بعد، فإن عمرو بن العاص قد بايعني على الذي قد بايعني عليه، وأقسم بالله لئن بايعتني على ما بايعني عليه لأبعثنَّ ابنيك أحدهما على البصرة والآخر على الكوفة، ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة، وإني كتبت إليك بخط يدي فاكتب إلىَّ بخط يدك. فقال أبو موسى لابنه أبي بردة: يا بني إنما تعلمتُ المعجم (الخط) بعد وفاة رسول الله ﷺ. قال: وكتبت إليك مثل العقارب. أما بعد فإنك كتبت إلي في جسيم أمر أمة محمد ﷺ، لا حاجة لي فيما عرضت عليَّ" (١).
وقد حاولت الروايات الإخبارية الضعيفة أن تعطى صورة محرفة عن أبي موسى الأشعري وأنه اختير للتحكيم من قبل الجند العراقي وفرض على الخليفة علي ﵁، وأنه أظهر وهنًا وغفلةً خلال التحكيم، وأن عمرو بن العاص استغل بمكره الموقف، ولكن الصحيح أن عليًا كان راضيًا عن اختيار أبي موسى الأشعري "قال الأحنف بن قيس لعلى حين أراد أن يحكم أبا موسى: إنك تبعث رجلًا من أهل القرى رقيق ... فابعثني مكانه آخذ لك بالوثيقة، وأضعك من الأمر بحيث أنت. فقال له ابن عباس: دعنا يا أحنف منك فإنا أعلم بأمرنا منك" (٢).
ولا يخفى أن أبا موسى الأشعري أرسخ في الإسلام وأسبق، وأفقه وأورع حتى لو سلمنا بأن الأحنف أكثر دهاء وأوسع حيلة. كما أن اعتزال أبي موسى لأحداث الفتنة أقدر على ضبط النفس والتحكم في الأقوال والأفعال من الأحنف الذي
(١) ابن سعد: الطبقات ٤: ١١١ - ١١٢ بإسناد صحيح. وابن عساكر: تأريخ دمشق ٥٤١ - ٥٤٢ (ترجمة أبي موسى الأشعري). والذهبي: سير أعلام النبلاء٢: ٣٩٦، وتأريخ الإسلام (٤١ - ٦٠ هـ) ص ١٤٥.
(٢) البلاذري: أنساب الأشراف ٢: ٥٧أبإسناد حسن، وراويه عن الأحنف هو محمد بن أبي يعقوب سيد بني تميم ثقة وبحكم مكانته فإنه يستطيع التحقق من صحة المعلومات.