أصلا، وخاطبته خطاب خالي الذهن كان كلامك غفلا من معنى البلاغة، بل كان بصوت الحيوان أشبه، وهكذا.
هذا، وأما الطرف الأعلى للبلاغة -وهو ما تقطع عنده الأطماع، وتحار فيه العقول، وتخرس الألسنة، وتخر له أعناق الجبابرة- فذلك مرتبة الإعجاز، وهو إنما يكون بمراعاة جميع الأحوال -ظاهرها وباطنها، واعتبار ما يلائمها من المقتضيات- وهذا أمر فوق مقدور البشر انفرد به العليم الخبير؛ ولهذا كان القرآن في أعلى طبقات البلاغة لصدوره عمن هو أعلم بكافة الأحوال -ظاهرها وخفيها- وأدرى بمقتضياتها واعتباراتها ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
بلاغة المتكلم:
هي ملكة أو صفة قائمة بالمتكلم راسخة فيه، يتمكن بها متى شاء من تأليف كلام بليغ في أي معنى يريد، فالمدار -كما قلنا في فصاحة المتكلم- على أن تكون فيه هذه الغريزة يستخدمها "متى أراد" في أي فن من فنون الكلام، فهو بليغ وإن لم ينطق متى وجدت فيه هذه القدرة على صوغ الكلام البليغ. فإذا فقد هذه القدرة، وحرم هذا الاستعداد لم يكن بليغا -كما لا يكون بليغا- إذا استطاع صوغ الكلام البليغ في معنى دون آخر.
وقياسا على ما سبق من أن البلاغة أخص من الفصاحة يكون المتكلم البليغ أخص من الفصيح؛ لأن المتكلم البليغ هو -كما قلنا- من به ملكة الإتيان بكلام بليغ، والكلام البليغ -كما سبق- مشروط فيه الفصاحة، وحينئذ لا يكون المتكلم بليغا حتى يكون فصيحا. أما المتكلم الفصيح، فقد يفقد صفة البلاغة بأن يصوغ كلاما بريئا من العيوب المخلة بالفصاحة، غير مطابق لمقتضى الحال كما إذا قلت لمنكر نجاح أخيه: نجح أخوك. مما تقدم في تعريف البلاغة تعلم أن: