ومفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وفيه تنبيه على أنَّ الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون، ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي ﷺ، وبإسماع الله تعالى إياهم، خرقًا للعادة، ومعجزة للنبي ﷺ. (١)
الدليل الثالث: أنَّ النبي ﷺ أقرَّ عمر وغيره من الصحابة ﵃ على ما كان مستقرًا في نفوسهم واعتقادهم أنَّ الموتى لا يسمعون، يدل على ذلك رواية: " .... فَسَمِعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ يَقُولُ اللَّهُ ﷿: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا" (٢)، وقد صرح عمر ﵁ أنَّ الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة، وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه، ولذلك أشكل عليهم الأمر، فصارحوا النبي ﷺ بذلك ليزيل إشكالهم، فبين لهم حقيقة الأمر، وبهذا يتضح أنَّ النبي ﷺ أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم؛ لأنه لم يُنكِرْه عليهم، ولا قال لهم: أخطأتم، فالآية لا تنفي مطلق سماع الموتى، ولا أنه ﷺ أقرهم على ذلك، ولكنه بين لهم ما كان خافيًا عليهم من شأن القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقًا، وأنَّ ذلك أمر خاص مستثنى من الآية، معجزة له ﷺ. (٣)
واعتُرِضَ: بأنَّ سماع الموتى قد ثبت في غير هذه القصة، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ
نِعَالِهِمْ .... " (٤)، فقد أثبت في هذا الحديث سماع الميت لقرع النعال، فدل على عدم اختصاص ذلك بالنبي ﷺ.
(١) انظر: روح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٧٧)، ومقدمة الألباني على كتاب "الآيات البينات في عدم سماع الأموات"، ص (٢٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٢٨٧). وسنده صحيح على شرط مسلم.
(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٣٥٤)، ومقدمة الألباني على كتاب "الآيات البينات في عدم سماع الأموات"، ص (٣٠ - ٣١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، حديث (١٣٣٨)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٧٠).