شرح صحيح البخاري - عبد الكريم الخضير

شرح صحيح البخاري - عبد الكريم الخضير

ـ[شرح صحيح البخاري]ـ
مؤلف الأصل: محمد بن إسماعيل البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: ٢٥٦هـ)
الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير
دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير
[الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٢٦ درسا]

Page inconnue

شرح صحيح البخاري (١)
مقدمة في صحيح البخاري
الشيخ / عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فلسنا بصدد التعريف بالسنة، وبيان أهمية السنة وحجية السنة، كل هذا مضى الحديث فيه مرارًا ولا حاجة داعية لتكرار ذلك، فالسنة من حيث الاحتجاج بها وكونها وحيًا من عند الله كما في قوله - جل وعلا -: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم٣ - ٤] وأنه لم يخالف في الاحتجاج بها إلا بعض طوائف المبتدعة، وأهل السنة قاطبة على الاحتجاج بها؛ لما ثبت منها ويوافقهم في ذلك بعض أو كثير من طوائف البدع يحتجون بالسنة، كالمعتزلة فتجد كتبهم طافحة بالاستدلال من صحيح البخاري وغيره وإن نازعوا في خبر الواحد مثلًا لكنهم في الجملة يحتجون بما في كتب أهل السنة من نصوص، وكذلك الزيدية، وغيرهم من طوائف المبتدعة.
لكن يخالف في ذلك الغلاة من الخوارج والروافض وغيرهم ولا عبرة بهم، ولا اعتداد بقولهم وفاقًا ولا خلافا، وإذا تقرر هذا فالسنة إذا ثبتت عن المصطفى ﵊ فالوحي المفسر للقرآن وهي: البيان الذي جاء النبي ﵊ مبينًا لكتاب الله - جل وعلا - بها.
لسنا بحاجة إلى تكرار ذلك، وقد تكلمنا فيه مرارًا في مقدمات الكتب وفي دروس مستقلة، ولكن ما يتعلق بصحيح البخاري الذي نبدأ شرحه إن شاء الله تعالى، أما بالنسبة للإمام البخاري فمعروف لدى الخاص والعام: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزِبه البخاري الجعفي مولاهم، المولود سنة أربع وتسعين ومائة، والمتوفى سنة ست وخمسين ومائتين.

1 / 1

أخباره مدونة في كتب التراجم، سواء كان منها المفردة فقد ألف في ترجمته كتب كثيرة، وأدرج ترجمته مطولة في كتب التراجم، وكان له النصيب الأوفر، والحظ الأوفى من هذه الكتب، فلسنا بحاجة أيضًا إلى الإفاضة بذكر ترجمته، ولو ذكرنا جميع ما يتعلق به لضاق المقام عن شرح الكتاب؛ لأنه مدرسة - رحمه الله تعالى - في الحديث وفي الفقه، أما بالنسبة للصحيح "صحيح البخاري " الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله - جل وعلا - عند جماهير الأمة.
أول من صنف في الصحيح ... محمد وخص بالترجيح
ومسلم بعد وبعض الغرب ... مع أبي علي فضلوا ذا لو نفع
أول من صنف في الصحيح ... محمد وخص بالترجيح - يعني على غيره من الكتب -
ومسلم بعد -يعني بعد البخاري- وبعض الغرب** مع أبي علي فضلوا ذا لو نفع
عامة أهل العلم يرجحون البخاري، وهم يتفقون على أن الصحيحين أصح الكتب، لكن البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد.
ومن رجح صحيح مسلم إما لكونه لم يمعن النظر في صحيح البخاري عموم المغاربة وأهل الأندلس عنايتهم بصحيح مسلم ظاهرة، فتجد في كتبهم الاستدلال بأحاديث يعزونها إلى صحيح مسلم وهي موجودة في البخاري، ما يدل على أن عنايتهم بمسلم أكثر؛ لقرب الفائدة منه، مسلم مرتب ترتيبًا واضحًا والأحاديث مجموعة في مكان واضح لا لبس فيها ولا غموض، وأما بالنسبة لصحيح البخاري فاستخراج الأحاديث منه فيه غموض وفيه وعورة، ذلكم أن البخاري - رحمه الله تعالى - يعمد إلى الطريق الأدق في الاستنباط، ويفرق الحديث في مواضع كثيرة من صحيحه تبلغ أحيانًا عشرين موضعًا، - الحديث الواحد يقطعه في عشرين موضعًا-.

1 / 2

وأما بالنسبة لمسلم فإنه يجمعه في موضع واحد ولا يفرقه ويأتي به كاملًا، هذا مما جعل صحيح مسلم أسهل تناولا فجعل الناس يعتنون به أكثر، الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - فاق مسلم في الصحة وفي الإفادة الفقهية والاستنباط الذي هو الغاية من الرواية، فاقه في الصحة لماذا؟؛ لأنه أشد اتصالا كما يقرر أهل العلم وأنظف وأقوى رجالًا، والأحاديث المنتقدة فيه أقل من الأحاديث المنتقدة في صحيح مسلم، كما أن الرجال الرواة من صحيح مسلم ومن صحيح البخاري، الذين تناولهم بعض أهل النقد بضرب من التجريح أقل منهم في صحيح مسلم، وهذا يدل على أن صحيح البخاري أرجح وأقوى، علمًا بان البخاري هو شيخ الإمام مسلم ومعول مسلم عليه، حتى قال الدارقطني: " لولاء البخاري، ما راح مسلم ولا جاء".
انتقد على الصحيحين أحاديث يسيرة انتقدها الدارقطني وغيره، لكن أجاب عنها أهل العلم وأن الراجح والصواب مع الإمامين ضد الإمام الدارقطني، نعم أحاديثهما متفاوتة منها ما يقطع بثبوته، ومنها ما هو صحيح غير قابل للنظر، ومنها ما تكلم فيه وهذا شي يسير، ولذا قال الحافظ بن الصلاح ﵀ في مقدمته: " وجميع أحاديث الصحيحين مقطوع بها سوى أحرف يسيرة، تكلم فيها بعض الحفاظ " صحيح البخاري له، الإمام له طريقة دقيقة في الاستنباط، مثل ما ذكرنا أنه يقطع الحديث حسب الفوائد التي تضمنها هذا الحديث، فيورد الحديث الواحد في عشرين موضع، ويستنبط منه عشرين حكمًا، وقد يزيد وقد ينقص، قد يستدل البخاري بلفظ من الحديث يراه الناظر لا دلالة في اللفظ على ما ترجم به، لكن البخاري يؤمي إلى رواية أخرى فيها الدلالة على ما أراده من الترجمة، وهذا لا شك أنه من دقة نظره وشفوفه.
وأحيانا يعمد عن الدليل الظاهر الواضح إلى الدليل الخفي الغامق، كل هذا من أجل أن يشحذ همة طالب العلم للتتبع والاستقراء والاستقصاء للروايات، وقد يترجم بترجمة واضحة قد يقول القارئ من طلاب العلم لا داعي لها.
باب "قول الرجل ما صلينا"
فقال عمر: ما صليت العصر، فقال النبي ﵊ وأنا والله ما صليتها.

1 / 3

هل لهذه الترجمة داعي؟ نعم قد يقول قائل: لا دعي لها، مع أن وجد من السلف من يكره قول الرجل ما صلينا، أو يريد بهذه الترجمة الرد على من كره ذلك.
باب "ما جاء في الصلاة على الحصير":
في حديث أنس النبي ﵊ صلى على الحصير، «قد عمدت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث»، طيب هذا فيه غموض وإلا غرابة وإلا يحتاج إلى استدلال، الحصير: بساط يعني من خمص أومن غيره، طاهر تجوز الصلاة عليه.
قد يقول قائل وما الداعي لهذه الترجمة الصلاة على حصير، يريد أن يرد على من يكره قول الحصير، ايش معنى حصير؟ لماذا يكره بعضهم الصلاة على الحصير أو لفظة الحصير؟؛ لأن الله جعل جهنم للكافرين حصيرا، هذا ما في شك أن في دقة متناهية من الإمام البخاري، ولذا لو أن الإنسان راجع الصحيح وأدام النظر فيه لرأى العجب العجاب، ولذا يوجد من بعض الشراح من يخفى عليه بعض المناسبات يخفى عليه بعض المناسبات، فيقول: المناسبة غير ظاهرة، أو يقول لا مناسبة بين الحديث والترجمة، ثم يأتي من يتأمل ويجد المناسبة الدقيقة الخفية.
بعضهم تهجم على البخاري - رحمه الله تعالى - وبعضهم قال: إن الكتاب ما حرر ولا بيض، هو: عبارة عن مسودات أراد البخاري أن يعيد النظر فيها، والسبب في ذلك خفاء الرابط بين الحديث والترجمة عند هذا القائل.

1 / 4

وحصل للكرماني انتقادات للإمام البخاري ورد عليه من قبل من جاء بعده من الشراح، وكم ترك الأول للأخر؟ زى البخاري حينما يدخل حديث من أحاديث المسح على الخفين في أحاديث السجود، استخدم المسح على الخفين في حديث السجود على الأعضاء السبعة؛ ليبين أنه لا يلزم أن يباشر الأعضاء السبعة الأرض لا سيما الركبتين، الركبتان تباشران الأرض عند السجود، لا ما يمكن القدمان إذا كان عليهما خف ما يلزم؛ لأنه قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، والأنف» تباشر، اليدان تباشر، لكن ماذا عن الركبتين والقدمين؟ الركبتان باعتبار أن الركبة عورة لا يجوز أن تباشر الأرض، وباعتبار أنه يجوز لبس الخف والمسح عليه خمسة أوقات يوم وليلة يجوز أن يستر، وما بقي يكشف إلا عند الحاجة؛ لأنهم يكرهون السجود على المتصل، يعني إذا أرد أن يسجد وضع شماغه وإلا وضع شيء متصل به طرف العمامة، وما أشبه ذلك. يكرهون هذا، إلا أن الكراهة عندهم تزول بالحاجة، ولذا ترى الأرض باردة شديدة البرودة أو حارة أو فيها رائحة لا يتحملها، فإنه يسجد على شي متصل به إذا لم يجد شيئًا منفصل؛ لأن النبي ﵊ كان يسجد على الخمرة، واليدان كذلك الأصل أن تكشف لكن إذا وجد ما يستدعي السجود عليهما، عليه بالنسبة لهما للحرارة شديدة أو برودة شديدة تمنع الخشوع، مثل هذا من دقة نظر البخاري - رحمه الله تعالى - وإن انتقد بأنه كيف يجعل حديث من أحاديث المسح على الخفين بين أحديث السجود.
البخاري - رحمه الله تعالى - جمع الصحيح في ست عشرة سنة، وثبت عنه أنه ما وضع حديثًا إلا اغتسل وصلى ركعتين، وبعضهم يبالغ ويذكر أشياء بالنسبة للصحيح وأنه يقرأ في أوقات الشدائد، وأنه كذا وكذا إلى غير ذلك، لكن هذه القرآن أنزل للعمل، ولا شك أن الكتاب مبارك، لكن مع ذلك مجرد التبرك به من غير عمل هذا لا يجدي لا بد من العمل لتحصل البركة.

1 / 5

يقولون: ما حمل في مركب وغرق، كلام يحتاج إلى نظر، النصوص الثابتة عن الله وعن رسوله ﵊ إنما هي للعمل بها، والقرآن وحده هو المتعبد بتلاوته الذي يثبت الأجر بقراءته، لكن لو ُقرأ صحيح البخاري من أجل العمل أجر عليه قارئه، باعتبار أنه من أعظم أبواب العلم الذي جاءت النصوص بالحث عليه.
ُتلقي الصحيح عن الإمام - رحمه الله تعالى - على ما قاله المترجمون: من قبل تسعين ألفا رواه عن مؤلفه تسعون ألف، لكن الروايات التي امتدت واستمرت إلى وقتنا قليلة لا تبلغ شيئا بالنسبة لهذا العدد، وأقول قد عني بجمعها وترتيبها وتنقيحها، الحافظ أبو الحسين شرف الدين اليونيني محمد، المتوفى سنة إحدى وسبعمائة.
جمع الروايات واعتنى بها ورتبها ونظمها واستخرج نسخة واحدة منها، وأشار إلى الروايات الأخرى في حاشية الكتاب، وقابل الكتاب مرارًا حتى أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة، ثم لما أنهى مقابلة الكتاب وأتقنه وضبطه واطمأن إلى سلامة النسخة التي بين يديه، قرأه على الإمام ابن مالك النحوي المعروف-صاحب الألفية-، فابن مالك يتلقى عن اليونيني يتلقاه عنه رواية، فهو طالب من هذه الحيثية في الحديث طالب وفي العربية معلم، فإذا أشكل لفظ مما قرأه اليونيني سأله ابن مالك هل صحت بذلك الرواية، فإذا قال نعم، وجهه من حيث العربية، وجمعت هذه الألفاظ التي تكلم فيها ابن مالك من حيث العربية في كتاب طبع باسم " شواهد التوضيح على الجامع الصحيح " لابن مالك، وهو مطبوع متداول معروف كتاب يحتاجه طالب العلم لا يستغني عنه قاري البخاري؛ لأن فيه ألفاظ مشكلة من حيث العربية، فهذا الأشكال حله الإمام مالك - رحمه الله تعالى - اليونيني له أصل يعني نسخته تعرف بالأصل.

1 / 6

نسخ هذا الأصل من قبل جمع من أهل العلم وقوبل وضبط وحرر، إلى أن جاء القسطلاني فبحث عن الأصل فما وجده، أصل يونيني ما وجده، فوقف على فرع صحيح مقابل متقن فقابل نسخته عليه ست عشرة مرة، ولو تقول لبعض طلاب العلم، كم قرأت البخاري؟ يمكن ما قرأه كاملاَ ولا مرة واحدة، - قابل نسخته على الفرع ست عشرة مرة- يقول بعد زمن طويل جدًا وقفت على المجلد الثاني يباع من الأصل، وقف على المجلد الثاني من الأصل يباع فاشتراه، وقابل عليه الفرع فوجده لا يختلف عن الفرع ولا بحركة ولا بحرف ولا بنقطة كل هذا من حفظ الله - جل وعلا - لسنة نبيه ﵊، أن يصل الأمر إلى هذا الحد ثم بعد سنوات وقف على المجلد الأول فقابله وجده كذلك، ولذا يمتاز القسطلاني وشرحه المسمى "إرشاد الساري " عن بقية الشروح يمتاز بأي شي؟ بالعناية بألفاظ الصحيح ليس له نظير في هذا الباب، يشير إلى كل اختلاف بين الروايات ولو لم يترتب عليه فائدة.
الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - يقول: إنه اعتمد رواية أبي ذر، وأشار إلى ما عداها عند الحاجة، والقسطلاني يشير إلى كل لفظ وكل حرف أو ضبط يختلف عن ما عنده، أو من راوية إلى أخرى.
ولو نظرتم في عناية المتأخرين بالقسطلاني لوجدتموه أكثر من عنايتهم بفتح الباري، يعني مطبعة بولاق التي يصحح فيها أئمة من كبار أهل العلم، كم طبعة فتح الباري؟ مرة واحدة، كم طبعة عمدة القاري كم؟ ولا مرة، كم طبعة إرشاد الساري؟ سبع مرات، - بولاق فقط طبعة إرشاد الساري سبع مرات - هذا ما هو من فراغ الذي يريد ضبط الصحيح، وإتقان ألفاظ الصحيح، والفروق الدقيقة بين الروايات، عليه بإرشاد الساري نعم في البحوث، سواء كانت الحديثية، أو الفقهية، أو غيرها من فنون العلم، لا شك أن فتح الباري يفوق بمراحل وعمدة القاري تفوق الجميع بما يتعلق بفنون أخرى، - يعني بعيدة عن علم الحديث إلى علوم العربية وعلوم الأخبار والإطالة في التراجم وما أشبه ذلك-، عمدة القاري لا شك أنه في ربعه الأول متميز مرتب ومنظم وله عناية بالفروع العربية كلها، من الغريب والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع وغيرها من الفنون العربية.

1 / 7

فالربع الأول من عمدة القارئ متميز من هذه الحيثية، الإشارة إلى الروايات، روايات الصحيح في شرح الحديث، هذه عند الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -، لذلك تجدون أحيانًا أوهام عند بعض الشراح يهيمون في تفسير بعض الألفاظ، وهي مفسرة في رواية أخرى اطلع عليها الحافظ ابن حجر وذكرها وغيره لم يطلع عليها.
وقد يفسر الكرماني اللفظ بالاحتمال العقلي، أو بمعاني العربية، - ما ورد في معاجم العربية - لكنها مفسرة في روايات أخرى لم يطلع عليها، فميزة الحافظ ابن حجر ﵀ أحاطته يعني إحاطة تليق بمثلهم باعتباره حافظا وإن لم يكن معصومًا بروايات الصحيح وغيره من كتب السنة.
والكرماني حصل له أشياء تدل على جهله بالكتاب المشروح؛ لأنه قد يتكلم بكلام في هذا الباب وفي أبواب لاحقة ينتقد كلامه، وكذلك العيني لماذا؟؛ لأنهما ليسا من أهل الرواية وليسا من أهل الحديث، لكن لهما فضل. والكرماني له فضل على جميع من جاء بعده من الشراح، يسمونه: "الشعير المعقول المزمور"، الكرماني كل الشراح عولوا عليه، وكلهم صبوا جامهم عليه يردون عليه، نعم يخطي وأساء أحيانًا إلى بعض استنباطات البخاري، لكن مع ذلك كتاب نفيس هو وأيضًا ماتع، يعني ليس فيه من دقائق العلوم مثل ما في فتح الباري وعمدة القاري، لكنه ماتع يعني إذا ترجم لراوي، ذكر في ترجمته ما يطرب القارئ فأندر وأطرف ما في ترجمة هذا الراوي يذكره الكرماني، فهو من هذا الحيثية جيد وأيضا كونه سبقهم، سبق الشراح واستفادوا منه وفتح لهم الباب، وإن كان قبله شراح آخرون قبله الخطابي، وقبله ابن بطال وغيرهما من الشراح.
النووي أيضا شرح قطعة متمثلة في كتابه بدء الوحي والإيمان، مطبوعة هذه القطعة في المطبعة المنيرية ضمن مجموعة شروح البخاري، وهي أيضا قطعة مباركة يستفيد منها طالب العلم في هاذيين البابين فائدة كبيرة.
الشروح للإمام البخاري - رحمه الله تعالى - كتابه لقي عناية فائقة، ما وقِف عليه من الشروح أكثر من ثمانين شرح، منها كامل ومنها غير كامل، فضلا عما لم يوقف عليه.

1 / 8

وما من عالم قرأ البخاري، أو أقرأ البخاري، إلا ووضع عليه حاشية بل قد تزيد شروحه على ما قال بعضهم: على الثلاث مائة مما لم يسمي كثيرًا منها، وليس بغريب أن يشرح البخاري بثلاث مائة شرح، إذا تصورنا أن تفسير البيضاوي عليه مائة وعشرين حاشية.
من أهم الشروح على حسب الترتيب، شرح الخطابي، شرح أبي سليمان محمد بن محمد الخطابي البستي هذا هو أقدم الشروح، واسم شرحه: - فيما يتداوله أهل العلم - "أعلام السنن"، في مقابل معالم السنن الذي هو شرح سنن أبي داود اسمه " أعلام السنن "، وطبع بعنوان" أعلام الحديث"؛ لأن هذا وجد في أكثر النسخ وعلى كل حال قد يتداول أهل العلم أسمًا يأخذونه من المضمون، ولو كان غير الاسم الذي وضعه مؤلفه كما يقال: قال ابن القيم في الهدي - المراد به زاد المعاد -، وهكذا كثير عند أهل العلم يجعلون عنوان الكتاب مما يفاد من مجموعه ومضمونه.
" أعلام السنن" في مقابل "معالم السنن" طبع باسم "أعلام الحديث" في أربعة مجلدات محققًا في رسالة دكتوراه في جامعة أم القرى، وفيه فوائد ولطائف لكنه مختصر جدًا، هناك شرح ابن بطال هو عند المالكية له شأن عظيم وفيه فوائد لكنه يسد ثغرة في فقه المالكية.
بعض طلاب العلم يقول نريد الفقه ولا نستطيع أن نقرأ ما كتبه الفقهاء من المطولات، - يعني: إذا أردنا أن نرجع في الفقه في مسألة ما إلى مذهب الشافعي نعرف أن هناك المجموع، وهناك فتح العزيز، وهناك الحاوي، وهناك كتب كثيرة للشافعية-، لكن نريد أن نجمع بين الحديث مع الفقه، ورجوعنا إلى كتب الفقهاء يأخذ علينا وقت طويل، واهتمام الفقهاء بالحديث والاستدلال كثير منهم عنده فيه خلل، فإذا أردنا أن نرجع إلى مذهب الشافعي مثلًا - يعني: لو رجعنا إلى فتح الباري باعتباره من الشافعية، أو النووي باعتباره من فقهائهم، هذا يستفيد طالب العلم الحكم بدليله، ويستفيد فهم السنة من جهة، والاستنباط من جهة أخرى، وعند المالكية مثلًا لو عول طالب العلم على شرح ابن بطال مع المنتقى للباجي مع شروح ابن عبد البر استفاد كثيرًا، مذهب الحنفية - يعني: من عمدة القاري باعتباري فقيه حنفي- وهكذا.

1 / 9

شرح صحيح البخاري - عبد الكريم الخضير | Usul