اليسر والسماحة في الإسلام

اليسر والسماحة في الإسلام

Maison d'édition

الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات

اليسر والسماحة في الإسلام إعداد
أد. فالح بن محمد الصغير
كلية أصول الدين - جامعة الإمام
بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، وبعد:
إن الإسلام هو الدين الذي اختاره الله - تعالى - لعباده، منذ أن خلق الخليقة الأولى آدم ﵇، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) . ويقول أيضًا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢) . وجعل لهذا الدين محورًا واحدًا إلى يوم القيامة، هو توحيده جل وعلا، وهو المحور الذي كان يدعو إليه الأنبياء والرسل أقوامهم وأتباعهم، يقول جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) .

(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.
(٣) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٤) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.

1 / 1

ولكن أحكام هذا الدين كانت تختلف من رسالة إلى أخرى، وكانت تلك الأحكام مقتصرة على أقوام وأفراد في زمان ومكان محددين، ولا تدوم أحكام أية رسالة بعد وفاة نبيها لأمد طويل، فسرعان ما يعتريها التحريف والتبديل، فيفسد التوحيد عند الناس، وتعم المعاصي والمظالم، حتى يرسل الله تعالى نبيًّا آخر يجدد للناس دينهم، ويردهم إلى توحيد الله وهديه، هكذا كانت سنة الله - تعالى - في الأمم السابقة.
حتى بعث الله - تعالى - آخر رسله ﷺ ومعه آخر رسالة، فجاءت هذه الرسالة عامة للإنس والجن، والأبيض والأسود، والعرب والعجم، وهي الرسالة التي حملت مضمونين جديدين، هما الرحمة والعالمية، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) .

(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.

1 / 2

إن هذا الدين العالمي الذي يخاطب الناس كافة، بجميع أعراقهم وأطيافهم، في كل أرجاء الأرض، لا بد أن يتميز بصفات وخصائص تتناسب مع أحوال الناس وظروفهم في البلاد المتفرقة من العالم، فجاء يحمل في أحكامه وتشريعاته التيسير والسعة، فلا تخلو فريضة من الفرائض ولا شعيرة من الشعائر إلا وقد أضفى عليها الله - تعالى - من اليسر ما يجعل الإنسان قادرًا على تطبيقها والقيام بها على الصورة التي أرادها الله - تعالى - ورسوله ﷺ، لأنه ﷿ لا يكلف النفس فوق طاقتها أبدًا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١) .

(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.

1 / 3

وتتوضح لنا هذه الحقيقة في رسالة الإسلام بشكل أكثر عندما تتم المقارنة بين ما كانت عليها الأمم السابقة من المشقة والعنت، وما صارت عليه أمة الإسلام من يسر وسهولة، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .

(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.

1 / 4

فقد خفف الله - تعالى - عن عباده الأغلال والأثقال التي كانت ترافق شرائعهم فتثقل بها كواهلهم، وتصعب معها حياتهم، وهذا فضل كبير من الله - تعالى - لهذه الأمة، ولم يكن ذلك أمرًا عارضًا وإنما لحكمة يعلمها الله، أرادها لعباده تمشيًا مع فطرهم وإعانتهم في أداء طاعاتهم وعباداتهم، ومن ثم تحقيق مصالحهم في شؤونهم كلها، فكل حكم أو تشريع يحمل معه مصلحة للناس في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وغيرها.
وإذا أردنا أن نخوض في أعماق مبدأ التيسير والسماحة في دين الله - تعالى - فإننا سنجد أنفسنا أمام بحر زاخر من الشواهد والنصوص والأحداث التي تقر هذا المبدأ وتحث المسلمين على انتهاجه واتباعه، لذا سنتحدث عن هذا المبدأ الإسلامي العظيم من خلال بعض المعالم التي برز فيها واضحا وجليًّا بشيء من الإيجاز، وذلك حسب ما يتطلبه المقام؛ إذ إن هذا البحث كتب بناء على طلب: (المؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب) الذي ترعاه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
وقد جاءت عناصر البحث في:
- مفهوم اليسر.
- الدين الإسلامي قائم على اليسر والسماحة.
- مرتكزات منهج اليسر في الشريعة الإسلامية.

1 / 5

- مجالات التيسير والسماحة في الإسلام.
- القواعد الشرعية المستنبطة من النصوص الواردة في التيسير.
- آثار الابتعاد عن منهج التيسير.
- خلاصة البحث.
وأسأل الله - تعالى - أن ينفع بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
فالح بن محمد بن فالح الصغير
الرياض ١٤٢٤هـ
ص. ب ٤١٩٦١ الرياض ١١٥٣١
falehmalsgair@yahoo. com

1 / 6

مفهوم اليسر اليُسْرُ لغة: ضد العُسْرِ. ومنه " الدِّين يُسْرٌ " أي سهلٌ سَمْحٌ قليل التشديد (١) .
أما في الاصطلاح: فهو تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، من غير تشدُّد يُحرِّم الحلال، ولا تميُّع يُحلِّل الحرام.
ويدخل تحت هذا المسمى السماحة والسعة ورفع الحرج وغيرها من المصطلحات التي تحمل المدلول نفسه.
وسنتحدث عن اليسر والسماحة في ضوء العناصر الآتية:

(١) المعجم الوسيط، مادة: يسر ٢ / ١٠٧٨.

1 / 7

أولًا - الدين الإسلامي قائم على اليسر والسماحة إن الدين الإسلامي بمجمله قائم على اليسر ورفع الحرج ابتداء من العقيدة وانتهاء بأصغر أمور الأحكام والعبادات بشكل يتوافق مع الفطرة الإنسانية وتتقبله النفس البشرية من غير تكلف أو تعنت، وهذا ما أشار إليه الله تعالى في مواطن كثيرة من كتابه العزيز منها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، وقوله أيضًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وقوله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) .
وتلت هذه الآيات الكريمات السنة النبوية بأحاديث كثيرة تحمل معاني اليسر في أمور الدين وعدم التنطع والتشدد في العبادات والطاعات، فقد أشار ﵊ إلى أن من أهم ما تميزت به رسالة الإسلام عن غيرها من الرسالات السماوية السابقة هي السماحة واليسر كما في قوله ﷺ: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٤) .

(١) سورة الحج، الآية: ٧٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
(٣) سورة النساء، الآية: ٢٨.
(٤) صحيح البخاري، رقم٣٩، ص٩-١٠.

1 / 8

والمتمعن في السيرة النبوية يجد أن سلوك النبي ﷺ وتعامله مع صحابته مبني على منهج التيسير والسماحة، والشواهد أكثر من أن تعد أو تحصى، ولكن نكتفي بسرد حادثة وقعت لأحد الصحابة وجاء إلى الرسول ﷺ، يريد مخرجًا لها وهو صحابي فقير لا يملك قوت يومه، وهي تغني عن جميع ما كان يقع للصحابة من إحراجات.
يقول أبو هريرة ﵁: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر - والعرق: المكتل - قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذها فتصدَّق بها فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك» (١) .

(١) صحيح البخاري، رقم١٩٣٦، ص٣١١. ورواه مسلم في صحيحه برقم٢٥٩٥، ص٤٥٣.

1 / 9

١ - الرخصة
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضد الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (١) .
أما في الاصطلاح فقد عرفها البيضاوي بأنها: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر" (٢) .
والرخصة قاعدة عظيمة من قواعد هذا الدين حيث تشمل جميع أمور الدين وجوانبه في العقيدة والعبادة والمعاملة والعقوبات وغيرها. وهي منحة وصدقة من الله - تعالى - لعباده، كما قال ﵊: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (٣) .
ويمكن وصف الرخصة بأنها من أهم معالم اليسر في هذا الدين، وأن الله - تعالى - إنما أجازها ليخفف عن عباده وطأة بعض التكاليف، ويعذرهم عما لا يطيقونه، لذلك يستحب إتيان هذه المنحة والعمل بها في مواضع الجواز، يقول ﵊: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٤) .
ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الرخص التي بيّنها الله ورسوله ﵊ للأمة من خلال الأمثلة الآتية:

(١) المصباح المنير ١ / ٣٠٤. القاموس المحيط ٢ / ٣٠٤.
(٢) نهاية السول ١ / ٨٧.
(٣) صحيح مسلم، رقم١٥٧٣، ص٢٧٩.
(٤) مسند أحمد، رقم٥٨٧٣، ص٤٥٣. ورواته ثقات.

1 / 10