Cuyun Tafasir
عيون التفاسير للفضلاء السماسير للسيواسي
قوله (يوم يحمى) نصب بفعل مقدر، أي اذكر يوم يوقد النار (عليها) أي على الأموال، يشير به إلى أن الإحماء للنار، حذفت النار وأقيمت كلمة «عليها» مقامها للفاعلية، وهذا من قبيل رفع إلى الأمير مكان رفعت القصة إلى الأمير بحذف القصة، وإسناد الفعل إلى الجار والمجرور فلذا ذكر الفعل بطرح التاء منه، المعنى: أن النار تحمي على الأموال (في نار جهنم فتكوى) أي تحرق كيا (بها) أي بالأموال (جباههم وجنوبهم وظهورهم) أي ظهور كانزيها وخصت الجباه والجنوب والظهور بالذكر، لأن صاحب المال لما قبض وجهه وجبهته إذا رأى الفقير أو المسكين وولاه ظهره وأعرض عنه بجنبه، ويقال لهم (هذا ما) أي الذي «1» (كنزتم) أي جمعتم (لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) [35] أي عذابه.
قال ابن مسعود: «والذي لا إله غيره لا يوضع درهم على درهم في عذاب رجل بكنز ولا دينار على دينار، بل يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على حدة وكل دينار على حدة» «2».
روي: أن رجلا مات من أهل الصفة فوجد دينار في مؤتزره، فقال عليه السلام: كية، ومات آخر فوجد ديناران في مؤتزره، فقال عليه السلام: كيتان «3»، وحمل هذا على الوقت الذي كان الواجب عليه أن ينفق الفضل قبل أن يفرض الزكوة.
[سورة التوبة (9): آية 36]
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36)
قوله (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) نزل لبيان عدد الشهور التي وجبت الزكوة فيها على المسلمين وليقع صيامهم وحجهم وعيدهم على هذا العدد «4»، يعني بالأهلة على منازل القمر مرة في الشتاء ومرة في الصيف لا على حساب دوران الشمس، وقيل: كانت العرب تنسئ الشهور فربما وقع الحج في رمضان والقتال في الشهر الحرام أو ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر وأربعة عشر شهرا ليتسع لهم الوقت «5»، فقال تعالى إن عدة الشهور المعتد بها للسنة بلا زيادة ولا نقصان اثنا عشر شهرا (في كتاب الله) أي في اللوح المحفوظ أو في حكم الله، وهو في محل الرفع صفة ل «اثنا عشر»، قوله (يوم خلق السماوات والأرض) يتعلق ب «كتاب الله»، يعني كتبها عليكم يوم خلقهما ولذلك قال عليه السلام في حج الوداع: «إلا أن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا» «6» (منها أربعة حرم) ثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، وسميت بالحرم لتحريم القتال فيها، فعادت الشهور إلى أول وضعها وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسئ، أي التأخير (ذلك) أي تحريم الأشهر الحرم (الدين القيم) أي المستقيم، وهو دين إبراهيم عليه السلام فكانت العرب على ذلك الدين إلى أن غيره قبيلة كنانة بالنسيء، ثم قال تعظيما لأمر الأشهر الحرم (فلا تظلموا فيهن) أي في الأشهر الحرم بجعلها حلالا (أنفسكم) لأن القتال فيها أعظم وزرا، ثم نسخ وصار مباحا بقوله «7» (وقاتلوا المشركين كافة) أي جميعا في الشهر الحرام وغيره، وهو مصدر، نصبه حال عن الفاعل أو المفعول، أي مجتمعين في جميع الشهور (كما يقاتلونكم كافة) في جميع الشهور، وقيل: غير منسوخ «8»، ومعناه أن الغزو حرام فيها إلا أن يبدؤا بالقتال فيها وإلا فلا يجوز، والأصح النسخ لما ثبت أن النبي عليه السلام قد حاصر الطائف في الشهر الحرام وافتتحها بعد مضيه (واعلموا أن الله مع المتقين) [36] أي المطيعين الخائفين منه بالنصرة.
Page 137