Daqaiq Tafsir

دقائق التفسير

Enquêteur

د. محمد السيد الجليند

Maison d'édition

مؤسسة علوم القرآن

Édition

الثانية

Année de publication

١٤٠٤

Lieu d'édition

دمشق

Régions
Syrie
•
Empires & Eras
Mamelouks
فصل
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٥ قَالَ عَليّ بن أبي طَالب الصَّبْر من الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد فَإِن انْقَطع الرَّأْس بار الْجَسَد أَلا لَا إِيمَان لمن لَا صَبر لَهُ
فالصبر على أَدَاء الْوَاجِبَات وَلِهَذَا قرنه بِالصَّلَاةِ فِي أَكثر من خمسين موضعا فَمن كَانَ لَا يُصَلِّي من جَمِيع النَّاس رِجَالهمْ وَنِسَائِهِمْ فَإِنَّهُ يُؤمر فَإِن امْتنع عُوقِبَ بِإِجْمَاع الْمُسلمين ثمَّ أَكْثَرهم يوجبون قتل تَارِك الصَّلَاة وَهل يقتل كَافِرًا مُرْتَدا أَو فَاسِقًا على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَالْمَنْقُول عَن أَكثر السّلف يَقْتَضِي كفره وَهَذَا مَعَ الاقرار بِالْوُجُوب فَإِنَّهُ مَعَ حجود الْوُجُوب فَهُوَ كَافِر بالِاتِّفَاقِ

1 / 211

وَمن ذَلِك تعاهد مَسَاجِد الْمُسلمين وأئمتهم وامرهم بِأَن يصلوا بهم النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَصلى مرّة بِأَصْحَابِهِ على طرف الْمِنْبَر وَقَالَ إِنَّمَا فعلت هَذَا لتأتموا بِي ولتعلموا صَلَاتي
فعلى إِمَام الصَّلَاة أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاة كَامِلَة لَا يقْتَصر على مَا يجوز للمنفرد الِاقْتِصَار عَلَيْهِ إِلَّا لعذر وَكَذَلِكَ على إمَامهمْ فِي الْحَج وأميرهم فِي الْحَرْب أَلا ترى الْوَكِيل وَالْوَلِيّ فِي البيع وَالشِّرَاء عَلَيْهِ أَن يتَصَرَّف لمُوكلِه ولموليه على الْوَجْه الْأَصْلَح لَهُ فِي مَاله وَهُوَ فِي مَال نَفسه يفوت على نَفسه مَا شَاءَ فَأمر الدّين أهم وَمَتى اهتمت الْوُلَاة بإصلاح دين النَّاس صلح الدّين للطائفتين وَالدُّنْيَا وَإِلَّا اضْطَرَبَتْ الْأُمُور عَلَيْهِم جَمِيعًا
وملاك ذَلِك حسن النِّيَّة للرعية وإخلاص الدّين كُله لله ﷿ والتوكل عَلَيْهِ فَإِن الْإِخْلَاص والتوكل جماع صَلَاح الْخَاصَّة والعامة كَمَا أمرنَا أَن نقُول فِي صَلَاتنَا ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فهاتان الكلمتان قد قيل إنَّهُمَا تجمعان مَعَاني الْكتب الْمنزلَة من السَّمَاء
وروى أَنه ﷺ كَانَ مرّة فِي غزَاة فَقَالَ يَا مَالك يَوْم الدّين إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين فَجعلت الرُّءُوس تندر عَن كواهلها
وَقد ذكر ذَلِك فِي غير مَوضِع من كِتَابه كَقَوْلِه ﷿ ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ سُورَة هود ١٢٣ وَقَوله ﴿عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾ سُورَة هود ٨٨ سُورَة الشورى ١٠ وَكَانَ ﷺ إِذا ذبح أضحيته قَالَ مِنْك وَإِلَيْك
وأصل ذَلِك الْمُحَافظَة عل الصَّلَوَات بِالْقَلْبِ وَالْبدن وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس بالنفع وَالْمَال

1 / 212

الَّذِي هُوَ الزَّكَاة وَالصَّبْر على أَذَى الْخلق وَغَيره من النوائب فبالقيام بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصَّبْر يصلح حَال الرَّاعِي والرعية وَإِذا عرف الْإِنْسَان مَا يدْخل فِي هَذِه الْأَسْمَاء الجامعة عرف مَا يدْخل فِي الصَّلَاة من ذكر الله تَعَالَى ودعائه وتلاوة كِتَابه وإخلاص الدّين لَهُ والتوكل عَلَيْهِ وَفِي الزَّكَاة من الْإِحْسَان إِلَى الْخلق بِالْمَالِ والنفع من نصر الْمَظْلُوم وإغاثه الملهوف وَقَضَاء حَاجَة الْمُحْتَاج وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ قَالَ كل مَعْرُوف صَدَقَة فَيدْخل فِيهِ كل إِحْسَان وَلَو ببسط الْوَجْه والكلمة الطّيبَة
فَفِي الصَّحِيح عَن عدي بن حَاتِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا مِنْكُم من أحد الا سيكلمه ربه لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان وَلَا حَاجِب فَينْظر أَيمن مِنْهُ فَلَا يرى إِلَّا شَيْئا قدمه وَينظر أشأم مِنْهُ فَلَا يرى إِلَّا شَيْئا قدمه وَينظر أَمَامه فيستقبل النَّار فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَتَّقِي النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَلْيفْعَل فَإِن لم يجد فبكلمة طيبَة
وَفِي السّنَن لَا تحقرن من الْمَعْرُوف شَيْئا وَلَو أَن تلقي أَخَاك بِوَجْه طلق وَفِي رِوَايَة ووجهك إِلَيْهِ منبسط وَلَو أَن تفرغ من دلوك فِي إِنَاء المستسقى
وَفِي الصَّبْر احْتِمَال الْأَذَى وكظم الغيظ وَالْعَفو عَن النَّاس وَمُخَالفَة الْهوى وَترك الأشر والبطر كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليؤوس كفور وَلَئِن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني إِنَّه لفرح فخور إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ الْآيَة (سُورَة هود ٩ ١١)
وروى الْحسن الْبَصْرِيّ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد من بطْنَان العلق الا ليقمْ من

1 / 213

أجره على الله فَلَا يقوم الا من عَفا وَأصْلح
وَلَيْسَ من حسن النِّيَّة للرعية وَالْإِحْسَان اليهم أَن يفعل مَا يهوونه وَيتْرك مَا يكرهونه قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ﴾ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٧١ وَقَالَ لأَصْحَاب نبيه ﷺ ﴿وَاعْلَمُوا أَن فِيكُم رَسُول الله لَو يطيعكم فِي كثير من الْأَمر لعنتم﴾ سُورَة الحجرات ٧
وَقَالَ الشَّيْخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى
هَذَا تَفْسِير آيَات أشكلت حَتَّى لَا يُوجد فِي طَائِفَة من كتب فِي التَّفْسِير الا مَا هُوَ الْخَطَأ فِيهَا
مِنْهَا قَوْله ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا﴾ الْآيَتَيْنِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وصف أهل السَّعَادَة من الْأَوَّلين والآخرين وَهُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ وَيعرف بِهِ مَعْنَاهُ من غير تنَاقض ومناسبة لما قبلهَا وَلما بعْدهَا وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد السّلف وَيدل عَلَيْهِ مَا ذَكرُوهُ من سَبَب نُزُولهَا بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَة عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ سلمَان سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن أهل دين كنت مَعَهم فَذكر من عِبَادَتهم فَنزلت الْآيَة وَلم يذكر فِيهِ أَنهم من أهل النَّار كَمَا روى بأسانيد ضَعِيفَة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح كَمَا فِي مُسلم إِلَّا بقايا من أهل الْكتاب
وَالنَّبِيّ ﷺ لم يكن بِمَا لَا علم عِنْده وَقد ثَبت أَنه أثنى على من مَاتَ فِي الفترة كزيد بن عَمْرو وَغَيره وَلم يذكر ابْن أبي حَاتِم خلافًا عَن السّلف لَكِن ذكر عَن ابْن عَبَّاس ثمَّ أنزل الله ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا﴾ الْآيَة وَمرَاده أَن الله يبين أَنه لَا يقبل إِلَّا الْإِسْلَام من الْأَوَّلين والآخرين
وَكثير من السّلف يُرِيد بِلَفْظ النّسخ رفع مَا يظنّ أَن الْآيَة دَالَّة عَلَيْهِ فَإِن من الْمَعْلُوم ان من كذب رَسُولا وَاحِدًا فَهُوَ كَافِر فَلَا يتَنَاوَلهُ قَوْله ﴿من آمن بِاللَّه﴾ الخ
وَظن بعض النَّاس ان الْآيَة فِيمَن بعث إِلَيْهِم مُحَمَّدًا ﷺ خَاصَّة فغلطوا ثمَّ افْتَرَقُوا على أَقْوَال متناقضة

1 / 214

فصل قَالَ الشَّيْخ الْإِسْلَام
فَذكر سُبْحَانَهُ قصَّة مَرْيَم والمسيح فِي هَذِه السُّورَة المكية الَّتِي أنزلهَا فِي أول الْأَمر بِمَكَّة فِي

1 / 307

السُّور الَّتِي ذكر فِيهَا أصُول الدّين الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاء ثمَّ ذكرهَا فِي سُورَة آل عمرَان وَهِي من السُّور الْمَدِينَة الَّتِي يُخَاطب فِيهَا من اتبع الْأَنْبِيَاء من أهل الْكتاب والمؤمينن لما قدم عَلَيْهِ نَصَارَى نَجْرَان فَكَانَ فِيهَا الْخطاب لأهل الْكتاب فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض وَالله سميع عليم إِذْ قَالَت امْرَأَة عمرَان رب إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا فَتقبل مني إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم فَلَمَّا وَضَعتهَا قَالَت رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى وَالله أعلم بِمَا وضعت وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى وَإِنِّي سميتها مَرْيَم وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من مَوْلُود إِلَّا يمسهُ الشَّيْطَان فَيَسْتَهِل صَارِخًا من الشَّيْطَان إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة اقرأوا إِن شِئْتُم ﴿وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿فتقبلها رَبهَا بِقبُول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زَكَرِيَّا كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله إِن الله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾
ثمَّ ذكر قصَّة زَكَرِيَّا وَيحيى ثمَّ قَالَ ﴿هُنَالك دَعَا زَكَرِيَّا ربه قَالَ رب هَب لي من لَدُنْك ذُرِّيَّة طيبَة إِنَّك سميع الدُّعَاء﴾ الْآيَات من سُورَة آل عمرَان (٣٨ - ٦٨)

1 / 308

فَهُوَ سُبْحَانَهُ قد ذكر قصَّة مَرْيَم والمسيح فِي هَاتين السورتين
إِحْدَاهمَا مَكِّيَّة نزلت فِي أول الْأَمر مَعَ السُّور المهدة لأصول الدّين وَهِي سُورَة كهيعص

1 / 309

وَالثَّانيَِة مَدَنِيَّة نزلت بعد أَن أَمر بِالْهِجْرَةِ وَالْجهَاد وَلِهَذَا تَضَمَّنت مناظرة أهل الْكتاب ومباهلتهم كَمَا نزلت فِي بَرَاءَة مجاهدتهم فَأخْبر فِي السُّور المكية أَنَّهَا لما انْفَرَدت لِلْعِبَادَةِ أرسل إِلَيْهَا روحه فتمثل لَهَا بشرا سويا فَقَالَت ﴿إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا﴾
قَالَ أَبُو وَائِل علمت أَن المتقي ذُو نَهْيه أَي تقواه ينهاه عَن الْفَاحِشَة وَأَنَّهَا خَافت مِنْهُ أَن يكون قَصده الْفَاحِشَة فَقَالَت ﴿أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا﴾ أَي تتقي الله وَمَا يَقُول بعض الْجُهَّال من أَنه كَانَ فيهم رجل فَاجر اسْمه تَقِيّ فَهُوَ من نوع الهذيان وَهُوَ من الْكَذِب الظَّاهِر الَّذِي لَا يَقُوله إِلَّا جَاهِل ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾
وَفِي الْقِرَاءَة الْأُخْرَى ﴿لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ فَأخْبر هَذَا الرّوح الَّذِي تمثل لَهَا بشرا سويا أَنه رَسُول رَبهَا فَدلَّ الْكَلَام على أَن هَذَا الرّوح عين قَائِمَة بِنَفسِهَا لَيست صفة لغَيْرهَا وَأَنه رَسُول الله لَيْسَ صفة من صِفَات الله وَلِهَذَا قَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء إِنَّه جِبْرِيل ﵇ فَإِن الله سَمَّاهُ الرّوح الْأمين وَسَماهُ روح الْقُدس وَسَماهُ جِبْرِيل وَهَكَذَا عِنْد أهل الْكتاب أَنه تجسد من مَرْيَم وَمن روح الْقُدس لَكِن ضلالهم حَيْثُ يظنون أَن روح الْقُدس حَيَاة الله وَأَنه إِلَه يخلق ويرزق ويعبد وَلَيْسَ فِي شَيْء من الْكتب الإلهية وَلَا فِي كَلَام الْأَنْبِيَاء أَن الله سمى صفته الْقَائِمَة بِهِ روح الْقُدس وَلَا سمى كَلَامه وَلَا شَيْئا من صِفَاته ابْنا وَهَذَا أحد مَا تبين بِهِ ضلال النَّصَارَى وَأَنَّهُمْ حرفوا كَلَام الْأَنْبِيَاء وتأولوه على غير مَا أَرَادَت بِهِ الْأَنْبِيَاء فَإِن أصل تثليثهم مَبْنِيّ على مَا فِي أحد الأناجيل من أَن الْمَسِيح ﵇ قَالَ لَهُم عَمدُوا النَّاس باسم الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس فَيُقَال لَهُم هَذَا إِذا كَانَ قد قَالَه الْمَسِيح وَلَيْسَ فِي لُغَة الْمَسِيح وَلَا لُغَة أحد الْأَنْبِيَاء أَنهم يسمون صفة الله الْقَائِمَة بِهِ لَا كَلمته وَلَا حَيَاته لَا ابْنا وَلَا روح قدس وَلَا يسمون كَلمته ابْنا وَلَا يسمونه نَفسه ابْنا وَلَا روح قدس وَلَكِن يُوجد فِيمَا ينقلونه عَنْهُم أَنهم يسمون الْمُصْطَفى المكرم ابْنا وَهَذَا مَوْجُود فِي حق الْمَسِيح وَغَيره كَمَا يذكرُونَ أَنه قَالَ تَعَالَى لإسرائيل أَنْت ابْني بكري أَي بني إِسْرَائِيل وروح الْقُدس يُرَاد بِهِ الرّوح الَّتِي تنزل على الْأَنْبِيَاء كَمَا نزلت على دَاوُد وَغَيره فَإِن فِي كتبهمْ أَن روح الْقُدس كَانَت فِي دَاوُد وَغَيره وَأَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم فَسَماهُ أَبَا للْجَمِيع لم يكن الْمَسِيح مَخْصُوصًا عِنْدهم باسم الابْن وَلَا يُوجد عِنْدهم لفظ الابْن إِلَّا اسْما للمصطفى المكرم لَا اسْما لشَيْء من صِفَات الله الْقَدِيمَة حَتَّى يكون الابْن صفة الله تولدت مِنْهُ وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ فِي هَذَا مَا يبين أَنه لَيْسَ المُرَاد بالابن كلمة الله الْقَدِيمَة الأزلية الَّتِي يَقُولُونَ

1 / 310

أَنَّهَا تولدت من الله عِنْدهم مَعَ كَونهَا أزلية وَلَا بِروح الْقُدس حَيَاة الله بل المُرَاد بالابن ناسوت الْمَسِيح وبروح الْقُدس مَا أنزل عَلَيْهِ من الْوَحْي وَالْملك الَّذِي أنزل بِهِ فَيكون قد أَمرهم بالايمان بِاللَّه وبرسوله وَبِمَا أنزلهُ على رَسُوله وَالْملك الَّذِي نزل بِهِ وَبِهَذَا الَّذِي نزل بِهِ وَبِهَذَا أمرت الْأَنْبِيَاء كلهم وَلَيْسَ للمسيح خَاصَّة اسْتحق بهَا أَن يكون فِيهِ شَيْء من اللاهوت لَكِن ظهر فِيهِ نور الله وَكَلَام الله وروح الله كَمَا ظهر فِي غَيره من الْأَنْبِيَاء وَالرسل
ومعلوله أَن غَيره أَيْضا فِيمَا ينقلونه عَن الْأَنْبِيَاء يُسمى ابْنا وروح الْقُدس حلت فِيهِ وَهَذَا مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع
وَالْمَقْصُود هُنَا التَّنْبِيه على أَن كَلَام الْأَنْبِيَاء ﵈ يصدق بعضه بَعْضًا وَأَنه لَيْسَ مَعَ النَّصَارَى حجَّة سمعية وَلَا عقلية توَافق مَا ابتدعوه وَلَكِن فسروا كَلَام الْأَنْبِيَاء بِمَا لَا يدل عَلَيْهِ وَعِنْدهم فِي الْإِنْجِيل أَنه قَالَ إِن السَّاعَة لَا يعلمهَا الْمَلَائِكَة وَلَا الابْن وَإِنَّمَا يعلمهَا الْأَب وَحده فَبين أَن الابْن لَا يعلم السَّاعَة فَعلم أَن الابْن لَيْسَ هُوَ الْقَدِيم الأزلى وَإِنَّمَا هُوَ الْمُحدث الزماني
فصل موقف الْأُمَم من الرُّسُل
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾
فَهَذَا حق كَمَا أخبر الله بِهِ فَمن اتبع الْمَسِيح ﵇ جعله الله فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ الَّذين اتَّبعُوهُ على دينه الَّذِي لم يُبدل قد جعلهم الله فَوق الْيَهُود أَيْضا فالنصارى فَوق الْيَهُود الَّذين كفرُوا بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأما الْمُسلمُونَ فهم مُؤمنُونَ بِهِ لَيْسُوا كَافِرين بِهِ بل لما بدل النَّصَارَى دينه وَبعث الله مُحَمَّدًا ﷺ بدين الله الَّذِي بعث بِهِ الْمَسِيح وَغَيره من الْأَنْبِيَاء جعل الله مُحَمَّدًا وَأمته فَوق النَّصَارَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِنَّا معاشر

1 / 311

الْأَنْبِيَاء دينا وَاحِد وَإِن أولى النَّاس بِابْن مَرْيَم لأَنا لِأَنَّهُ لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي
قَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ فَكل من كَانَ أتم إِيمَانًا بِاللَّه وَرُسُله كَانَ أَحَق بنصر الله تَعَالَى فَإِن الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾
وَقَالَ فِي كِتَابه ﴿وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾
الْيَهُود كذبُوا الرُّسُل
وَالْيَهُود كذبُوا الْمَسِيح ومحمدا ﷺ كَمَا قَالَ الله فيهم ﴿بئْسَمَا اشْتَروا بِهِ أنفسهم أَن يكفروا بِمَا أنزل الله بغيا أَن ينزل الله من فَضله على من يَشَاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب﴾
فالغضب الأول تكذيبهم الْمَسِيح وَالثَّانِي مُحَمَّدًا ﷺ وَالنَّصَارَى لم يكذبوا الْمَسِيح وَكَانُوا منصورين على الْيَهُود والمسلمون منصورون على الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُم آمنُوا بِجَمِيعِ كتب الله وَرُسُله وَلم يكذبوا بِشَيْء من كتبه وَلَا كذبُوا أحدا من رسله بل اتبعُوا مَا قَالَ الله لَهُم حَيْثُ قَالَ ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ من ربه والمؤمنون كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله لَا نفرق بَين أحد من رسله وَقَالُوا سمعنَا وأطعنا غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير﴾

1 / 312