى تفقه على محمد وروى عن أبي عصمة نوح الجامع وسمع من مالك وغيره وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أئمة الحديث أبو عبد الله أحمد بن حنبل وغيره وعرض

= المصطفى ﷺ ورسالة في صلاة الجنازة فى المسجد وبهجة الإنسان فى مهجة الحيوان وشرح عين العلم وغير ذلك من رسائل لا تعد ولا تحصى وكلها مفيدة بلغت إلى مرتبة المجددية على رأس الألف.
(١) هو كتاب لطيف مشتمل على مقدمة وخمسة وخمسين بابا فيه فوائد شريفة وفوائد لطيفة قد طالعته وانتفعت به فرغ منه مؤلفه كما ذكر في آخره في المحرم سنة ٨٠٨ وهو أحمد بن يوسف بن أحمد الدمشقي الشهير بأحمد بن سنان القرماني قال صاحب خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر قدم أبو سنان إلى دمشق وولى نظارة البيمازستان ونظارة الجامع الأموي وانتقد عليه أنه باع بسط الجامع الأموي وأنه خرب مدرسة بقرب بيمارستان النوري فقتل بسبب هذه الأمور رابع عشر شوال سنة ٩٩٦ ونشأ ابنه أحمد بعد أبيه وصار كاتب وقف الحرمين ثم ناظره وكان حسن المحاضرة وله مخالطة مع الحكام خصوصًا للقضاة وجمع تاريخه الشائع وتعرض فيه لكثير من الموالى والأمراء وسماه أخبار الدول وكانت ولادته في سنة ٩٣٩ وتوفي تاسع عشر شهر شوال سنة ١٠١٩. انتهى كلامه.

1 / 9

المأمون عليه القضاء فامتنع وله النوادر كتبها عن محمد (قال الجامع) قال علي القاري روي عن أبي عصمة نوح المروزى وأسد البجلي وهما ممن تفقه على أبي حنيفة وسمع من مالك والثوري وحماد بن سلمة وغيرهم مات بنيسابور قدمها حاجًا سنة إحدى عشر ومائتين انتهى. ونسبته إلى مَرْو بفتح الميم وسكون الراء المهملة في آخرها واو بلدة معروفة يقال لها مرو الشاهجهان وكان فتحها سنة ثلاثين من الهجرة وإلحاق الزاى المعجمة بعد الواو في النسبة للفرق بينه وبين المروي وهي ثياب مشهورة بالعراق منسوبة إلى قرية بالكوفة كذا ذكره السمعاني.
(إبراهيم بن علي) بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد قاضي القضاة نجم الدين الطرسوسي وُلي القضاء بدمشق بعد والده سنة ست وأربعين وسبعمائة وأفتى ودرس وصنف الفتاوي الطرسوسية وأنفع الوسائل ومات سنة ثمان وخمسين وسبعمائة كذا ذكره قاسم بن قطلوبغا في ترجمته وذكره عبد القادر في الجواهر المضية في باب أحمد بن عليّ والأول أصح (قال الجامع) سيأتى ذكر والده في حرف العين إن شاء الله تعالى. ونسبته إلى طرسوس بفتح الطاء والراء المهملتين بعدها سين مهملة مضمومة بعدها واو بعدها سين مهملة كذا ضبطه النووى في (١) تهذيب الأسماء واللغات وابن

(١) هو كتاب مفيد مشهور أوله الحمد لله خالق المصنوعات إلخ جميع فيه الألفاظ الموجودة في مختصر المزني والمهذب والوسيط والتنبيه والموجز والروضة وشرحِها وضم إليها قدرًا كثيرًا من أسماء الرجال الذين يتداول أسماؤهم ويحتاج إلى معرفة أخبارهم ورتبه على قسمين. الأول في الأسماء (قد طبع فى ستة أجزاء صغار فى مدينة لبسيك). والثانى في اللغات وقد طالعته مرة بعد مرة ومؤلفه شيخ الإسلام يحيى بن شرف بن حسن بن حسين محيي الدين النووي الشافعي ولد سنة ٦١٦ وقدم به والده دمشق سنة ٦٤٩ وسكن المدرسة ولازم كمال الدين المغربي وحج مع والده سنة ٦٥٠ وبرع في العلوم وصار محققًا في فنونه مدققًا في عمله حافظًا للحديث عارفًا بأنواعه وكان لا يضيع وقتًا إلا في وظيفة من الاشتغال وكان لا يأكل إلا قدرًا بعد العشاء ولم تزوج قط وتوفى بعد ما زار القدس في رجب سنة ٦٧٧ ومن تصانيف الروضة والمنهاج وشرح المهذب وشرح صحيح مسلم وكتاب الأذكار ورياض الصالحين والمناسك والأربعون والتبيان في آداب حملة القرآن وكتاب المهمات والتحرير في ألفاظ التنبيه وكتاب التنبيه (قلت كتاب التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي وقد طبع في مدينة ليدن وليس النووي كتاب يسمى التنبيه) والخلاصة والإرشاد وتقريب التيسير ومختصر الإرشاد وتحفة الطالب والنبيه شرح التنبيه ونكت على الوسيط وشرح الوسيط وشرح قطعة من صحيح البخاري وطبقات الشافعية ودروس المسائل ورسالة في الاستسقاء ورسالة في استحباب القيام لأهل الفضل وأخرى في قسمة الغنائم والأصول والضوابط والإشارات على الروضة كذا في طبقات الشافعية لتقي الدين بن شهبة الدمشقي وقد طلعت من تصانيفه شرح صحيح مسلم واسمه المنهاج ورسالة مهمات الحديث واسمها الإشارات ورسالة القيام والتبيان وتهذيب الأسماء واللغات ورياض الصالحين والأذكار والأربعين =

1 / 10

Les bénéfices éclatants dans les biographies des Hanafites | Usul