Fatwas on Alcohol and Drugs
فتاوى الخمر والمخدرات
Enquêteur
أبو المجد أحمد حرك
Maison d'édition
دار البشير والكوثر للطباعة والنشر
فتاوى
الخمر والمخدرات
لشيخ الإسلام
أحمد بن تيمية
(٦٦١ - ٧٢٨ هـ)
إعداد وتعليق
أبو المجد أحمد حرك
الكوثر للطباعة والنشر
توزيع دار البشير
ص.ب: 169 المعادي
1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
2
فتاوى
الخمر والمخدرات
3
الطبعة الأولى
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الكوثر للطباعة والنشر
4
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
بسم الله الرحمن الرحيم
(( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون )) ..
[ صدق الله العظيم ]
الآيتان : ٩٠ و ٩١ من سورة المائدة
5
6
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، لا أحصى ثناءاً عليه ، هو سبحانه كما أثنى على نفسه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الأسماء الحسنى ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله ، الصادق الأمين ، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين .. وبعد :
لقد خاضت الصين في تاريخها القريب المعروف حرباً لا أخلاقية مهينة شنتها عليها حكومة جلالة الملكة فيكتوريا صاحبة الإمبراطورية البريطانية العظمى ، فيما عرف واشتهر ( بحرب الأفيون ) .
وانتهت هذه الحرب الغريبة باستسلام الحكومة الصينية ، وبفرض تجارة وتعاطي الأفيون عنوة على شعب الصين المقهور ، الذي كان يفوق تعداده تعداد الإنجليز بأكثر من خمس عشرة مرة على الأقل ، وكان لابد لإحكام السيطرة عليه من سلب إرادته ، وتغييب وعيه ، وإلهائه ، وإغراقه بسموم المخدرات حتى الإدمان .
وبنفس المنطق شجع الإنجليز انتشار الأفيون والحشيش في مصر وفلسطين ، ومستعمراتهم الهندية في الشرق ، وحولت فرنسا الاستعمارية الجزائر المسلمة - التي كان فائض إنتاجها من القمح يكفي لإعالة مجموع الدول الأوروبية - إلى مزرعة كبرى للكروم ، تعتمد عليها مصانعها ومصانع أوروبا في إنتاج أشهر أنواع الخمور التي غزت بها العالم تصديراً وتسميماً ، وكان أول ضحاياها شعب الجزائر المسلم ، الذي لا يزال يعاني من آثار ذلك حتى الآن .
7
هكذا وظف المستعمرون سموم الخمر والمخدرات في استعباد الشعوب ، ولم يزل هذا السلاح الفتاك مشرعًا في وجه شعوبنا المخدرة سلفًا بالجهل، والموبوءة بدائها العضال: داء البعد عن دينها الحنيف وشريعتها الغراء.
وفي ظل هذا الوضع لا تجدي شيئًا حملات الضبط، وتشديد العقوبة، وإحكام المراقبة، مادام الوازع الديني الصاد عن هذه السموم متجاهلًا مستبعدًا، فواقع الحال أن ضخامة كميات المخدرات المضبوطة، وتنوعها الواسع، واستعمال شتى الوسائل المبتكرة والحيل في التهريب - حتى استعمال طائرات الهليكوبتر - كل ذلك إنما يدل دلالة قطعية على انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات بشكل واسع، أكثر بكثير مما يبدو من النظرة السطحية الأولى، فلو لم يكن (الزبون) متوفرًا بالقدر الكافي لما استمات تجار ومهربي المخدرات في ترويج هذه السموم الفتاكة سعيًا وراء الثروة الحرام، من جيوب الضحايا وصحتهم، وعلى حساب الأخلاق والأمن في المجتمع بأسره.
ولقد ساعد تنوع المخدرات على رواجها، وعلى صعوبة مراقبتها من طرف السلطات في بلادنا المسلمة، فانتشرت في أوساط الشباب أنواع عديدة من الحقن والأقراص والبودرة، وتعددت الأسماء من حشيش وأفيون إلى هيروين إلى مورفين إلى كوكايين إلى ماراجوانا إلى قات، إلى أسماء أخرى تشترك جميعها في تأثيرها المتلف على العقول والأجساد والأخلاق، ومساهمتها في إشاعة أنماط السلوك الإجرامي واللاأخلاقي في المجتمع.
لقد أثبتت الإحصاءات أن نسبة لا يستهان بها من جرائم الاعتداء على الغير، وعلى ممتلكات الآخرين، وأعراضهم، إنما تتم بسبب مباشر أو غير مباشر من تعاطي أنواع من الخمور والمخدرات. خاصة وأن إدمان الأنواع الحديثة منها باهظ التكلفة، ولا يكفي لإشباعه الدخل الشريف المحدود، مما يعتبر مزلقًا للسلوك الإجرامي والعنف، لاسيما بين الشباب والطلبة والفئات الدنيا من المجتمع.
8
وقد يلجأ بعض الشباب إلى البحث عن بدائل أخرى للمخدرات من المواد الشائعة الاستعمال في المجتمع، كالأدوية المحتوية على نسبة من الكحول: مثل الكينا، وأدوية المهدئات العصبية، والأدوية المضادة للاكتئاب والقلق، أو المنشطة للجهاز العصبي، حتى لجأ المدمنون إلى تزوير وصفات طبية (روشتات) لصرف الأدوية المخدرة من الصيدليات لهذا الاستعمال الآثم، كما أن البعض منهم قد يدمن استعمال مواد يصعب منعها لأهميتها في العمران، كأن يتعمد شم مادة (الغراء) بعمق، فيتخدر جزئياً، ويمكن أن يصل إلى إدمان ذلك، ومنهم من يدمن شم (البنزين)، فهو أيضاً حين يتم شمه بعمق يخدر، ومنهم من يتعاطى أنواعاً من (الكولونيا) بديلاً عن الخمر والكحوليات السائلة المخدرة، بل لقد تناهت الأخبار عن إدمان بعض الطلبة في البحرين شم الأقلام الكحولية المعروفة بأقلام (الفلوماستر)، وقد أدى شم هذه الأقلام واستنشاقها بعمق إلى تخدير جزئي لمن يفعل ذلك، وقد يتطور الأمر إلى الإدمان أيضاً.
وهكذا تؤكد الأيام أن القوانين، والعقوبات الرادعة، والمطاردات، والمراقبات، لا تصلح بديلاً عن الزاجر الداخلي في الإنسان، المتمثل في الوازع الديني لدى المسلم، وهو الوازع الذي رأيناه يريق الخمر في شوارع المدينة المنورة أنهاراً بمجرد أن تناهى إلى أسماع المسلمين نبأ تحريم الخمر، والأمر باجتنابها: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (١).
إن شعبنا المسلم أصيل في تدينه، جدير بكل خير نرجوه له، وننتظره منه، لو احتكمنا معه إلى تعاليم دينه، وبذل العلماء والمسؤولون عن وسائل الإعلام جهداً أميناً لتوعيته، وإقناعه بحرمة كل أنواع المخدرات المستحدثة، طالما تحققت وتأكدت مضارها، وتسببت في غياب العقل أو فتور الجسم ،
(١) الآيتان: ٩٠، ٩١ من سورة المائدة.
9
مع تبديد الصحة بالتدريج، وانفاق المال على صفة السرف المحرم بالنص الصريح.
إنني لأحسب أن التنبه إلى هذه الحقيقة كان أصلاً للتجربة الناجحة التي قامت بها الجمعية المركزية لمنع الخمور بمصر سنة ١٩٦٨م حين ضمت أحد علماء الدين إلى (فريق العلاج من الإدمان) في عيادتها بالقاهرة. وقد اتضح بالتجربة أن التعاليم الدينية كان لها كبير الأثر في علاج المدمنين، وامتد أثرها إلى زوارهم من الأهل والأصدقاء، فكان بذلك مظهراً هاماً لأسلوب ناجح فعال في محاربة تعاطي الخمر والمخدرات.
لقد اختير مسجد الإمام أبي العزائم في القاهرة بعد ذلك لتطوير التجربة، وتم بنجاح كبير مساعدة المدمنين على التماس العلاج النهائي مما هم فيه، وذلك بالاحتكاك القريب بهم، وبدعوتهم في صبر وإخلاص إلى التوبة وإلى طاعة الله، مع توضيح تعاليم الإسلام حول المسائل الأساسية المتعلقة بالخمر والمخدرات. فالوازع الديني لم تزل له اليد الطولى في إيقاظ الغافلين وإثارة حماس التائبين عن تبصرة وروية، طالما كانت الجائزة رضوان الله تعالى، بديلاً عن سخطه وغضبه والعياذ بالله.
إن الاعتقاد الراسخ في صحة هذا المسلك هو ما دفعني الآن إلى تقديم فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في الخمر والمخدرات ميسرة مرتبة، لينقطع بها جدل المعاندين في حرمة الخمر أو المخدرات، مع توضيح أحكام التعامل مع شارب الخمر ومتعاطي الحشيش والمخدرات عموماً، وما ورد في ذلك من النصوص الكثيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة واجتهادات العلماء.
وشيخ الإسلام، وحجته الدامغة، الإمام أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) (١٢٦٣ - ١٣٢٨ م) في غنى عن التعريف والتقديم، فقد كتبت في مناقبه المؤلفات، وتهادت بأنوار علمه الزاخر وتقواه الأخبار، ومجمع القول فيه ما ذكره المرحوم الأستاذ محمد رشيد رضا عنه وعن فتاويه حين قال:
10