Constancy and Inclusiveness in Islamic Law
الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية
Maison d'édition
مكتبة المنارة
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م
Lieu d'édition
مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية
Genres
•Islamic thought
Régions
•Arabie saoudite
الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية
تأليف
الدكتور عابد بن محمد السفياني
أستاذ مساعد بجامعة أم القرى
مكتبة المنارة
Page inconnue
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م
1 / 2
الثباتُ والشمول في الشَريعةِ الإسْلاميَّة
1 / 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 / 4
أصل هَذَا الْكتاب رِسَالَة دكتوراه فِي الشَّرِيعَة الإسلامية فرع الْفِقْه وَالْأُصُول قدمت لكلية الشَّرِيعَة بجامعة أم الْقرى بِمَكَّة المكرمة ١٤٠٧ هـ ومنحت الدرجَة العلمية بِتَقْدِير ممتاز.
1 / 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
1 / 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن عمدًا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين.
وبعد: فإن الإنسان محتاج إلى مبادئ ثابتة تطمئن اليها نفسه، ذلك لأنه مخلوق مفطور على "التوحيد"، الذي هو دين الرسل جميعًا، وهو الحق الثابت الذي لا يتغير.
وهذه الفطرة السوية تكسب النفس الإنسانية ثباتًا في القيم والمفاهيم والمبادئ، وعن طريق ذلك يعمر الإنسان الأرض ويقوم بمهمة الخلافة، وهو يشعر بتكريم الله له، حيث أنزل له "الوحي" وضمنه جوابًا عن كل مسألة تحتاج الى جواب، فإذا به يملك صورة صحيحة عن عالم الغيب، وأحكامًا شرعية يحتكم إليها في عالم الشهادة، وكل ذلك متسق مع فطرته، ومع هذا الكون الذي يعيش فيه. فقد خلق الله هذا الكون حيًا متحركًا كما خلق الإنسان حيًا مريدًا همامًا، فها هنا مجموعة حركة متجددة تحتاج إلى توجيه وضوابط، والدوافع والرغبات والمتاع الذي خلقه الله أيضًا لهذا الإنسان يضمن نشاط تلك الحركة فإذا بها حركة مستمرة موارة متجددة.
1 / 7
وقد قدر الله سبحانه أن يذعن الكون كله فلا يخرج عن تلك الضوابط .. أما بنو آدم فقد خيرهم الله بين اتباع سبيل الرشد، أو الانحراف عنه فمنهم من ثبت على فطرته السوية والتزم الهدي الرباني، ومنهم من تحول عنها فانفلت من تلك الضوابط واستجاب للانحراف.
ومن رحمة الله سبحانه أن قوى صلاح الفطرة بتلك الضوابط والتوجيهات وإن هذه الضوابط هي الأحكام الشرعية من الحلال والحرام التي تشمل جميع شؤون الإنسان ومجتمعه الخاصة والعامة، واتصفت هذه الأحكام -بما يناسب الكون والإنسان- من الثبات والشمول والحركة والتجدد والعطاء. ولقد حققت الأجيال الأولى من البشرية -على مدى عشرة قرون (١) - هذه الصورة الشرعية بما فيها من ثبات وشمول وحركة وتجدد بالمستوى الذي كانت تعيشه في تلك الفترة، والمجتمعات الرعوية، أو الزراعية، أو الصناعية تحتاج إلى هذه الصورة الشرعية، وكل يعيش بها حسب ما آتاه الله من قوة.
ثم طرأ على البشرية حالة غير سوية ئما أعرضت عن الهدي الرباني وخرجت عن ضوابطه، فاجتالتها الشياطين وأفسدت فطرتها.
ولقد حرص أعداء البشرية -الشيطان وجنده- على تعميق هذا الانحراف، واستعملوا من الأسلحة أخطرها، فكان ذلك السلاح هو "التبديل" تبديل المفاهيم والقيم وتلبيس الحق على الناس واستحداث صورة جديدة للمفاهيم والقيم والأحكام، وتغييرها في كل عصر ومكان وتزيينها للناس، والحيلولة بينهم وبين الهدي الرباني.
وبدأ الصراع بين فريقين:
الأول: الأنبياء والرسل وأتباعهم من المصلحين:
ومهمتهم المحافظة على الفطرة السوية -وهي التوحيد- وإبعاد الشبهات
(١) كما قاله ابن عباس ﵄. تفسير ابن كثير ١/ ٢٥٠.
1 / 8
عنها وتربية الناس على أحكامه، حرصًا على الاستقامة والثبات عليها، ومن ثم بناء حركة شاملة متجددة مع التزام للمنهج الرباني بشموله.
الثاني: الشيطان وأتباعه من المفسدين:
ومهمتهم إفساد الفطرة ونشر الشرك وأحكامه، حرصًا منهم على إفساد الأرض بتشريعات غريبة عن طبيعة الفطرة، يضعونها بأنفسهم، ويطلقون الإنسان مع رغباته وأهوائه بلا ضوابط شرعية، ويمدونه بأحكام متغيرة متبدلة لا تعرف ثباتًا ولا شمولًا ولا تحفظ الفطرة الإِنسانية من الفساد، لأنها موضوعة على مخالفة مقصد الشارع وهو الله سبحانه.
ولم يكتفوا بذلك، بل عادوا على "الوحي" الرباني يحاولون تبديله حتى لا يجد المصلحون مرجعًا يصححون عليه الفساد الذي طرأ على البشرية.
ولقد امتنع عليهم تبديل "الكتاب" و"السنة" وهما الحق الذي أنزله الله على نبينا محمد ﷺ وأرسله به إلى الناس كافة إلى يوم القيامة، ذلك بأنه وحي تكفل الله بحفظه نعمة منه وفضلًا كما قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
فلجأ هذا الفريق إلى حيلة أخرى فأخذ في تبديل المعاني الشرعية فجعل السنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والتوحيد تخلفًا وخروجًا إلى الانحراف، والشرك تقدمًا وتوحيدًا، والفضيلة رذيلة، والرذيلة فضيلة وهكذا .. والكتاب والسنة بين يدي المسلمين يقرأون نصوصهما على غير مراد الله لا ينجو منهم من هذه الفتنة إلّا مارحم ربك، وصُدّر هذا الفهم إلى الأمم الأخرى، وتواصى على نشره أعداء البشرية سواء في داخل الأمة أو خارجها، فترى أئمة الغزو الفكري في العالم يقرأون الكتاب والسنة ويدرسونها ويحرفون معانيها ويسعون في فتنة التبديل ... وينشرون دراساتهم وكتبهم لتحقيق هذه الغاية.
(١) سورة الحجر: الآية ٩.
1 / 9
وقبل ذلك وقعت البشرية في فتنة المخالفين من داخل هذه الأمة، فقد حرفت "الفرق الضالة" عقيدة الإسلام وشريعته، وسعت في فتنة التبديل مع استبقاء الانتساب للكتاب والسنة، وقد استفاد أئمة الغزو الفكري منهم وبنوا على تجربتهم واجتمع جهدهم -وهم في أمر مختلف- ولكنه يكون أقوى اجتماعًا وأشد تناصرا عند نشر فتنة التبديل والتغيير مع اختلاف الأساليب والمواقع والشارات والشعارات، وعدو البشرية الأول يرضى عن ذلك كله إذا ما كان الهدف واحدًا والغاية التي رسمها مطلوبة ومتحققة.
وإن المسلمين اليوم قد أحاطت بهم هذه الفتنة كما أحاطت بالبشرية في أكثر مراحلها وهي تحيط بها اليوم من جميع أقطارها، وليس لنا ولا لها أن ننتظر رسولًا جديدًا يرفع هذه الفتنة بإذن الله، ولكن علينا أن نستمسك بالكتاب والسنّة ونحذر من فتنة التبديل، ونتبع ما كان عليه نبي هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وماربي عليه أصحابه رضوان الله عليهم لنكون بفضل من الله من الطائفة التي تقوم بالحق، وبهذا يتحقق لنا أهم أسباب النصر، ولم يبق بعد ذلك إلا الصبر على بذل الجهد وإحسان العمل لنتغلب على الأعداء، ونحول بين البشرية وفتنتهم.
إن الصراع بين أهل الحق والباطل ما زال قائمًا .. وقد انقطع في كثير من مراحل البشرية قبل بعثة النبي يكرِو عندما غلب أهل الباطل، ولكنه في هذه الأمة لن ينقطع، لأن المصدر الرباني للهدي محفوظ، وطائفة الحق لا تزول وأعداء الدين داخل الأمة وخارجها أمسكوا بالفتنة الجديدة فتنة تبديل المفاهيم والقيم والأحكام واجتمعوا على نصرتها، وتوافرت جهودهم على ذلك، وأمنتهم هذه الأمة -كما أمنتهم البشرية في جميع أقطار الأرض- لما دعوا إلى السلام وجمع العالم تحت رايته وكفوا عن محاربة الدين محاربة صريحة، وأخذوا في طرق أخرى ملتوية وقام أئمتهم المفكرون بدراسة الكتاب والسنّة وتاريخ الإسلام تمامًا كما انتسب إليها أئمة الفرق الضالة وسعوا إلى أغراضهمٍ تلك ... جهلًا أو عنادًا، وجعلوا العقل والبحث العلمي -بزعمهم- رائدًا لهم فوافقهم على ذلك كثير من الكتاب والباحثين في الدراسات الإِسلامية، فعمت تلك الفتنة في العالم
1 / 10