. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يبكي يقول: يا وَيْلَه أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيت، فلي النار».
والأصل أن الحكيم إذا حَكَىَ عن غير الحكيم (كلامًا) (^١) ولم يُعَقِّبْهُ بالإنكار، دلَّ على أنه صواب (^٢) . ففيه دليل على أن ابن آدم مأمور بالسجدة، والأمر للوجوب، مع أَنْ آي السجدة تفيده أيضًا، فإنها ثلاثة أقسام: قسم فيه الأمر الصريح، وقسم يتضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث أُمروا به، وقسم فيه حكاية فِعْل الأنبياء بالسجود، وكلٌّ من الامتثال والاقتداء ومخالفة الكفرة واجب، إلا أن يدل دليل في معين على عدم لزومه. لكن دلالتها فيه ظنّية، فكان الثابت الوجوب لا الفرض.
أما عدم سجوده ﵊ حالة قراءة زيد، فلا يدل على عدم الوجوب لأن وجوبها ليس على الفَوْر، أو لعل قراءة زيد كانت في وقت كراهة الصلاة، فإنَّ الأفضل تأخيرها ليؤديها في الوقت المستحب لأنها لا تفوت بالتأخير، أو على غير وضوء، أو ليبين أنه غير واجب على الفور. وهذا الأخير مَحْمِل ما رُوِيَ في «الموطأ» عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجدنا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: على رِسْلِكُم، علّمني رسولكم ﷺ أن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا».
(وأمَّا ما ذكره صاحب «الهداية» من قوله ﵊: «السجدة) (^٣) على من سمعها، والسجدة على من تلاها»، فغير معروف رفعه. وإنما وقفه جماعة على عليّ، وابن عباس، وقد روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن ابن عمر أنه قال: «السجدة على من سمعها». ورُوِيَ عن إبراهيم، ونافع، وابن جُبَيْر أنهم قالوا: «مَنْ سمع السجدة فعليه أن يسجد».
وأمَّا دليل سنية التكبير فما روى أبو داود، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مَرَّ بالسجدة كَبَّر وسجد وسجدنا معه». وقيل: يكبر في الابتداء بلا خلاف، وفي الانتهاء يُكَبِّر على قول محمد، ولا يُكَبِّرُ على قول أبي
(^١) ما بين الحاصرتين زيادة من "فتح القدير" ١/ ٤٦٦.
(^٢) يعني أن الشيطان حُكي عنه في الحديث أنه قال: "أُمِرَ ابنُ آدم"، فالشاهد فيه لفظ الأمر، ولم يعقِّبه النبي ﷺ بالإنكار، بأن قال مثلًا: لم نؤمر بالسجود.
(^٣) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوعة.