Le précieux perle dans les noms des auteurs
الدر الثمين في أسماء المصنفين
Enquêteur
أحمد شوقي بنبين - محمد سعيد حنشي
Maison d'édition
دار الغرب الاسلامي
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩م.
Lieu d'édition
تونس
ـ[الدر الثمين في أسماء المصنفين]ـ
المؤلف: علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله أبو طالب، تاج الدين ابن السَّاعي (المتوفى: ٦٧٤هـ)
تحقيق وتعليق: أحمد شوقي بنبين - محمد سعيد حنشي
الناشر: دار الغرب الاسلامي، تونس
الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩م.
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
Page inconnue
تقديم
الحمد لله حمد الشاكرين الذّاكرين المقرّين بالآلاء والنّعم، وصلّى الله على سيّدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وخير الخلق من عرب وعجم، وعلى آله وصحبه أجمعين أولي المجد والكرم، وبعد:
فقد كتب على تراث الأمة الإسلامية أن يعيش ما عاشته الأمة من محن ونكبات، إذ ضاع الكثير من ذلك التراث في أتون الصّراعات، وتفرّقت البقية الباقية منه شذر مذر في سائر الأقطار والأمصار؛ فقد حفظ قسم كبير منه في مختلف خزائن الكتب العامة، فتمّت الاستفادة منه تحقيقا ودراسة ونشرا، وكنز قسم آخر منه في مكتبات خاصّة دون الوصول إليه شرط الحداد، وخرط القتاد.
ومن بين هذا التراث المكنوز نفائس نادرة، طالما تطلّعت إليها همم الباحثين، واشرأبّت لها أعناق الدارسين، لكنها كانت تذكر بحسرة في مؤلّفاتهم وأبحاثهم على أنها مصنّفات مفقودة أو ضائعة.
ومن أبرز تلك الكنوز النادرة: كتاب الدّرّ الثمين في أسماء المصنّفين لابن أنجب الساعيّ، الذي اشتهر بعنوان أخبار المصنّفين، والذي يعدّ من أهمّ مؤلفات هذا العالم الكبير، فقد ذكر، في أكثر من بحث، أنه من الكتب المفقودة، وكنا بدورنا نحسبه كذلك، على الرّغم من أننا كنّا نعلم أنه كان من الضّنائن التي تفرّدت بحفظها خزانة العلاّمة محمد عبد الحيّ الكتّاني ﵀ (١)؛ لكننا لم نقف له على ذكر في فهارس مخطوطات الخزانة الوطنية، قسم الخزانة الكتّانية. وبعد الاطّلاع على كشّاف الكتب المخطوطة المحفوظة بالقصر الملكيّ بمراكش، الذي أنجزه محمد بن
(١) التراتيب الإدارية ٢/ ٤٥٧، وتاريخ المكتبات الإسلامية:١٤٨ - ١٤٩.
1 / 5
عبد الهادي المنونيّ ﵀، تحقّقت البغية، وتيسّر الطلب، وكانت المفاجأة الكبرى، حين عثرنا على هذا الكتاب ضمن القسم الباقي من خزانة هذا العالم الجليل، المحفوظ هناك.
ويعدّ كتاب الدّرّ الثمين في أسماء المصنّفين من أهمّ المصادر التي استقصت أخبار المصنّفين وما صنّفوه في التراث العربي، ويضمّ هذا الجزء؛ الذي نسعد اليوم بإخراجه إلى النّور؛ أربع مائة وثمان عشرة ترجمة من تراجم المصنّفين، وأسماء مصنّفاتهم، ونتفا من أشعارهم، وطرائف من أخبارهم، منها إحدى وعشرون ترجمة لرجال القرن السابع الهجري.
وقد صدّره مؤلّفه بمقدّمة لم يبق منها إلا قسم يسير. وافتتح كتابه هذا بتراجم المحمّدين، فبدأ بترجمة محمد بن إدريس الشافعيّ، باعتباره «أول من صنّف الفقه ودوّنه»، وأتبعهم بتراجم من سمّي إبراهيم، فالذي يليه حسب ترتيب حروف المعجم (١).
ولم يلتزم ابن أنجب بمنهج محدّد في تراجم هذا الكتاب، فهناك تراجم طويلة استوفى فيها الأركان الأساس في الترجمة، كالاسم والكنية، وبعض الشيوخ، والتلاميذ، والمصنّفات، وتاريخ المولد والوفاة، وأضاف إلى ذلك بعض الأخبار، أو النّكات الأدبية، أو ما استحسن من أشعار وأخبار المترجم، وهناك تراجم قصيرة لا تتعدّى السطر أو السّطرين أخلّ المؤلّف فيها بما سبق ذكره من أركان الترجمة.
وعلى الرّغم من أنّ أغلب من ترجمهم ابن أنجب في هذا الكتاب سبق التعريف بهم في كتاب الفهرست للنّديم، ومعجم الأدباء لياقوت الحموي، إلاّ أنّ كتاب الدّرّ الثمين يضمّ مجموعة مهمّة من تراجم شيوخ ابن أنجب ومعاصريه. وهو فيها عمدة لغيره، ومصدر هامّ لها لا يستغنى عنه، لأنه استقى بعض أخبار مترجميه منهم مباشرة، دون عزو أو إسناد،
(١) اقتدى ابن الساعي في هذا الترتيب بترتيب كتب التراجم الأولى وعلى الأخص منها التاريخ الكبير للإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ﵀.
1 / 6
كما وقف على مؤلّفاتهم، وقرأ بعضها عليهم، وأشار إلى ذلك في غير ما موضع من هذا الكتاب.
كما يضمّ الدّرّ الثمين طائفة مهمّة من الإفادات التاريخية، وأخبار بعض المدارس والرّباطات، وتواريخ افتتاحها، وذكر بعض الشّيوخ الذين درّسوا بها، وغير ذلك من المعلومات التي لا تخفى أهميتها، وإن جاءت عرضا في تضاعيف تراجم المصنّفين.
والجانب الطريف والهامّ في هذا الكتاب، والذي يهمّ علماء الفهرسة والمتتبّعين لأخبار الكتب بشكل خاصّ، هو ما يتعلّق ببعض أخبار ابن أنجب نفسه، وبعض أسماء مصنّفاته التي لا تزال مفقودة إلى الآن، فقد ذكر في كتابه هذا ستة عشر عنوانا من مؤلّفاته التي لا نجد لها ذكرا في غير هذا الكتاب. كما وجدنا فيه أيضا أخبارا في غاية الأهميّة عن بعض المؤلّفات التي قرأها، أو تملّكها، أو وقف عليها في خزانة كتب المدرسة النّظامية، إلى غير ذلك من أخبار المصنّفات والمصنّفين التي أتحفنا بها ابن الساعي في درّه الثمين.
هذا، وقد اعتمد ابن أنجب، في جمع بعض هذه الأخبار، على مجموعة مهمّة من مصادر التراث، ولقف بعضها الآخر من أفواه شيوخه، أو ممّا شاهده أو طالعه في كتب المتأخّرين، ولا شكّ أن عمله، كخازن للكتب في خزانتين عظيمتين هما: خزانة المدرسة النّظامية، وخزانة المدرسة المستنصرية، قد ساعده على جمع هذا الكمّ الهائل من أخبار المؤلّفين ومؤلّفاتهم.
وقد حاولنا في هذا العمل نقل متن الدّرّ الثمين من أصله نقلا سليما، مراعين فيه قواعد الإملاء الحديثة، مع شكل ما أشكل من الأسماء، وتوثيق ما يستلزم التوثيق من روايات وأشعار وأخبار، بإيجاز واختصار، وصدّرنا الكتاب بتقديم تناولنا فيه محورين رئيسين:
-عرضنا في المحور الأول حياة ابن أنجب الساعي، فذكرنا نسبه، وبعض شيوخه، وتلاميذه، ومكانته في عصره، ووظائفه، ومؤلّفاته،
1 / 7
ووفاته.
-وتناولنا في المحور الثاني المؤلّف، حيث عرّفنا بكتاب الدّرّ الثمين في أسماء المصنّفين، ووثّقنا نسبته لصاحبه، وحاولنا تحديد تاريخ تأليفه.
ووصفنا النّسخة الوحيدة التي اعتمدناها، وحدّدنا المنهج المتبع في الضّبط والتعليق، وذيّلنا الكتاب بفهارس عامة ومفصّلة.
وقد واجهتنا أثناء إنجاز هذا العمل عراقيل عدة، أهمّها صعوبة قراءة المخطوط، بسبب ما لحقه من رطوبة شديدة أدّت إلى التصاق أوراقه، بعضها ببعض، وتداخل أسطره بعضها ببعض، وما حدث من جرّاء ذلك من اندراس بعض كلماته، وانطماس بعض حروفه، ممّا جعل تبيّن رسم بعض الكلمات والحروف مستحيلا.
ولا يفوتنا في ختام هذا التقديم أن نقدّم الشكر الجزيل للأساتذة:
محمد أيوب الإصلاحي، وعزير شمس، ومحمد السّليماني، وعزّت حسن، وعبد الحكيم الأنيس، الذين تفضّلوا بموافاتنا بملاحظاتهم القيّمة بعد قراءة الكتاب قراءة متأنّية.
ندعو الله العليّ القدير أن نكون قد وفّقنا بعض التوفيق إلى إخراج هذا الكتاب على هذه الصّورة، آملين أن ينال لدى الباحثين عامة، والمثقّفين بشئون الكتاب خاصّة، ما هو جدير به من تقدير. كما ندعو الله تعالى أن يجعل مجهودنا هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن يجعله من العلم النافع الذي يفيد في الحياة، ويدّخر أجره إلى ما بعد الممات، فمن رأى فيه حسنة قال، ومن رأى سيئة أقال. فخيرا أردنا، ومضنونا به أذعنا، وذخيرة أشعنا. والله الموفّق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
والحمد لله الذي تتمّ بنعمته الصالحات
أحمد شوقي بنبين
محمد سعيد حنشي
1 / 8
الرباط يوم الاثنين ٢٩ ذي القعدة ١٤٢٨ هـ الموافق ١٠ دجنبر ٢٠٠٧ م
مقدّمة:
- I مع المؤلّف:
أولا: نسبه (ابن الساعي) (١):
هو: تاج الدّين أبو طالب عليّ بن أنجب بن عبد الله بن عمّار بن عبيد الله بن عبد الرحيم البغداديّ (٢)، المعروف بابن الساعيّ (٣)، المؤرّخ
(١) ترجمته في الحوادث:٤٢٢، وذيل مرآة الزمان:٣/ ١٤٧، وطبقات علماء الحديث. ترجمة ١١٤٢، وتاريخ الذهبي:١٥/ ٢٧٨، وتذكرة الحفاظ:٤/ ١٤٦٩، والوافي بالوفيات:٢٠/ ١٥٩، وطبقات الإسنوي:١/ ٣٤٧، والبداية والنهاية:١٣/ ٢٧٠، والمنتخب المختار من تاريخ علماء بغداد للسلامي:١٣٧، والجواهر المضية في طبقات الحنفية:١/ ٣٥٤، وطبقات الفقهاء الشافعية لابن قاضي شهبة:١/ ٤٦١، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي:٨/ ٥٤، والدليل الشافي على المنهل الصافي:١/ ٤٥١، وطبقات المفسرين للداودي:١/ ٣٩٤، وطبقات الحفاظ للسيوطي: ٥٠٩، وشذرات الذهب:٥/ ٣٤٣، وكشف الظنون:١/ ٥٧٣، والرسالة المستطرفة: ١٤١، وهدية العارفين:١/ ٧١٢، وتاريخ آداب اللغة العربية:٣/ ١٩٩، وأعيان الشيعة:٨/ ١٧٦، وطبقات أعلام الشيعة:٣/ ١٠١، ومقدمة كتاب الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير، ومقدمة كتاب نساء الخلفاء:٥ - ٣٢، وتاريخ علماء المستنصرية:٢٧٩، ومقدمة تاريخ الخلفاء العباسيين:٣ - ٦، والأعلام:٤/ ٢٦٥، ومعجم المؤلفين:٧/ ٤١.
(٢) هناك اختلاف في المصادر في اسم أجداده فقد جاء في تذكرة الحفاظ أن اسمه: علي بن الحسين بن عثمان بن عبد الله البغدادي، وسماه صاحب الجواهر المضية: علي بن أنجب بن عبيد الله بن الحارث، أما الداودي فقد سماه في طبقات المفسرين: علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم، وسمي في هدية العارفين: علي بن الحسين بن عثمان بن عبد الله البغدادي.
(٣) الساعي: عداء يعدو في مصالح غيره من الناس كالتجار والولاة والسلاطين وينتقل-
1 / 9
المشهور، ويعرف أيضا بالخازن (١)، لأنه كان خازن كتب المدرسة النّظامية والمدرسة المستنصرية ببغداد، وهما من أعظم خزائن الكتب في عصره.
ورغم شهرة هذا العالم الجليل، فقد وقع في اسمه خلط كبير عند بعض من ترجمه. وهكذا، فقد ترجم في الجواهر المضيّة باسم ابن الساعاتي، نسبة إلى عمل الساعات (٢). وذكره بهذا الاسم أيضا كلّ من محمد بن أحمد التّجانيّ في تحفة العروس، الذي استشهد بأحد أخباره في تاريخه فقال: «قال ابن الساعاتيّ في تاريخه. . .» (٣).
وبنفس الاسم ذكره الشيخ عبد الحيّ الكتّانيّ في بعض مؤلّفاته، كتاريخ المكتبات الإسلامية ومن ألّف في الكتب، والتراتيب الإدارية في نظام الحكومة النبويّة، وفهرس الفهارس، فقد قال في الأول: «هو الإمام المحدّث البارع المؤرّخ تاج الدّين أبو طالب عليّ بن أنجب بن عثمان بن عبيد الله، المعروف بابن الساعاتي. . .» (٤)، وقال في الثاني:
ومنهم: صاحب كتاب الدّرّ الثمين في أسماء المصنّفين، وهو عندي، في مجلّد، ومؤلّفه: الإمام المؤرّخ البارع تاج الدّين أبو طالب عليّ بن أنجب. . . المعروف بابن الساعاتي» (٥).
= بين البلدان.
(١) الخازن اصطلاح أطلق على جماعة منهم من كان خازن كتب ومنهم من كان خازن أموال. أنساب السمعاني:٢/ ٣٥٥. وخازن الكتب هو الذي يقوم بحفظها، وترميم شعتها، وحبكها عند احتياجها للحبك، والضنة بها على من ليس من أهلها، وبذلها للمحتاج إليها، وليس له أن يعيرها إلا برهن. وفيات ابن رافع السلامي:٢/ ٣٠٣.
(٢) الجواهر المضية:١/ ٣٥٤. ذكر فيه القرشي أنها نسبة إلى خال له اسمه أحمد بن علي بن تغلب كان أبوه ساعاتيا على باب المستنصرية.
(٣) تحفة العروس مخ رقم ٩٤١: ورقة ١٣٢، أما جليل العطية محقق هذا الكتاب فقد صحح الاسم دون الإشارة إلى ذلك في الهامش.
(٤) تاريخ المكتبات الإسلامية ومن ألف في الكتب:١٤٨.
(٥) التراتيب الإدارية ٢/ ٤٥٧. وكذلك سماه في التعليقة التي وضعها بخطه في وجه الورقة الأولى من النسخة التي اقتناها بتونس عام ١٩٢١ م من كتاب الدر الثمين.
1 / 10
وذكر اسمه أيضا محرّفا في كلّ من تاريخ ابن الفرات، وكتاب المخلاة لبهاء الدّين العاملي، وكتاب التذكرة التّيمورية، فسمّي في الأول: ابن السباعي، والصواب حذف الباء. وسمّي في الثاني: ابن الساهي، وهو تحريف واضح. وسمّي في الثالث: ابن المساعي، وهو أيضا تحريف، وصوابه ابن الساعي (١). إلاّ أن المشهور والمتفق على صحّته بين تلاميذه ومعظم مترجميه هو: ابن أنجب الساعي.
ثانيا: مولده ونشأته وطلبه للعلم:
ولد عليّ بن أنجب في شهر شعبان سنة (٥٩٣ هـ-١١٩٧ م) بمدينة بغداد، على عهد الخليفة أبي العبّاس أحمد الناصر لدين الله العباسيّ، في أسرة متواضعة، إذ كان أبواه من عامّة الناس، فلم يرد في المصادر ما يدلّ على أنّ أباه كان من علماء عصره، أو من أعيان مصره الذين لهم حظوة عند سلطان أو وجيه من الوجهاء.
وكان ابن أنجب منذ حداثة سنّه محبّا للعلم والعلماء، شغوفا بحضور مجالس الفضلاء، وكان يتردّد على حلقات العلم بمساجد بغداد ورباطاتها، ففيها حفظ القرآن الكريم، وسمع الحديث الشريف، ودرس علوم العربية، والتاريخ والأخبار، والسّير والمغازي والآثار، والفقه والآداب والأشعار، وغيرها من العلوم، على يد مجموعة من المشايخ الفضلاء. وبما أنّنا لم نقف على مشيخته التي فصّل فيها الحديث عن شيوخه، وإجازاته، ومحفوظاته، ومرويّاته، ومجالس العلم التي كان يحضرها، فسنكتفي هنا بإيراد ما بقي من هذه الأخبار التي وجدناها في مؤلّفاته.
يقول مثلا في وصف أحد مجالس شيخه عبد الوهّاب بن سكينة، مبرزا علاقة الودّ التي كانت تربطه به، ومؤكّدا حرصه على التعلّم والحفظ: «وأذكر وأنا صبيّ راهق الحلم، وأنا ألتذّ بالنظر إليه، ولا أسأم
(١) نقلا عن: ابن الساعي البغدادي د. عبد الحكيم الأنيس. صدى الدار السنة الأولى العدد السابع.
1 / 11
القعود بين يديه، ولمّا رأى منّي ذلك أحبّني، وكان يسألني عن حالي، ويسأل عنّي إذا غبت، ويخصّني بشيء من الحلاوة في كلّ وقت كنت أحضر عنده، وكان له ولد اسمه عبد الرحيم، ولقبه عون الدّين، يأمره بالقعود معي ويقول: اقرأ معه بالإرادة، فإذا رأى عنده تقصيرا أو ميلا إلى لعب، ينكر عليه ويقول له: لم لا يكون لك مثل هذا؟ فإنّ له همة، أرجو له الصّلاح، وكان يعتذر إليه ويقول: هذا أكبر منّي. ولقد صدق ﵀، فإنّي كنت أسنّ منه بسنتين. فكان الشيخ ﵀ إذا تكلّم يظهر البهاء والنّور على ألفاظه، وتقبلها الأسماع والقلوب، ولا يشبع جليسه من مجالسته. ولقد حضرت عند جماعة من شيوخ العلم والموسومين بالزّهادة والعبادة، فلم أر فيهم أكمل منه، ولا أحسن طريقة وسمتا» (١).
وبمثل هذه العبارات الرّقيقة الصّادقة، وصف ابن أنجب مجموعة من شيوخه في الدّرّ الثمين.
ثالثا: ذكر بعض شيوخه:
عاش عليّ بن أنجب الساعي في عصر كثر فيه العلماء والفضلاء، خصوصا في مدينة بغداد؛ إحدى المدن العالمة في ذلك الوقت؛ التي لا يكاد يخلو موضع فيها من مدرسة، أو جامع، أو رباط، أو خانقاه.
وكلّها كانت تعجّ بحلقات الدرس والتحصيل في مختلف العلوم. وقد ذكر جلّ من ترجم ابن أنجب أنّ شيوخه كانوا كثرا، وأنّ إجازاته ومروياته متعدّدة، لذلك قيل في وصف مشيخته: إنّها تقع في عشرة مجلّدات (٢).
وبما أنّ هذه المشيخة ما زالت في حيّز المفقود، فسنكتفي بذكر بعض شيوخه الذين ذكرهم في كتبه، أو ذكروا عرضا في كتب التواريخ والسّير، فمنهم:
(١) أخبار الزهاد خ:٩٣.
(٢) ينظر تاريخ الذهبي:١٥/ ٢٧٩، والوافي بالوفيات:٢٠/ ١٥٩، وشذرات الذهب: ٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
1 / 12
١. محبّ الدّين أبو عبد الله محمد بن محمود بن حسن بن هبة الله بن محاسن البغداديّ، المعروف بابن النجّار (ت.٦٤٣ هـ).
أخذ عنه ابن أنجب تاريخه الذي ذيّل به تاريخ بغداد، ودليل ذلك قوله في ترجمته في الدّرّ الثمين: «وله من التصانيف كتاب التاريخ المجدّد المذيّل به على تاريخ الخطيب في ستة عشر مجلّدا بخطّه. . .
وقد قرأته عليه، ووقف كتبه ووصّى إليّ بالنظر فيها» (١).
٢. أبو عبد الله محمد بن سعيد بن يحيى بن عليّ بن حجّاج الدّبيثيّ الواسطيّ الشافعيّ (ت ٦٣٧ هـ):
قرأ عليه ابن أنجب تاريخه، وقال في ترجمته في الدرّ الثمين:
«شيخنا أبو عبد الله الحافظ، الواسطيّ المولد البغداديّ الدار والوفاة، استفدت منه، وأخذت عنه. . . صنّف تاريخا ذيّل به تاريخ أبي سعد عبد الكريم ابن السّمعاني، واستدرك عليه في عدّة شيوخ وهم فيهم، قرأته عليه. .» (٢).
٣. محمد بن علوان بن محمد بن مهاجر، شرف الدّين أبو المظفّر الموصليّ الشافعيّ (ت.٦٢١ هـ):
أقرّ بمشيخته في ترجمته في كتاب الدّرّ الثمين أيضا فقال: «شيخنا أبو المظفّر الموصلي. . .» (٣)، وقد أخذ عنه الفقه وأصوله.
٤. شهاب الدّين أبو عبد الله ياقوت الحمويّ الروميّ (ت.٦٢٦ هـ):
أقرّ ابن أنجب بمشيخته صراحة في الدّرّ الثمين في ترجمة أبي القاسم الجبائيّ حين قال معلّقا على سنة وفاة هذا الأخير: «ذكر ذلك شيخنا ياقوت الحموي» (٤). وبالإضافة إلى ذلك، نقل عنه في هذا الكتاب
(١) الدر الثمين:٨٠ - ٨١.
(٢) المصدر نفسه:١٤٥. وتاريخ السمعاني (٥٦٢ هـ) هو ذيل على تاريخ بغداد للخطيب البغدادي في خمسة عشر مجلدا. كشف الظنون:١/ ٢٨٨.
(٣) الدر الثمين:٢٩.
(٤) المصدر نفسه:٥٧.
1 / 13