فرحة الأديب في الرد على ابن السيرافي شرح أبيات سيبويه

فرحة الأديب في الرد على ابن السيرافي شرح أبيات سيبويه

Genres
poetry
•
Régions
Iran
•
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
قال أبو محمد الأعرابي: تأملت ما فسره أبو محمد يوسف بن الحسن بن عبد الله السيرافي من أبيات كتاب سيبويه، فوجدته فيها مثل ما قال جزء بن ضرار أخو الشماخ:
قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتق
وذلك أنه قد فسر من أبيات ذلك الكتاب غيضًا من فيض، والقليل الذي فسره فيه خلل كثير وفساد ظاهر. فكان كما قال بشر بن حكيم أخو بني ربيعة بن مالك:
ما كثرت فينا عدي فتتقى ... ولا طاب إذ قلت عدي قليلها
فمن بيت صحف فيه، وشعر نسبه إلى غير قائله، ومعنى حرفه عن جهة الصواب، ولفظ عدل به عن مبانيه. فبنيت مواضع الخطأ من جميع ذلك، وأثبت الصواب تحت كل بيت، وخدمت به مجلس الرئيس أبي سعيد بندار بن جهشتيار، لأنه معدن الأدب، ومعني بعلم العرب، وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال ابن السيرافي قال مزاحم العقيلي
ومن ير جدوى مثل ما قد رأيتها ... تشقه وتجهده إليها التكاليف
ووجدي بها وجد المضل بعيره ... بنخلة لم تعطف عليه العواطف
قال س: هذا موضع المثل:
ظلت حفافين على مهشمه ... ذائدها العبد وساقيها الأمه
من فسر هذا الشعر الغريب، ولم يستقر أشعار العرب المجاهيل، ولم يقتلها علمًا، كان كمن يعطو في الحمض.
قدم ابن السيرافي ها هنا ما وجب أن يؤخر، وأخر ما يجب أن يقدم، وبين البيتين أبيات لا يكاد ينتظم نظامها إلا بها. ونظام الأبيات:
ووجدي بها وجد المضل بعيره ... ببكة لم تعطف عليه العواطف
رأى من رفيقيه جفاء وفاته ... ببرقتها المستعجلات الخوانف
فقالا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من أوفى منى أنا عارف
ولم أنس منها ليلة الجزع إذ مشت ... إلي وأصحابي منيخ وواقف
فمدت بنانًا للصفاح كأنه ... بنات النقا مالت بهن الأحاقف
تذكرني جدوى على النأي والعدى ... طوال الليالي والحمام الهواتف
وإلفان ريعا بالفراق فمنهما ... مجدٌ ومقصور له القيد راسف
ومن ير جدوى مثل ما قد رأيتها ... تشقه وتجهده إليها التكاليف
فللباكر الغادي مع القوم سائق ... عنيف وللتالي مع القيد واقف
كصعدة مرانٍ جرى تحت ظلها ... خليج أمرته البحور الزغارف
قال س: وهي طويلة، لكن يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
باب المصادر
قال ابن السيرافي قال سيبويه في باب المصادر، قال المرار
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
قال ابن السيرافي: " وجدت في هذا الباب البيت منسوبًا إلى المرار، ورأيته في شعر مالك بن زغبة الباهلي، وكان بنو ضبيعة قد أغارت على باهلة، فلحقتهم باهلة وهزمتهم ".
قال س: هذا موضع المثل:
وهل يشفين النفس من سقم بها ... غناءٌ إذا ما فارقت وركوب
لا يكاد يشفي المستفيد ما ذكره ابن السيرافي، سيما والقليل الذي ذكره مختل، والبيت لمالك بن زغبة الباهلي يعني مسمع بن شيبان أحد بني قيس بن ثعلبة، وكان خرج هو وابن كدراء الذهلي، يطلبان بدماء من قتلته باهلة من بكر ابن وائل، يوم قتل أبو الأعشى بن جندل، فبلغ ذلك باهلة، فلقوهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزمت بنو قيس ومن كان معها من بني ذهل، وضرب مسمع بن شيبان فأفلت جريحًا.
والبيت أول أبيات، نظامها:
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعًا
ولو أن سيفي لم يخني صبيه ... لغادرت طيرًا تعتفيه وأضبعا
وفر ابن كدراء السدوسي بعدما ... تناول منه في المكرة منزعا
أجئتم لكيما تستبيحوا حريمنا ... فصادفتم ضربًا وطعنًا مجدعا
فأبتم خزايا صاغرين أذلةً ... شريجة أرماحٍ لأكتافكم معا
قال ابن السيرافي قال الأخوص اليربوعي
سيأتي الذي أحدثتم في أخيكم ... رفاقًا من الآفاق شتى مآبها

1 / 1

مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابها
قال ابن السيرافي: النعب: صوت الغراب، والناعب هو الغراب، وقال الأخوص ذلك في حرب كانت بين بطون بني يربوع قتل فيها أبو بدر الغداني. في كلام يشبه هذا لا طائل فيه.
قال س: هذا موضع المثل:
يا ليت حظي منك ذات البرقع
أن لا تضريني وألا تنفعي
لو سكت ابن السيرافي عن تفسير هذا الشعر الذي لم يعرف قضيته ولا نظام أبياته لكان أجدى على مستفيده، وذلك أنه قال: إن هذا الشعر قيل في حرب كانت بين بطون بني يربوع.
وإنما كان القتال بين بني يربوع وبني دارم، فأراد الشاعر بقوله مشائيم بني دارم بن مالك لا بني يربوع. وكان من قصة هذا الشعر، أن ناسًا من بني يربوع وبني دارم، اجتمعوا على القرعاء، فقتل بينهم رجل من بني غدانة يكنى أبا بدر، فقالت بنو يربوع: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا، فقالت بنو دارم: إنا لا نعرف قاتله، فأقيموا قسامة نعطكم حقكم، فقالت بنو غدانة: نحن نفعل. فأخرجوا خمسين، فحلفوا كلهم إلا رجلًا أن الذي قتل أبا بدر عبيد بن زرعة، فقال الباقي من الخمسين: أليس تدفعون إلينا عبيدًا إذا أنا كملت الخمسين؟ قالوا: لا ولكنا نديه لأنا لا ندري من قتله. فقال الباقي عند ذلك - وهو أبو بيض الغداني -: والله لا أكملهم أبدًا ولا يفارقنا عبيد حتى نقتله.
فقام ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وشيبان بن حنظلة بن بشر بن عمرو فكفلا بعبيد، فدفعته بنو غدانة إليهما، فلما جنهم الليلي قال ضرار وشيبان لعبيد: انطلق حيث شئت.
وغدت بنو غدانة على بني دارم فقالوا لهم: إن صاحبكم هرب، ولكن هذه الدية فاقبلوها من إخوتكم، ولا تطلبوا غير ذلك فتكونوا كجادع أنفه، ولو علمنا مكان صاحبكم قصدنا إليه. فلما سمعهم الأخوص يذكرون الدية قال: دعوني أتكلم، قالوا: تكلم يا أبا خولة. فقال الأخوص:
ليس بيربوعٍ إلى العقل فاقةٌ ... ولا دنسٌ تسود منه ثيابها
فكيف بنوكي مالكٍ إن غفرتم ... لهم هذه أم كيف بعد سبابها
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا بشؤمٍ غرابها
فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بغايا بالأكف عيابها
ستخبر ما أحدثتم في أخيكم ... رفاقٌ من الآفاق شتى مآبها
وهي أبيات ذكرت منها ما لا غنى عنه في معنى بيت الكتاب.
قال ابن السيرافي قال الجعدي
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
قال: أبو مرحب من بني عمه، وأظنه من بني قشير، يريد أن أبا مرحب قطعه وجفاه في سببٍ كان احتاج إليه فيه.
قال س: هذا موضع المثل:
تنحلت نعت الخيل لا أنت قدتها ... ولا قادها جداك في سالف الدهر
لو اقتصر ابن السيرافي على ذكر الإعراب واللغة، ولم يعرض لذكر الرجال والأنساب، لما استهدف للسان الطاعنين، لكن الشقي بكل كف يصفع.
أبو مرحب هنا، الذي يقول لك إذا لقيك: أهلًا ومرحبًا، وليس غير ذلك. وبيت الجعدي في المعنى مثل بيت الكميت:
يراني في اللمام له صديقًا ... وشادنة العسابر رعبليب
ومثل قول الآخر:
رجلٌ صديقٌ ما بدت لك عينه ... فإذا تغيب فاحترس من دعلج
ومثل قول الآخر:
صديق حضارة وصديق عينٍ ... وليس لمن تغيب بالصديق
وقال ابن السيرافي قال أبو الأسود الدؤلي ﵁
إذا جئت بوابًا له قال مرحبا ... ألا مرحبٌ واديك غير مضيق
يخاطب البواب: ألا واديك يا بواب مرحبٌ غير مضيق.
قال س: هذا موضع المثل:
وكيف يرحل من ليست له إبل
كثيرًا ما يزل في مثل هذا الاسم من لم يمارس علم النسب، وهو قوله: أبو الأسود الدؤلي، وكذا كان يقوله من تقدم من النحويين، وليس من علمهم.
أخبرنا أبو الندى قال: هو أبو الأسود الديلي. قال: واسمه ظالم بن عمرو ابن سفيان بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

1 / 2

قال: وفي ربيعة: الدول بن حنيفة بن لجيم. وفي الأزد: الديل بن هداد بن زيد مناة بن الحجر. وفي عنزة: الدول بن صباح بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة. وفي تغلب: الديل بن زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب. وفي ضبة: الدول بن ثعلبة بن سعد بن ضبة. وفي الرباب: الدول بن جلى بن عدي بن عبد مناة. وفي عبد القيس: الديل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى.
وفي الهون: الدئل - مهموز على مثال: الدعل - بن محلم بن غالب بن عائذة ابن يثيع بن مليح بن الهون بن خزيمة. وفي إياد: الديل بن أمية بن حذافة بن زهير بن إياد. وفي الأزد: الدول بن سعد مناة بن غامد. وفي قيس: الديل بن حمار بن ناج بن أبي مالك بن عكرمة.
قال ابن السيرافي قال المرار
صرمت ولم تصرم وأنت صروم ... وكيف تصابي من يقال حليم
وصدت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
قال: يقول صرمت هذه المرأة من قبل أن تصرمك، يخاطب نفسه. ثم قال: وكيف يتصابى من قد كبر وحلم، وصدت هذه المرأة وأطولت أنت الصدود، ومع طول الصدود لا يبقى من المودة والمحبة شيء.
قال س: هذا موضع المثل:
يا أهل ذي المروة خلوها تمر ... فإنما أنتم نبيطٌ وحمر
هذا من أفضح ما جاء بن ابن السيرافي، وذلك أن هذا الشعر ليس من الغريب الذي يشتبه على أحد. والصواب: صددت فأطولت الصدود ونظام الأبيات:
صرمت ولم تصرم وأنت صروم ... وكيف تصابي من يقال حليم
يقول: صرمت ولم تصرم صرم ثبات ولكن صرم دلال.
صددت فأطولت الصدود ولا أرى ... وصالًا على طول الصدود يدوم
كأنه يخاطب نفسه ويلومها على طول الصدود. أي لا يدوم وصال الغواني إلا لمن يلازمهن ويخضع لهن، وفسر ذلك بالبيتين بعدهما، وهما:
وليس الغواني للجفاء ولا الذي ... له عن تقاضي دينهن هموم
ولكنما يستنجز الوعد تابعٌ ... مناهن حلافٌ لهن أثيم
قال ابن السيرافي قال المرار
أنا ابن التارك البكري بشرٍ ... عليه الطير ترقبه وقوعا
موضع ترقبه نصب على الحال، أي ترقب موته لتأكله.
علاه بضربة بعثت بليلٍ ... نوائحه وأرخصت البضوعا
قال: عنى بشر بن عمرو بن مرثد وقتله رجل من بني أسد، ففخر المرار بقتله. وبشر: هو بكر بن وائل. وأرخصت البضوعا: أي أرخصت الضربة اللحم على الطير. وزعم بعض الرواة أنه يعني بالبضوع بضوع نسائه، أي نكاحهن. يقول: لما قتلوه سبوا نساءه فنكحوهن بلا مهر. والبضوع: النكاح. والتفسير الأول أعجب إلي.
قال س: هذا موضع المثل:
أصبحت من ذكر أرجوانة كال ... مرسل ماءً فأمسك الزبدا
ما أكثر ما يرجح ابن السيرافي الرديء على الجيد، والزائف على الجائز، وذلك أنه مال إلى القول بأن البضوع هنا اللحم، ولعمري إنها لو كانت لحوم المعزى والإبل لجاز أن يقع عليها اسم الرخص والغلاء، وهذه غباوة تامة.
والصواب أنهم لما قتلوه عرضوا نساءه للسباء، لأنه لم يبق لهن من يحميهن ويذود عنهن. ثم إنه لم يذكر قاتل بشر من أي قبائل بني أسد كان، وإذا لم تعرف حقيقة هذا، لم يدر لأي شيء افتخر المرار بذلك.
وقاتله سبع بن الحسحاس الفقعسي، ورئيس الجيش جيش بني أسد ذلك اليوم: خالد بن نضلة الفقعسي وهو جد المرار بن سعيد بن حبيب بن خالد ابن نضلة.
وكان من حديث هذا اليوم - وهو يوم قلاب - أن حيًا من بني الحارث بن ثعلبة بن دودان، غزوا وعليهم خالد بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس، فقالوا لكاهن لهم: انظر هل يخبرك صاحبك عن الماء، فتسجى بثوبه، فأتاه شيطانه، فقال: اركبوا شنخوبا وطبلالا، فاقتاسوا الأرض أميالًا، فإنكم سترون قارات طوالا، وإن بينهن بلالا.
فحملوا رجلًا منهم على أحد الفرسين، فأجراه فوجد قارات بينهن غدير من ماء السماء، فاستقى القوم وسقوا وأكلوا تمرًا من زادهم. فاعترض بشر بن عمرو لآثارهم فقال: هذه آثار بني أسد، فلما وردوا الماء قال: انظروا ما يصنعون بالنوى، إن كان بني أسد فإنهم يطرحون النوى من خلفهم، وإن كانت تميم فإنهم يرمون النوى من بين أيديهم.

1 / 3

فلما وجدوا مطرح نواهم قال: هذه بنو الحارث بن ثعلبة، يأسر أحدهم عقاص المرأة، ويفدي بالمئة، عليكم القوم. قال له ابنه: إن في بني الحارث بن ثعلبة بن فقعس، وإن تلقهم تلق القتال. فقال اسكت، فإن وجهك شبيه بوجه أمك عند البناء. فنفذ القوم.
فلما التقوا هزم جيش بشر، فأتبعته الخيل وهو مجيد - أي صاحب أفراس جياد - حتى توالى في أثره ثلاثة فوارس وما بينهم قريب. فكان أولهم سبع بن الحسحاس الفقعسي، وأوسطهم عميلة بن المقتبس الوالبي، وآخرهم خالد بن نضلة. فأدركت نبل الوالبي الأوسط فرس بشر بن عمرو برمية رماه بها فعقرته، ولحقه سبع فاعتنقه، وجاء خالد وقال: يا سبع لا تقتله فإنا لا نطلبه بدم، وعنده مال كثير، وهو سيد من هو منه.
فأجلساه بينهما واعتزل الوالبي، وأتتهم الخيل، فإذا مر به رجل أمرهم بقتله، حتى جعل بعض القوم يوعده فيزجر عنه خالد، ثم إن رجلًا هم أن يوجه إليه السنان، فنشز خالد على ركبتيه وقال: اجتنب إليك أسيري. فغضب سبع أن يدعيه خالد، فدفع سبع في نحر بشر فوقع مستلقيًا فأخذ برجله ثم أتبع السيف فرج الدرع حتى خاض به كبده. فقال بشر: أجيروا سراويلي فإني لم أستعن. ثم أرسله، وعمد إلى فرسه فاقتاده. فقال حين قتله وهو غضبان: أسيرك وأسير أبيك.
فقالت الخرنق تعير عبد عمرو بن بشر حين حضض على طرفة والمتلمس:
هلا ابن حسحاسٍ قتلت وخالدًا ... هنالك لم تقتل هناك ولم تشر
هم طعنوا أباك في فرج درعه ... ووليت لا تلوي على مجحر تجري
قال ابن السيرافي قال مسكين الدارمي
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحهوهل ينهض البازي بغير جناح
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
قال س: هذا موضع المثل:
يعسجني بالخوتله ... يبصرني لا أحسبه
قدم ابن السيرافي من البيتين ما يجب أن يؤخر، وأخر ما يجب أن يقدم. والصواب:
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحهوهل ينهض البازي بغير جناح
قال ابن السيرافي قال الأعشى
أرى رجلًا منهم أسيفًا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفًا مخضبا
وما عنده مجد تليد ولا له ... من الريح فضلٌ لا الجنوب ولا الصبا
قال: كأنه من شدة غضبه قد قطعت كفه، فضم يده إلى جنبيه وهي مقطوعة. يقول: هذا الرجل ينظر إلي نظر غضبان كأني قد قطعت يده، وما له من مجد تليد - أي ليس له مجد قديم - ولا له من الريح فضل - أي ليست له مقدرة على جهة من الجهات -. كذا رأيته فسر. يهجو بذلك عمرو بن المنذر وقومه، وهو من بني عم الأعشى.
قال س: هذا موضع المثل:
وإن الذي يرعى هذيمٌ شياهه ... لمعترفٌ للذيب والحرب القسر
كل من عول على هذا القدر الذي ذكره ابن السيرافي، لم يستفد كبير طائل، وذلك أنه لم يذكر القصة التي جرت هذا العتاب والهجاء.
وكان سبب ذلك، أن رجلًا من قيس عيلان كان جارًا لعمرو بن المنذر بن عبدان بن حذاقة بن حبيب بن ثعلبة بن قيس بن ثعلبة، فسرقت راحلة له، فوجد بعض لحمها في بيت هداج قائد الأعشى، فضرب والأعشى جالس، فقال يعاتبهم بالقصيدة التي منها هذه الأبيات.
قال ابن السيرافي وقال الأعشى
نحن الفوارس يوم الحنو ضاحيةً ... جنبي فطيمة لا ميلٌ ولا عزل
قال: فطيمة هذه، هي فطيمة بنت شراحيل بن عوسجة من بني قيس بن ثعلبة قوم الأعشى، فكان لها ابنان من رجل من غير قومها يقال له أصرم، فأراد أصرم أن ينزع ابنيها ويرهنهما من يزيد بن مسهر الشيباني، فاستغاثت بقومها، فاجتمعوا وهزموا بني شيبان، ففخر بذلك الأعشى. والحنو: منعطف الوادي.
قال س: هذا موضع المثل:
قلت لما نصلا من قنةٍ ... كذب العير وإن كان برح
يعني الفرس والبعير.
هذا محال، لأن فطيمة هي بنت حبيب بن ثعلبة بن سعد بن قيس بن ثعلبة، والحنو ها هنا مكان بعينه وهو حنو قراقر الذي ذكره الأعشى بقوله:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وراكبها يوم اللقاء وقلت
هم ضربوا بالحنو حنو قراقرٍ ... مقدمة الهامرز حتى تولت
وقراقر: من مياه بكر بن وائل.

1 / 4

قال ابن السيرافي قال حميد الأرقط - وكان يهجو الضيف إذا نزل به
ومرملين على الأقتاب بزهم ... مدارعٌ وعباءٌ فيه تفنين
باتوا وجلتنا الشهريز بينهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كل النوى يلقي المساكين
قال، قوله: ليس كل النوى يلقي المساكين، يريد أن من كان شديد الجوع محتاجًا إلى الطعام وليس معه ما ينفقه، فينبغي له أن يأكل التمر مع النوى ليشبع عن قرب، ولا يأكل تمرًا كثيرًا، أراد حميد أن يأكل أضيافه التمر بنواه ولا يلقوا منه شيئا.
قال س: هذا موضع المثل:
وهل يعلم الأدواء إلا طبيبها
لم يعرف ابن السيرافي نظائر هذه الأبيات، ولم يحسن تفسير البيت الذي فسره في النوى والمساكين ومثل هذا من الشعر لا يعرفه إلا من نضج في استقراء الشعر وعني به. ونظام الأبيات:
ومرملين على الأقتاب بزهم ... حقائبٌ وعباءٌ فيه تفنين
مقدمين أنوفًا في عصائبهم ... حجنًا، ألا جدعت تلك العرانين
أعطوا التنقب في نفرٍ إذا اندفعوا ... وكل خير عليهم بعد مخزون
لا مرحبًا بوجوه القوم إذ رحلوا ... كأنهم إذ أنا خوابي الشياطين
يسطرون لنا الأخبار إذ نزلوا ... وكل ما سطروا للقم تمكين
ولو تحرزت حيث العصم عاقلةٌ ... أو حيث تلحس عن أولادها العين
ظننت لا تنتهي عنا ضيافتهم ... حتى نكون ومبدانا البساتين
أرضٌ تحم بها العقبان نابتةً ... من حيث ينبت في الصيف العراجين
باتوا وجلتنا الشهريز بينهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كل النوى يلقي المساكين
ومعنى هذا البيت الأخير أنهم قد أكلوا أكثر التمر بنواه حرصًا وشرهًا، ومع ذلك فقد كوموا معرسهم بالنوى الذي ألقوه. ويعني بالمساكين هؤلاء الضيفان، كأنهم كوموا: أي اتخذوا لأنفسهم كومة.
أشار إليهم فقال: وليس كل النوى يلقي المساكين. وهذا في الإشارة مثل قول الآخر:
سما البرق من نحو الحجاز فشاقني ... وكل حجازي له البرق شائق
أي هذا البرق بعينه.
وأخبرنا أبو الندى قال: نزل بحميد الأرقط بريد من قبل الحجاج، فقراه وأكرمه، فلما أتى بالطعام أقبل أعرابي فسلم وجلس، وجعل يسأل عن الحجاج وحاله، فقال له حميد الأرقط: كل ودع الرجل يطعم، فإنك تسأل عما ليس من بالك. وقال حميد.
إذا ما قرينا وارد المصر منهم ... تأوب ناري أصفر القعب قافل
تراءت له ناري بأروقة الحمى ... ووادي الصليب دوننا والأفاكل
قال: وأخبرنا ﵀ قال: بخلاء مضر: الحطيئة واللعين المنقري وحميد الأرقط وأبو الأسود الديلي.
قال ابن السيرافي وقال طفيل الغنوي
وكان هريمٌ من سنانٍ خليفةً ... وحصنٍ ومن أسماء لما تغيبوا
ومن قيسٍ الثاوي برمان بيته ... ويوم حقيلٍ فاد آخر معجب
وبالسهب ميمون النقيبة قوله ... لملتمس المعروف أهلٌ ومرحب
قال: هؤلاء جماعة من قوم طفيل هلكوا فرثاهم. ورمان موضع بعينه، وأراد ببيته قبره، وحقيل موضع معروف، وفاد: مات، والسهب: الفضاء من الأرض. مع هذيان شبيه بهذا.
قال س: هذا موضع المثل:
غناءٌ قليلٌ عن عجائز جوعٍ ... قراطيس في أجوافهن خطوط
هذا الذي ذكره ابن السيرافي لا يغني فتيلًا، فمعروف أن هؤلاء رجال لا جمال، وهذه مواضع لا براذع، ولكن إذا لم تعرف قصة هؤلاء الرجال وأيامهم، وأسماء هذه المنازل بأعيانها وما جرى فيها، لم يكمل معناه.
وفي البيت الأول غلط، وفي الثالث تصحيف. والصواب:
وكان سنان بن هريمٍ خليفةً

1 / 5

بتقديم سنان على هريم، لأن هريمًا هو الميت، وسنان هو سنان بن عمرو ابن يربوع بن طريف بن خرشبة بن عبيد بن سعد بن كعب بن حلان بن غنم بن غني، وكان فارسًا حسيبًا وقد كان قاد ورأس، وهو صاحب ابن هدم العبسي طريد الملك، قال له الملك: كيف قتلته؟ قال: حملت عليه في الكبه - يعني معظم الجيش - فطعنته في السبه، حتى خرج الرمح من اللبه.
وهريم عم سنان، وقد قاد ورأس. وأسماء بن واقد من بني رياح بن يربوع ابن ثعلبة بن سعد بن عوف بن كعب بن حلان بن غنم بن غني، وهو من النجوم. وحصن بن يربوع بن طريف، وأمه جيدع بنت عمرو بن الأعرج بن مالك ابن سعد بن عوف. وقيس هو ابن يربوع بن طريف.
وكان قيس هذا قدم على بعض الملوك، فقال الملك: لأضعن تاجي على أكرم العرب، فوضعه على رأس قيس، وأعطاه ما شاء، ثم خلى سبيله إلى بلده. فلقيته طيء برمان وهو راجع إلى أهله فقتلوه، ثم عرفوه بعد ذلك، وذكروا أيادي كانت له عندهم فندموا، فدفنوه وبنوا عليه بيتًا.
وهو قيس بن جيدع وهي أمه، وإخوته هريم وعمرو وحصن والأعرج، أمهم جيدع بنت عمرو، وأبوهم يربوع بن طريف. وحقيل في بلاد بني أسد، قتلت فيه بنو أسد الحارث بن مويلك الغنوي، وفي بلاد عكل له حقيل وهو غير هذا الموضع، وهو الذي ذكره الراعي:
من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا
وقوله وبالسهب هو تصحيف، والصواب: وبالشهد، يعني بديل ابن واقد. وكان أسماء وبديل ابنا واقد صاحبي الوقائع في طيئ، وأصابا عشرة كلهم يأخذ لواء قومه يقال لهم بنو حمل، فقالت أخت لهم ترثيهم:
يا عين إلا ما بكيت بني حمل ... فوارس أبطالًا على شدة الوهل
لعمري وما عمري علي بهينٍ ... لقد ذهبت منا غنيٌّ على مهل
فإن تقد الأيام غنم بن واقد ... وأسماء تثقفه الرماح على علل
ثم إن طيئًا لقيت غنيًا فأصابت بديلًا، وكان سيدًا ورئيسًا، فخاف أن تمثل به طيئ لما أوقع بهم، وكان مرداس بن مويلك يسعى في أمره ليفتديه فأبوا، فقتل نفسه، وقتلوا أسماء. فقال مرداس بن مويلك يرثي بديلًا:
تشكى إلي الأين والسام خلتي ... وتنسين ما يلقى أسير الملاقط
قال ابن السيرافي قال شقيق بن جزء الباهلي، يرد على جحل بن نضلة الباهلي
أتوعدني بقومك يا بن جحلٍ ... أشاباتٍ يخالون العبادا
بما جمعت من حضنٍ وعمروٍ ... وما حضنٌ وعمروٌ والجيادا
إذا خطرت بنو سعد ورائي ... وذادوا بالقنا عني ذيادا
قال: يخالون: يظنون أنهم عبيد، وحضن وعمرو والجياد: قبائل.
قال س: هذا موضع المثل:
كري إلى أهلك يا عجوز ... إن بياع الليل لا يجوز
هذا أفضح ما جاء به ابن السيرافي، وذلك أنه ذكر أن الجياد قبيلة، وهذا يدل على غباوة تامة وجهل ظاهر. إن الجياد ها هنا عتاق الخيل، يقول: ما هؤلاء وعتاق الخيل، أي ليسوا فرسان الخيل العتاق.
وقوله: وعنى بالعباد ها هنا العبيد، خطأ أيضًا. فإنما عنى بالعباد قومًا كانوا يجتمعون على باب النعمان خولًا من كل قبيلة. شبه هؤلاء بأولئك، أي أنهم أخلاط.
والبيت الأول فيه خبط أيضًا، وذلك أنه قال: أتوعدني بقومك يا بن جحل، وإنما الخطاب لجحل نفسه لا لابنه، فكيف يقول يا بن جحل، والصواب:
أتوعدني برهطك يا جحيلًا
وفي الأبيات التي أوردها تقديم وتأخير وخلل كثير، وستأتيك على نظامها بمعونة الله.
قال جحل بن نضلة يجيب شقيق بن جزء الباهلي:
لقد منتك نفسك يا بن جزء ... أحاميقًا سيسر عن النفادا
أردت لكي تشتت أمر قومٍ ... وحاولت القطيعة والفسادا
فمهلًا يا شقيق فإن حربي ... تكون لمن يلقحها فسادا
وكم من معشر قد حاربونا ... عبأت لهم مجلحة نآدا
فلم يك غير أن شاموا سناها ... فكان مبينها خيلًا تعادا
عليها من بني عمرو كهولٌ ... وشبان يهزون الصعادا
فظلوا يخصفونهم بسمرٍ ... كما نظمت في الجلل الجرادا
فآبوا بالرجال محنبيها ... يسوقون الطرائف والتلادا
ونصرك نازحٌ عني بطيءٌ ... كأن بكم إلى خذلي جوادا
فأجابه شقيق بن جزء فقال:

1 / 6

سرحت على بلادكم جيادي ... فأدت منكم كومًا جلادا
بما لم تشكروا المعروف عندي ... وإن شئتم تعاودنا عوادا
أتأمل أن تساوي حي أعيا ... وصحبًا، خاب ما ترجو وزادا
بما جمعت من حضنٍ وعمروٍ ... أشاباتٍ يخالون العبادا
إذا خطرت بنو سعد ورائي ... وذادوا بالقنا عني ذيادا
رأيت الموت دوني فانتهيتم ... ولم تسطع دعائمها الشدادا
أتوعدني برهطك يا جحيلًا ... وما عمرو بن حصنٍ والجيادا
قال ابن السيرافي قال سيبويه قالت درني بنت عبعبة من بني قيس بن ثعلبة، والذي وجدته قالت درنى بنت سيار بن صبرة ابن حطان بن سيار بن عمرو بن ربيعة
وقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزعٌ أن قلت وابأباهما
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يومًا نبوةً فدعاهما
قال س: هذا موضع المثل:
بين المطيع وبين المدبر العاصي
هذا التفسير يحير الإنسان، فلا يدري ما الصواب من الخطأ، ولا يدري بأيهما يتعلق: أبدرنى بنت عبعبة، أم بدرنى بنت سيار وهذا يدل على أنه لم يكن يتصور الغث من السمين منهما.
والصواب: درنى بنت سيار على النسب الثاني، قالت ترثي أخويها، وهي أبيات رائقة، دخل نظامها - على ما أنشدها ابن السيرافي - في خلل. ونظامها وتمامها:
أبى الناس إلا أن يقولوا هما هما ... ولو أننا اسطعنا لكانوا سواهما
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يومًا نبوة فدعاهما
إذا افتقرا لم يلحما خشية الردى ... ولم يخش رزءًا منهما موليا هما
إذا استغنيا حب الجميع إليهما ... وجاد على الأدنين فضل غناهما
هما يلبسان المجد أحسن لبسةٍ ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما
وقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزعٌ أن قلت وابأباهما
وأهلي فداء العاصمين كليهما ... ولا عشت إن كان الفؤاد قلاهما
إذا هبطا الأرض المخوف بها الردى ... يسكن من جأشيهما منصلاهما
ولا يلبث العرشان يستل منهما ... عظام الرواسي أن يميل غماهما
قال ابن السيرافي قال جرير
خل الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
قال: برزة: أم عمر بن لجأ.
قال س: هذا موضع المثل:
ضرط وردان بأرضٍ قي
هذا باطل، أخبرنا أبو الندى ﵀ قال: برزة إحدى جدات عمر بن لجأ المغنيات.
قال ابن السيرافي قال الراجز
أأنت يا بسيطة التي التي
هيبنيك في المقيل صحبتي
لقد علمت أي حين عقبتي
هي التي عند الهجير قالت
إذا النجوم في السماء ولت
قال: البسيطة: الأرض المنبسطة الممتدة.
قال س: هذا موضع المثل: لا يدعى لنجدةٍ إلا أخوها غلط ابن السيرافي ها هنا آنفًا، لأنه لم يكن يعرف منازل العرب ومحالها، ومن فسر أيضًا مثل هذا الشعر ولم يتقن ثلاثة أنواع من العلم: النسب، وأيام العرب، ومحالها ومنازلها - كثرت سقطاته.
والبسيطة ها هنا هي أرض بعينها، وهي بين الكوفة فالحزن، حزن بني يربوع بن عمرو، وفيها يقول عدي بن عمرو الطائي:
لولا توقد ما ينفيه خطوهما ... على البسيطة لم تدركهما الحدق
قال ابن السيرافي قال ثروان بن فزارة بن عبد يغوث
فإنك لا تبالي بعد حول ... أظبيٌ كان أمك أم حمار
فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج اللؤم واختلط النجار
قال: الذي في الكتاب: أظبي كان أمك أم حمار، والذي في شعره: أظبيٌ كان خالك أم حمار.
قال س: هذا موضع المثل: كان حمارًا فاستأتن كيف يكون الحمار والظبي أمين وهما أذكر الحيوان، حتى إن المثل يضرب بالحمار فيقال: من ينك العير ينك نياكًا.
والصواب ما أنشده أبو الندى ﵀: أظبيٌ ناك أمك أم حمار

1 / 7

وإنما قلبت اللفظة تحرجًا فيما أرى، ثم استشهد به النحويون على ظاهره. وهذه قطعة طريفة، أكتبناها أبو الندى، وذكر أنها لثروان بن فزارة بن عبد يغوث بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر. وهي:
وكائن قد رأيت من أهل دارٍ ... دعاهم رائدٌ لهم فساروا
فأصبح عهدهم كمقص قرنٍ ... فلا عينٌ تحس ولا أثار
مقص: موضع تقتص فيه الأرض. أي لا يوجد لهم ولعهدهم أثر، كما لا يوجد أثر من يمشي على صخرة وقرن جبل.
لقد بدلت أهلًا بعد أهلٍ ... فلا عجبٌ بذاك ولا سخار
فإنك لا يضرك بعد عامٍ ... أظبيٌ ناك أمك أم حمار
فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج القوم واختلط النجار
وعاد الفند مثل أبي قبيسٍ ... وسيق مع المعلهجة العشار
كناية عن الرجل الوضيع، أبو قبيس: الرجل الشريف، المعلهجة: الفاسدة النسب، أي تزوجت هذه المعلهجة ومهرت مهر الشريفة. كذا أنشدناه أبو الندى: وعاد الفند ورواية الناس العبد وذكر أبو الندى أنه تصحيف.
قال ابن السيرافي قال الزرافة الباهلي
هل في القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا تكون كريهةٌ أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا لعمركم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
عجبٌ لتلك قضيةً وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
قال س: هذا موضع المثل:
وأين المحيا من بلاد المسلم
ما بين الصواب وما ذكره ابن السيرافي في هذه الأبيات:
أبعد من رهوة من نساح
ونساح غير منون، ورهوة بنجد، ونساح باليمامة. وذلك أنه زعم أن هذه الأبيات للزرافة الباهلي، ولم يخلق الله في باهلة من اسمه زرافة، بلى في بني أسد شاعر يقال له زرافة، وهو القائل:
ومن لا ينل حتى يسد خلاله ... يجد شهوات النفس غير قليل
وذكر أبو عبيدة في كتاب العققة والبررة أن هذه الأبيات لهني بن أحمر الكناني، فأنكر أبو للندى ذلك وقال: إنها لعمرو بن الغوث بن طيء، وقد كنت ذكرت لك أن من لم يتقن علم النسب والأيام ومنازل العرب، ثم أقدم على تفسير هذا الشعر العتيق افتضح.
أكتبنا أبو الندى ﵀ قال: بينا طيئ ذات يوم جالسًا مع ولده بالجبلين، إذ أقبل رجل من بقايا جديس، ممتد الخلق، عادي الجبلة، كاد يسد الأفق طولًا ويفرعهم باعًا، وإذا هو الأسود بن عفار بن الصبور الجديسي، الذي نجا من حسان تبع يوم اليمامة، فلحق بالجبلين فقال لطيئ: من أدخلكم بلادي وإرثي من آبائي، اخرجوا عنها وإلا فعلت وفعلت. فقال طيئ: البلاد بلادنا وملكنا في أيدينا، وإنما ادعيتها حين وجدتها خلاءً. قال الأسود: اضرب بيننا وبينك وقتًا نقتتل فيه، فأينا غلب استحق البلد.
فاتعدا لوقتٍ، فقال طيئ لجندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ، وأمه جديلة بنت سبيع من حمير وبها يعرفون، فهم جديلة طيئ، وكان طيئ لها مؤثرا. فقال لجندب هذا: قاتل عن مكرمتك. فقالت أمه: الله، لتتركن بنيك، ولتعرضن ابني للقتل، لا يفعل. فقال طيئ: ويحك، إنما خصصته بذلك، فأبت.
فقال طيئ لعمرو بن الغوث بن طيئ: فدونك يا عمرو الرجل فقاتله. فقال عمرو لا أفعل، وأنشأ يقول في ذلك - وهو أول من قال الشعر في طيئ بعد طيئ -:
يا طيء أخبرني فلست بكاذب ... وأخوك صادقك الذي لا يكذب
أمن القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرةً ... أجحرنكم فأنا الحبيب الأقرب
عجبًا لتلك قضيةً وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
ولكم معًا طيب المياه ورعيها ... ولي الثماد ورعيهن المجدب
هذا لعمركم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
وإذا تكون كريهةٌ أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

1 / 8

فسار البيت الأخير مثلًا. يعني جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ. فقال طيئ: يا بني إنها أكرم دار في العرب. قال عمرو: لن أفعل إلا على شرط، أن لا يكون لبني جديلة في الجبلين نصيب. فقال طيئ لعمرو بن الغوث: لك شرطك.
وبنو جديلة: جندب وحور أبناء جديلة بنت سبيع من حمير، وهي أمهما، وأبوهما خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ. فأما حور فدرج لا عقب له، وعدد بني جديلة راجع لابني جندب، فهم جديلة طيئ.
فأقبل الأسود بن عفار الجديسي للميعاد ومعه قوس من حديد ونشاب من حديد، فقال: يا عمرو، إن شئت صارعتك، وإن شئت ناضلتك، وإلا سابقتك. قال عمرو: الصراع أعجب إلي، فاكسر قوسك لأكسرها أيضًا ونصطرع.
وكانت مع عمرو بن الغوث بن طيئ قوس موصولة بزرافين، إذا شاء شدها. فأهوى بها عمرو إلى الجبل فانفتحت الزرافين، واعترض الأسود بقوسه ونشابه الجبل فكسرها، فلما رأى ذلك عمرو أخذ قوسه فركبها وأوترها، وناداه: يا أسود، استعن بقوسك فالرمي أحب إلي فقال الأسود: خدعتني؟ فقال عمرو: الحرب خدعة، فسارت مثلًا، فرماه عمرو ففلق قلبه.
قال ابن السيرافي قال منذر بن درهم الكلبي
وأحدث عهدٍ من أمينة نظرةٌ ... على جانب العلياء إذا أنا واقف
تقول: حنانٌ ما أتى بك ها هنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
قال: تقديره أي شيء أتى بك ها هنا، أذو نسب، معناه: أأنت ذو نسب في الحي، أم أنت عارف بهم فتقصد إليهم؟ .
قال س: هذا موضع المثل:
أقول لليلي رجلي لي جمتي ... بقية ما أبقى حسين بن مرجح
ههنا بقية معنى لا يتم إلا بمعرفة البيت الثالث، وهو:
فقلت أنا ذو حاجة ومسلمٌ ... فضم علينا المأزق المتضايف
وهي أبيات طريفة، أنشدها أبو الندى لمنذر بن درهم الكلبي، وأولها:
أمن حب أم الأشيمين وذكرها ... فؤادك معمودٌ له أو مقارف
تمنيتها حتى تمنيت أن أرى ... من الوجد كلبًا للوكيعين آلف
سقى روضة المثري عنا وأهلها ... ركامٌ سرى من آخر الليل رادف
أقول ومالي حاجة في ترددي ... سواها بأهل الروض: هل أنت عاطف
وأحدث عهدٍ من أمينة نظرةٌ ... على جانب العلياء إذ أنا واقف
تقول: حنانٌ ما أتى بك ها هنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
فقلت أنا ذو حاجة ومسلمٌ ... فصم علينا المأزق المتضايف
قال ابن السيرافي قال قيس بن ذريح
تبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت ... فللدهر والدنيا بطون وأظهر
قال: قوله " فللدهر والدنيا بطون وأظهر " يريد أن الدنيا لا يطلع الإنسان فيها إلا على ظواهرها، ولا يعرف ما في عواقبها.
قال س: هذا موضع المثل:
ومارست الأمور بغير حزمٍ ... فما تدري أغثٌ أم سمين
لم يعرف ابن السيرافي ثالث البيتين، وهو جواب قوله: " فإن تكن.. " والصواب في قوله فللدهر: " وللدهر والدنيا بطون وأظهر " بالواو، فظن أن ذلك جواب، وإنما هو تمام المصراع اعتراضٌ بين إن وجوابها. والأبيات:
تبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
ومعنى قوله: " وأنت عليها أقدر " أنه قد خدع عنها حتى طلقها، فندم على طلاقها.
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت وللدهر والدنيا بطون وأظهر
ومعنى قوله " بطون وأظهر " شدة ورخاء.
فقد كان فيها للأمانة موضع ... وللكف مرتادٌ وللعين منظر
وللحائم العطشان ريٌ يقوته ... وللمرح الذيال خمر ومسكر
كأني في أرجوحة بين أحبلٍ ... إذا ذكرةٌ منها على الأرض تخطر
قال ابن السيرافي قال عامر بن الطفيل
قالوا لها إنا طردنا خيله ... قلح الكلاب وكنت غير مطرد
فلأبغينكم قنًا وعوارضًا ... ولأقبلن الخيل لابة ضرغد

1 / 9

قال: قوله " قالوا لها " يعني لامرأةٍ كان يهواها من بني فزارة يقال لها أسماء، يعني أن بني فزارة ذكروا لها أنهم هزموه وطردوه، وكان بين بني فزارة وبني عامر وقعة كانت على بني عامر، وقتل فيها جماعة، وضرغد مكان معروف.
قال س: هذا موضع المثل:
لا تدرك الخيل وأنت تذأل ... إلا بمرٍّ مر الأجدل
لا يعرف معنى هذا الشعر إلا بمعرفة ما يتعلق به من الأيام، ثم إذا لم يعرف: ضرغد وقنا وعوارض، حقيقة أنها في أي موضع من المواضع من بلاد الله - لم يعرف المخاطب بقوله.
وإنما قال هذا عامر يوم الرقم، يوم هزمتهم بنو مرة، ففر عامر، واختنق أخوه الحكم بن الطفيل. وفي ذلك اليوم قتل عقبة بن أنيس بن خليس الأشجعي مئة وخمسين رجلًا من بني عامر، أدخلهم شعب الرقم فذبحهم، فسمي عقبة ذلك اليوم مذبحًا.
وقنا وعوارض جبلان من بلاد بني فزارة. وفيها يقول الشماخ بن ضرار:
كأنها وقد بدا عوارض
وأدبيٌّ في السراب غامض
والليل بين قنوين رابض
بجيزة الوادي قطا نواهض
والمخاطب بشعر عامر بنو مرة وفزارة، وأسماء هي أسماء السكينية من بني فزارة، كان يهواها عامر ويشبب بها في شعره، وكان قد فجر بها، وفيها يقول:
أنازلةٌ أسماء أم غير نازله ... أبيني لنا يا أسم ما أنت فاعله
وفيها يقول خراشة العبسي في يوم الرقم:
فمن مبلغٌ عني خليلي عامرًا ... أسليت عن أسماء أم أنت ذاكر
فإن وراء الجزع غزلان أيكةٍ ... مضمخةً آذانها والغفائر
وضرغد من مياه بني مرة.
قال ابن السيرافي قال خفاف بن ندبة، ويقال عباس بن مرداس
فقال لي قول ذي رأي ومقدرةٍ ... مجربٍ عاقلٍ نزهٍ عن الريب
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
قال س: هذا موضع المثل:
كميتٌ ووردٌ إن ذاك من الغلط
ليس البيت لواحد من الرجلين، وإنما هو لأعشى بني طرود، وهم من بني فهم ابن عمرو، وعدادهم من بني سليم، في قصيدة مليحة أولها:
يا دار أسماء بين السهل والرحب
ولم يذكر ابن السيرافي من الذي قال له: أمرتك الخير. وإنما يحكي الشاعر هذا عن أبيه ويفتخر به، وسيأتي ذكره في الشعر.
قال أعشى بني طرود:
يا دار أسماء بين السفح والرحب ... أقوت وعفى عليها ذاهب الحقب
فما تبين منها غير منتضدٍ ... وراسياتٍ ثلاثٍ حول منتصب
وعرصة الدار تستن الرياح بهًا ... تحن فيها حنين الوله السلب
دارٌ لأسماء إذ قلبي بها كلفٌ ... وإذ أقرب منها غير مقترب
إن الحبيب الذي أمسيت أهجره ... عن غير مقليةٍ مني ولا غضب
أصد عنه ارتقابًا أن ألم به ... ومن يخف قالة الواشين يرتقب
إني حويت على الأقوام مكرمةً ... قدمًا، وحذرني ما يتقون أبي
وقال لي قول ذي علم وتجربة ... بسالفات أمور الدهر والحقب
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
قال ابن السيرافي قال تليد العبشمي
شفيت الغليل من سميرٍ وجعونٍ ... وأفلتنا رب الصلاصل عامر
وأيقن أن الخيل إن تلتبس به ... يكن لفسيل النخل بعده آبر
قال: وسبب هذا الشعر: أن طوائف من عبد القيس، أغارت على الأبناء من بني سعد، فهزمتهم الأبناء وقتلوا منهم سميرًا وجعونة. وقال في الشعر وجعون فرخمه في غير النداء.
ورب الصلاصل: يجوز أن يكون أراد به أنه صاحب سلاح وخيل، والصلصلة: صوت الحديد، وكذا وجدته على هذا اللفظ وعلى هذا الهجاء. والله أعلم بالصواب.
قال س: هذا موضع المثل:
إذا اعترضت كاعتراض الهره ... يوشك أن تسقط في أفره
لو سكت ابن السيرافي عن تفسير مثل هذا الشعر من شعر القبيل، الذي يبلح فيه حذاق العلماء والنسابين - لم يجعل نفسه غرضًا لكل رام. وروي عن أبي عثمان المازني قال: حملنا منتخبات المفضل، فقرأناها على الأصمعي، فكل ما كان فيها من أشعار الشعراء المعروفين أجاب فيها، فلما صرنا إلى أشعار القبائل بلح فيها أبو سعيد.

1 / 10