418

Fatawa Kubra

الفتاوى الكبرى

Maison d'édition

دار الكتب العلمية

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٠٨هـ - ١٩٨٧م

أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ، كَقَوْلِ: مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ الْمُشَرِّطِينَ فِي الطَّوَافِ كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ، لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ، إلَّا قَوْلَهُ ﷺ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» . وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الطَّائِفِينَ طَهَارَةً وَلَا اجْتِنَابَ نَجَاسَةٍ، بَلْ قَالَ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» . وَالطَّوَافُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالطَّوَافُ لَا يَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِي الصَّلَاةِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهَا، وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْ الْقِيَاسِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ مَا بُيِّنَ فِيهِ أَنَّ الْمُشْتَرِكَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ، أَوْ دَلِيلُ الْعِلَّةِ.
وَأَيْضًا فَالطَّهَارَةُ إنَّمَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا صَلَاةً، سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِالْبَيْتِ أَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يُصَلُّونَ إلَى الصَّخْرَةِ كَانَتْ الطَّهَارَةُ أَيْضًا شَرْطًا فِيهَا، وَلَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَةً بِالْبَيْتِ،؟ وَكَذَلِكَ أَيْضًا: إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَمَا يُصَلِّي الْمُتَطَوِّعُ فِي السَّفَرِ، وَكَصَلَاةِ الْخَوْفِ رَاكِبًا، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْبَيْتِ.
وَأَيْضًا فَالنَّظَرُ إلَى الْبَيْتِ عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَلَا غَيْرُهَا، ثُمَّ هُنَاكَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْمَسْجِدُ وَلَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِيهَا: كَالِاعْتِكَافِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] . فَلَيْسَ إلْحَاقُ الطَّائِفِ بِالرَّاكِعِ السَّاجِدِ بِأَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْعَاكِفِ، بَلْ بِالْعَاكِفِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ شَرْطٌ فِي الطَّوَافِ وَالْعُكُوفِ، وَلَيْسَ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ.

1 / 468